الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وأما " الإلهيات " : فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعية وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلا عن أن يكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان ; ولهذا حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب " كشف أسرار المنطق " و " الموجز " وغيرهما أنه قال عند الموت : أموت وما عرفت [ ص: 114 ] شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر . ثم قال : الافتقار وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئا . وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم . وهذا أمر يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم أجهل أهل الأرض بالطرق التي تنال بها العلوم العقلية والسمعية ; إلا من علم منهم علما من غير الطرق المنطقية فتكون علومه من تلك الجهة ; لا من جهتهم مع كثرة تعبهم في البرهان الذي يزعمون أنهم يزنون به العلوم ومن عرف منهم شيئا من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرروه في المنطق .

ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلى برهانهم من قضية كلية أن العلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب فإن عرفوها باعتبار الغائب بالشاهد وأن حكم الشيء حكم مثله كما إذا عرفنا أن هذه النار محرقة فالنار الغائبة محرقة ; لأنها مثلها وحكم الشيء حكم مثله فيقال هذا استدلال بالقياس التمثيلي وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن فإذا كانوا إنما علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما يقولون : إنه لا يفيد إلا الظن . وإن قالوا : بل عند الإحساس بالجزئيات يحصل في النفس علم كلي من واهب العقل - أو تستعد النفس عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلي من واهب العقل - أو قالوا : من العقل الفعال - عندهم - أو نحو ذلك . قيل لهم الكلام فيها به يعلم أن الحكم الكلي الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل .

[ ص: 115 ] فإن قالوا : هذا العلم بالبديهة أو الضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا الكلية معلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم . وهذا إن كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس بالبديهة والضرورة كما هو الواقع فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات أعظم من جزمهم بالكليات وجزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس والعلم بالجزئيات أسبق إلى الفطرة فجزم الفطرة بها أقوى . ثم كلما قوي العقل اتسعت الكليات وحينئذ فلا يجوز أن يقال : إن العلم بالأشخاص موقوف على العلم بالأنواع والأجناس ولا إن العلم بالأنواع موقوف على العلم بالأجناس بل قد يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أن كل إنسان كذلك ويعلم أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه بأن غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة موقوفا على البرهان وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا متحركا بالإرادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الأحكام الشرعية .

وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذي يفيد اليقين وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال وأن [ ص: 116 ] قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة فإن كانت يقينية في أحدهما كانت يقينية في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الآخر ; وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الأصغر والأوسط والأكبر والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا .

فإذا قال في مسألة النبيذ : كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلا بد له من إثبات المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان وحينئذ فيمكنه أن يقول : النبيذ مسكر فيكون حراما قياسا على خمر العنب . بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار فإن الإسكار هو مناط التحريم في الأصل وهو موجود في الفرع فبما به يقرر أن كل مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى ; بل التفريق في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات . ولا يكفي في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزأين لثبوته في الجزء الآخر ; لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم ; كما يظنه بعض الغالطين ; بل لا بد أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط .

وهذا يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبا [ ص: 117 ] في تقدير صحة القياس فإن المعترض قد يمنع الوصف في الأصل وقد يمنع الحكم في الأصل وقد يمنع الوصف في الفرع وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول : لا نسلم أن ما ذكرته في الوصف المشترك هو العلة أو دليل العلة فلا بد من دليل يدل على ذلك : من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم للحكم إما علة وإما دليل العلة هو الذي يدل على أن الحد الأوسط مستلزم للأكبر وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى فإن أثبت العلة كان برهان علة وإن أثبت دليلها كان برهان دلالة وإن لم يفد العلم بل أفاد الظن فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية وهذا أمر بين ; ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولي كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلي وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث