الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 172 ] ومن قال من المتأخرين : إن تعلم المنطق فرض على الكفاية ; أو إنه من شروط الاجتهاد ; فإنه يدل على جهله بالشرع وجهله بفائدة المنطق . وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الإسلام . فإن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم ويكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف المنطق اليوناني . فكيف يقال : إنه لا يوثق بالعلم إن لم يوزن به أو يقال إن فطر بني آدم في الغالب لم تستقم إلا به فإن قالوا : نحن لا نقول إن الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطقيين بل إلى المعاني التي توزن بها العلوم .

قيل لا ريب أن المجهول لا يعرف إلا بالمعلومات ; والناس يحتاجون إلى أن يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من الموازين التي أنزلها الله حيث قال : { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } وقال : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } . وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا ; ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان ; فعلم أن الأمم غير محتاجة إلى المعاني المنطقية التي عبروا عنها بلسانهم ; وهو كلامهم في المعقولات الثانية ; فإن " موضوع المنطق " هو المعقولات من حيث يتوصل بها إلى علم ما لم يعلم فإنه ينظر في أحوال - المعقولات الثانية وهي النسب الثانية للماهيات من حيث هي مطلقة عرض لها إن كانت موصلة إلى تحصيل ما ليس بحاصل أو معينة في ذلك لا على وجه جزئي بل على قانون كلي ويدعون أن صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل ; كما [ ص: 173 ] أن صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي . وينظر في مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض ; وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أعم من الشرعي ; ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل ; ويدعون أن نسبة منطقهم إلى المعاني ; كنسبة العروض إلى الشعر وموازين الأموال إلى الأموال ; وموازين الأوقات إلى الأوقات ; وكنسبة الذراع إلى المذروعات .

وهذا هو الذي قال جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء إنه باطل ; فإن منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل ; لا في صورة الدليل ولا في مادته ; ولا يحتاج أن توزن به المعاني ; بل ولا يصح وزن المعاني به ; بل هذه الدعوى من أكذب الدعاوى .

والكلام معهم إنما هو في المعاني التي وضعوها في المنطق وزعموا أن التصورات المطلوبة لا تنال إلا بها . والتصديقات المطلوبة لا تنال إلا بها . فذكروا لمنطقهم " أربع دعاوى " : دعوتان سالبتان ودعوتان موجبتان .

ادعوا أنه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وأن التصديقات لا تنال بغير ما ذكروه فيه من الطريق وهاتان الدعوتان من أظهر الدعاوى كذبا وادعوا أن ما ذكروه من الطريق يحصل به تصور الحقائق التي لم تكن متصورة وهذا أيضا باطل . وقد تقدم التنبيه على هذه الدعاوى الثلاثة وسيأتي [ ص: 174 ] الكلام على دعواهم الرابعة التي هي أمثل من غيرها وهي دعواهم أن برهانهم يفيد العلم التصديقي .

وإن قالوا : إن العلم التصديقي أو التصوري أيضا لا ينال بدونه . فهم ادعوا أن طرق العلم على عقلاء بني آدم مسدودة إلا من الطريقتين اللتين ذكروهما من الحد وما ذكروه من القياس . وادعوا أن ما ذكروه من الطريقتين توصلان إلى العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم بمعنى أن ما يوصل لا بد أن يكون على الطريق الذي ذكروه لا على غيره فما ذكروه آلة قانونية بها توزن الطرق العلمية ويميز بها بين الطريق الصحيحة والفاسدة . فمراعاة هذا القانون تعصم الذهن أن يزل في الفكر الذي ينال به تصور أو تصديق .

هذا ملخص ما قالوه .

وكل هذه الدعاوى كذب في النفي والإثبات : فلا ما نفوه من طرق غيرهم كلها باطل ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذي ادعوا فيه وإن كان في طرقهم ما هو حق كما أن في طرق غيرهم ما هو باطل فما من أحد منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولا بد أن يتضمن ما هو حق . فمع اليهود والنصارى من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع هؤلاء من الحق بل ومع المشركين عباد الأصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر مما مع [ ص: 175 ] هؤلاء بالنسبة إلى ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعملية للأخلاق والمنازل والمدائن .

ولهذا كان اليونان مشركين كفارا يعبدون الكواكب والأصنام شرا من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير ولولا أن الله من عليهم بدخول دين المسيح إليهم فحصل لهم من الهدى والتوحيد ما استفادوه من دين المسيح ما داموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل لكانوا من جنس أمثالهم من المشركين . ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا في دين مركب من حنيفية وشرك : بعضه حق وبعضه باطل وهو خير من الدين الذي كان عليه أسلافهم .

وكلامنا هنا في " بيان ضلال هؤلاء المتفلسفة " الذين يبنون ضلالهم بضلال غيرهم فيتعلقون بالكذب في المنقولات وبالجهل في المعقولات كقولهم : إن أرسطو وزير ذي القرنين المذكور في القرآن ; لأنهم سمعوا أنه كان وزير الإسكندر وذو القرنين يقال له الإسكندر . وهذا من جهلهم ; فإن الإسكندر الذي وزر له أرسطو هو ابن فيلبس المقدوني . الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب إلى أرض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره وكان مشركا يعبد الأصنام . وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام وذو القرنين كان موحدا مؤمنا بالله وكان متقدما على هذا ومن يسميه الإسكندر يقول : هو الإسكندر بن دارا .

[ ص: 176 ] ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجو على أبعد الناس عن العقل والدين " كالقرامطة والباطنية " الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس وأظهروا الرفض وكجهال المتصوفة وأهل الكلام وإنما ينفقون في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان إما كفارا وإما منافقين كما نفق من نفق منهم على المنافقين الملاحدة . ثم نفق على المشركين الترك . وكذلك إنما ينفقون دائما على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث