الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 17 ] فصل في اللبس قال ( لا يحل للرجال لبس الحرير ويحل للنساء ) { ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس الحرير والديباج وقال : إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة } وإنما حل للنساء بحديث آخر ، وهو ما رواه عدة من الصحابة رضي الله عنهم منهم علي رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وبإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب وقال : هذان محرمان على ذكور أمتي حلال لإناثهم } ويروى { حل لإناثهم } [ ص: 18 ] ( إلا أن القليل عفو وهو مقدار ثلاثة أصابع أو أربعة كالأعلام والمكفوف بالحرير ) لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة } أراد الأعلام .

وعنه عليه الصلاة والسلام { أنه كان يلبس جبة مكفوفة بالحرير }

[ ص: 17 ]

التالي السابق


[ ص: 17 ] ( فصل في اللبس )

قال صاحب النهاية : لما ذكر مقدمات مسائل الكراهية ذكر ما يتوارد على الإنسان مما يحتاج إليه بالفصول فقدم اللبس على الوطء ; لأن الاحتياج إلى اللبس أشد منه إلى الوطء ، انتهى كلامه ، واقتفى أثره صاحب العناية في هذا المعنى ولكن بعبارة أقصر .

أقول : صدور هذا التوجيه منهما في غاية الاستبعاد فإن مقتضاه الغفلة عما تقدم من الفصل الأول المعقود لبيان الأكل والشرب ، وما ذكره فيه من مسائل كثيرة متعلقة بالأكل والشرب مقصودة بالذات غير صالحة لأن تكون من مقدمات مسائل الكراهية كما ترى . والصواب في وجه الترتيب أن يقال : قدم فصل الأكل والشرب ; لأن احتياج الإنسان إلى الأكل والشرب أشد ، وعقبه بفصل اللبس فقدمه على فصل الوطء ; لأن احتياج الإنسان إلى اللبس أكثر من احتياجه إلى الوطء لتحقق الأول في جميع الأوقات دون الثاني ، وقد أشير إلى هذا التوجيه في معراج الدراية ( قوله وإنما حل للنساء بحديث آخر وهو ما رواه عدة من الصحابة إلى آخره ) لما ذكر حرمة لبس الحرير على الرجال وحله للنساء ، واستدل على الحرمة بما يعم الرجال والنساء لزمه أن يقول : وإنما حل للنساء بحديث آخر . فإن قيل : المحرم والمبيح إذا اجتمعا يجعل المحرم متأخرا كي لا يلزم النسخ مرتين ، وهنا لو تأخر قوله عليه الصلاة والسلام هذان حرامان الحديث ، يلزم النسخ مرتين في حق الإناث فيجعل قوله عليه الصلاة والسلام { حل لإناثهم } مقدما .

قلنا : قوله { إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة } يحتمل أن يكون بيانا لقوله { حرامان على ذكور أمتي } ; لأن هذا وعيد لا بيان حكم فيحمل عليه تقليلا للنسخ ، ولأن قوله " هذان حرامان " الحديث نص لبيان التفرقة في [ ص: 18 ] حق الحل والحرمة للذكور والإناث . وقوله { إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة } لبيان الوعيد في حق من لبس الحرام فكانا كالظاهر والنص ، والنص راجح على الظاهر . أو نقول : الدليل دل على أن مقتضى الحل للإناث متأخر ، وهو استعمال الإناث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير ، وهذا آية قاطعة على تأخره ، كذا ذكر السؤال والجواب في شرح تاج الشريعة والكفاية .

قال صاحب العناية في تقرير السؤال : والجواب هنا . فإن قيل : الحديث الدال على حله لهن إما أن يكون قبل الأول فينسخ به أو بعده فيتعارضان ; لأن العام كالخاص في إفادة القطع عندنا أو لا يعلم التاريخ فيجعل المحرم متأخرا لئلا يلزم النسخ مرتين .

فالجواب أنه بعده بدليل استعمالهن إياه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نكير ، وذلك آية قاطعة على تأخره فينسخ به المحرم ، وتكرار النسخ بالدليل غير ممتنع انتهى كلامه . أقول : تقرير السؤال على الوجه الذي ذكره صاحب العناية ليس بسديد ، لأن الترديد المثلث المذكور فيه قبيح جدا بل مختل المعنى ، فإنه إن أراد بقوله في الشق الثاني فيتعارضان أنهما حينئذ يتعارضان فيتساقطان فليس بصحيح ، إذ المؤخر يكون ناسخا للمقدم ألبتة عند التعارض والتساوي في القوة ، وإنما التساقط فيما إذا لم يعلم التاريخ ، ولم يمكن الجمع بينهما بطلب المخلص كما تقرر كل ذلك في علم الأصول ، وإن أراد بذلك أنهما يتعارضان ويكون المؤخر ناسخا للمقدم فهو يدفع السؤال عن المقام فلا وجه لدرجه في جانب السؤال .

وأقول : في الجواب الذي ذكره أيضا شيء ، وهو أنه ذكر في الشروح وسائر المعتبرات أنه قال بعض الفقهاء : لبس الحرير حرام على النساء أيضا لعموم النهي . ولما حدث الطحاوي عن أبي بكرة عن أبي داود عن شعبة قال : أخبرني أبو ذبيان قال : سمعت ابن الزبير يخطب يقول : يا أيها الناس لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة } فقد ظهر أن بعض الفقهاء سيما ابن الزبير رضي الله عنها أنكروا استعمال النساء الحرير فكيف يتم أن يقال في الجواب إنه بعده بدليل استعمالهن إياه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نكير فتأمل .

ثم قال صاحب العناية : فإن قيل : قوله صلى الله عليه وسلم " هذان حرامان " إشارة إلى جزئيين ، فمن أين العموم ؟ أجيب بأن المراد الجنس ، ولئن كان شخصا فغيره ملحق به بالدلالة انتهى . أقول : فيه بحث ، وهو أنه قد تقرر في علم الأصول أن عبارة النص ترجح على إشارته وإشارته ترجح على دلالته ، فعلى تقدير أن يكون غير الشخص المشار إليه في قوله عليه الصلاة والسلام " هذان حرامان " الحديث ملحقا به بالدلالة يلزم أن يرجح الحديث الدال عبارة أو إشارة على حرمة لبس الحرير مطلقا على الذكر والأنثى كقوله عليه الصلاة والسلام { إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة } على هذا الحديث في حق ما أفاده دلالة ، وهو حل لبس الحرير الذي هو غير الشخص المشار إليه في هذا الحديث للنساء ، فيلزم أن لا ينتهض هذا الحديث حجة لحل لبس الحرير الغير المشار إليه في الحديث للنساء فمن أين ثبت العموم

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث