الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وكان يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الإسلام في وقته أعني الفيلسوف الذي في الإسلام وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا : لبعض أعيان القضاة الذين كانوا في زماننا : ابن سينا من فلاسفة الإسلام ؟ فقال : ليس للإسلام فلاسفة . كان يعقوب يقول في أثناء كلامه العدم فقد وجود كذا وأنواع هذه الإضافات . ومن وجد في بعض كلامه فصاحة أو بلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن سينا وغيره . فلما استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم وإلا فلو مشى على طريقة سلفه وأعرض عما تعلمه من المسلمين [ ص: 187 ] لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم وألسنتهم وهم أكثر ما ينفقون على من لم يفهم ما يقولونه ويعظمهم بالجهل والوهم أو يفهم بعض ما يقولونه أو أكثره أو كله مع عدم تصوره في تلك الحال لحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما يعرف بالعقول السليمة وما قاله سائر العقلاء مناقضا لما قالوه . وهو إنما وصل إلى منتهى أمرهم بعد كلفة ومشقة واقترن بها حسن ظن فتورط من ضلالهم فيما لا يعلمه إلا الله . ثم إن تداركه الله بعد ذلك كما أصاب كثيرا من الفضلاء الذين أحسنوا بهم الظن ابتداء ثم انكشف لهم من ضلالهم ما أوجب رجوعهم عنهم وتبرؤهم منهم . بل وردهم عليهم وإلا بقي من الضلال . وضلالهم في الإلهيات ظاهر لأكثر الناس ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين قاطبة .

وإنما المنطق التبس الأمر فيه على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه ولم يعرفوا ما قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه واتفق أن فيه أمورا ظاهرة مثل الشكل الأول ولا يعرفون أن ما فيه من الحق لا يحتاج إليهم فيه بل طولوا فيه الطريق وسلكوا الوعر والضيق ولم يهتدوا فيه إلى ما يفيد التحقيق وليس المقصود في هذا المقام بيان ما أخطئوا في إثباته بل ما أخطئوا في نفيه حيث زعموا أن العلم النظري لا يحصل إلا ببرهانهم وهو من القياس .

وجعلوا أصناف الحجج " ثلاثة " : القياس والاستقراء والتمثيل وزعموا أن التمثيل لا يفيد اليقين وإنما يفيد القياس الذي تكون مادته [ ص: 188 ] من القضايا التي ذكروها . وقد بينا في غير هذا الموضع : أن قياس التمثيل وقياس الشمول متلازمان وأن ما حصل بأحدهما عن علم أو ظن حصل بالآخر مثله إذا كانت المادة واحدة . والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية بل إذا كانت المادة يقينية سواء كانت صورتها في صورة قياس التمثيل أو صورة قياس الشمول فهي واحدة وسواء كانت صورة القياس اقترانيا أو استثنائيا - بعبارتهم أو بأي عبارة شئت لا سيما في العبارات التي هي خير من عباراتهم وأبين في العقل وأوجز في اللفظ والمعنى واحد - .

وجد هذا في أظهر الأمثلة إذا قلت : هذا إنسان وكل إنسان مخلوق أو حيوان أو حساس أو متحرك بالإرادة أو ناطق أو ما شئت من لوازم الإنسان فإن شئت صورت الدليل على هذه الصورة وإن شئت قلت : هو إنسان فهو مخلوق أو حساس أو حيوان أو متحرك كغيره من الناس لاشتراكهما في الإنسانية المستلزمة لهذه الصفات وإن شئت قلت هذا إنسان والإنسانية مستلزمة لهذه الأحكام فهي لازمة له وإن شئت قلت : إن كان إنسانا فهو متصف بهذه الصفات اللازمة للإنسان ; وإن شئت قلت : إما أن يتصف بهذه الصفات وإما أن لا يتصف والثاني باطل ; فتعين الأول ; لأن هذه لازمة للإنسان لا يتصور وجوده بدونها .

وأما الاستقراء فإنما يكون يقينيا ; إذا كان استقراء تاما . وحينئذ فتكون قد حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الأفراد وهذا [ ص: 189 ] ليس استدلالا بجزئي على كلي ولا بخاص على عام ; بل استدلال بأحد المتلازمين على الآخر فإن وجود ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلي العام يوجب أن يكون لازما لذلك الكلي العام . فقولهم : إن هذا استدلال بخاص جزئي على عام كلي ليس بحق ; وكيف ذلك . والدليل لا بد أن يكون ملزوما للمدلول ؟ فإنه لو جاز وجود الدليل مع عدم المدلول عليه ; ولم يكن المدلول لازما له ; لم يكن إذا علمنا ثبوت ذلك الدليل ; نعلم ثبوت المدلول معه ; إذا علمنا أنه تارة يكون معه ; وتارة لا يكون معه ; فإنا إذا علمنا ذلك ; ثم قلنا إنه معه دائما كنا قد جمعنا بين النقيضين .

وهذا اللزوم الذي نذكره ههنا يحصل به الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم . وكلما كان اللزوم أقوى وأتم وأظهر ; كانت الدلالة أقوى وأتم وأظهر : كالمخلوقات الدالة على الخالق سبحانه وتعالى فإنه ما منها مخلوق إلا وهو ملزوم لخالقه لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه بل ولا بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته وكل مخلوق دال على ذلك كله .

وإذا كان المدلول لازما للدليل فمعلوم أن اللازم إما أن يكون مساويا للملزوم وإما أن يكون أعم منه فالدليل لا يكون إلا أعم منه وإذا قالوا في القياس يستدل بالكلي على الجزئي فليس الجزئي هو الحكم المدلول عليه وإنما الجزئي هو الموصوف المخبر عنه بمحل الحكم فهذا قد يكون أخص من الدليل وقد يكون مساويا له بخلاف الحكم الذي هو صيغة هذا وحكمه الذي أخبر به عنه فإنه لا يكون إلا أعم من الدليل أو مساويا له فإن ذلك هو المدلول اللازم للدليل والدليل هو لازم للمخبر عنه الموصوف .

[ ص: 190 ] فإذا قيل : النبيذ حرام لأنه خمر فكونه خمرا هو الدليل وهو لازم للنبيذ والتحريم لازم للخمر والقياس المؤلف من المقدمتين إذا قلت كل النبيذ المتنازع فيه مسكر أو خمر وكل خمر حرام فأنت لم تستدل بالمسكر أو الخمر الذي هو كلي على نفس محل النزاع الذي هو أخص من الخمر والنبيذ فليس هو استدلالا بذلك الكلي على الجزئي بل استدللت به على تحريم هذا النبيذ فلما كان تحريم هذا النبيذ مندرجا في تحريم كل مسكر قال : من قال إنه استدلال بالكلي على الجزئي .

و " التحقيق " أن ما ثبت للكلي فقد ثبت لكل واحد من جزئياته والتحريم هو أعم من الخمر وهو ثابت لها فهو ثابت لكل فرد من جزئياتها فهو استدلال بكلي على ثبوت كلي آخر لجزئيات ذلك الكلي . وذلك الدليل هو كالجزئي بالنسبة إلى ذلك الكلي وهو كلي بالنسبة إلى تلك الجزئيات وهذا مما ما لا ينازعون فيه ; فإن الدليل هو الحد الأوسط وهو أعم من الأصغر أو مساو له والأكبر أعم منه أو مساو له ; والأكبر هو الحكم والصفة والخبر . وهو محمول النتيجة . والأصغر هو المحكوم عليه الموصوف المبتدأ . وهو موضوع النتيجة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث