الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 368 ] حرف الياء

" يحيى " بن زكرياء عليهما السلام، ولد قبل عيسى بستة أشهر، ونبئ صغيرا، وهو اسم أعجمي، وقيل: عربي.

قال الواحدي: وعلى القولين لا ينصرف.

قال الكرماني: وعلى الثاني أنه سمي به لأنه أحياه الله بالإيمان، وقيل: لأنه حيي به رحم أمه، وقيل: لأنه استشهد، والشهداء أحياء.

وسببه أن ملك زمانه كان له زوجة ولها بنت من غيره، فأرادت المرأة تزويجها منه غيرة وخوفا من تزويج غيرها، فزينتها وعرضتها عليه، وقالت له: أتريد أحسن منها، فقال لها: لا أحب غيرها.

فاتخذت وليمة، ودعت إليها يحيى، وعرضت عليه الأمر، فقال: معاذ الله في ذلك، فسقت زوجها الخمر، وقالت: أما علمت أن يحيى يأبى من زواجك لهذه الشابة، فدعا به وقتله بين يديها، فبكت الملائكة في السموات، وقالت: إلهي، بأي ذنب قتلوا يحيى، فقال تعالى: لم يذنب، ولم يهم بذنب، ولكن أحبني فأحببته، ولا بد في الحب من القتل، وسلط الله على قاتله بختنصر فقتله، وأخرب ملكه، وسبا حريمه، وملك رعيته.

فاسمع يا مدعي الحب، أما علمت أن المحبة أولها فكرية وآخرها بلية، وإذا كان الحب بين الخلق يذهب النفوس فكيف بمحبة الله! ولذلك قال تعالى: والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165].

ولذلك قال الجنيد: كم تقتل من الأحباب، وكم تريق من دم الأصحاب، فسمع هاتفا يقول: أقتل النفس، وأعطي ديتها.

فقال: يا رب، ما ديتها، فقال: دية مقتول الخلق الدنيا، ودية مقتول الحق رؤية الجبار.

" يوسف" بن يعقوب بن إبراهيم خليل الرحمن، ألقي في الجب وهو ابن ثنتي عشرة سنة، [ ص: 369 ] ولقي أباه بعد الثمانين، وتوفي وله مائة وعشرون سنة.

وفي الصحيح أنه أعطي شطر الحسن، قال بعضهم: وهو من المرسلين، لقول موسى: ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات [غافر: 34].

وقيل: ليس هو يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب.

ويشبه هذا ما في العجائب للكرماني في قوله: ويرث من آل يعقوب [مريم: 6] ، إن الجمهور على أنه يعقوب بن ماثان، وإن امرأة زكرياء كانت أخت مريم بنت عمران، قال: والقول بأنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم غريب.

وما ذكره أنه غريب هو المشهور، والغريب الأول، ونظيره في الغرابة قول نوف البكالي إن موسى المذكور في سورة الكهف في قصة الخضر ليس هو موسى نبي بني إسرائيل بل موسى بن منشا بن يوسف.

وقيل: ابن إفرائيم بن يوسف، وقد كذبه ابن عباس في ذلك.

وأشد من ذلك غرابة ما حكاه النقاش والماوردي أن يوسف المذكور في سورة غافر من الجن، بعثه الله رسولا إليهم، وما حكاه ابن عساكر أن عمران المذكور في آل عمران هو والد موسى لا والد مريم.

وفي يوسف من اللغات تثليث السين مع الياء والهمزة وبتركه، والصواب أنه أعجمي لا اشتقاق له.

فإن قلت: أين يوسف من فرعون في مخاطبة موسى له؟

والجواب: ما قدمناه لك من أن ملك مصر يسمى فرعون، وإنكارهم لبعث الرسالة لا يدل على أنهم مؤمنون برسالة يوسف، وإنما مرادهم أن يأتي أحد يدعي الرسالة بعد يوسف، قاله ابن عطية.

وقال الزمخشري: إنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته.

" يونس " بن متى، بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور.

ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه.

قال ابن حجر: وهو مردود بما في حديث ابن عباس في الصحيح، ونسبه إلى أبيه، قال: فهذا أصح.

قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمان ملوك الطوائف من الفرس، فبعثه [ ص: 370 ] الله إلى أحدهم فأعرضوا عنه، ووعدهم بالعذاب، فخاف منهم وهرب فالتقمه الحوت كما قدمنا أنه مكث في جوفه أربعين يوما.

وقيل: التقمه ضحى ولفظه عشية.

وفي يونس ست لغات: تثليث النون مع الياء والهمزة، والقراءة المشهورة بضم الياء مع النون قال أبو حيان: وقرأ طلحة بن مصرف بكسر يونس ويوسف، أراد أن يجعلهما عربيين مشتقين من أنس وأسف وهو شاذ.

يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم .

قد قدمنا أن الخطاب لبني إسرائيل قبل هذا الحرف.

فإن قلت: أي فائدة لخطاب المعاصرين بهذا، وتعبيره في سورة الأعراف بالقتل [141]؟

والجواب: لأنهم من ذريتهم وعلى دينهم ومتبعون لهم، وهم راضون بذلك، فعدد عليهم بما من على آبائهم وهم عالمون بذلك.

وورد في آية البقرة مضعفا؛ لأن المقصود فيها كما قدمنا تعديد وجوه الإنعام عليهم، وبيان المنة، ومقابلتهم لهذه النعمة بالكفر من الأمر الشنيع، ألا ترى أنه لما ذكر دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم دعا بني إسرائيل خصوصا.

وأيضا لما كان الذبح منبئا عن القتل وصفته، ولا يفهم من القتل غير إعدام الحياة بتناول من غير المقتول في الغالب عبر هنا بما يوفي المقصود من الإخبار بالقتل وصفته، مع إحراز الإيجاز؛ إذ لو ذكر القتل وأتبع بالصفة لما كان إيجازا، فعدل إلى ما يحصل منه المقصود مع إيجاز، فقال: يذبحون .

وعبر في سورة الأعراف بالقتل؛ لأنه أوجز من لفظ: يذبحون ، لأجل التضعيف؛ إذ لفظ يذبحون أثقل لتضعيفه.

وقد حصلت صفة الفعل في سورة البقرة.

يهبط من خشية الله [البقرة: 74]: صفة للحجر؛ وذلك أن الله تعالى جعل خوفه في المتحرك والساكن، فكل حجر يرمى من علو إلى سفل فمن خشية الله، ومنهم من يتفجر منه الأنهار، كما قال تعالى، هذا مع أنهم غير مخاطبين ولا مكلفين، وأنت يا محمدي مكلف مخاطب، وقد قسا قلبك، فهل هذا [ ص: 371 ] إلا من مخالفة أمر ربك، تلين الأحجار، ولا تلين القلوب! وأعظم من ذلك عدم الانكسار والخشوع! لو تليت هذه الآيات على الجماد لان، كما قال تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: 21].

فلا حيلة لنا يا رب إلا إلقاء نفوسنا بين يديك، والتفويض لما أردت بنا، وإلا الصبر لنا على عذابك، وكيف يصبر الجسم الضعيف على العذاب المقيم، فصبرنا إن قضيت علينا، واجعلنا كالإسرائيلي الذي عبدك سبعمائة سنة، فأوحيت إلى نبيء ذلك الزمان: قل لعبدي فلان تعبد ما شئت، فأنت من أهل النار.

فلما بلغه وحيك قال: مرحبا بحكم ربي! ثم قال: إلهي، عبدتك، وأنا لا أظن أني لا أزن عندك قليلا ولا كثيرا، فإذا أنا أصلح لنارك، وعزتك ما زادني هذا إلا حبا وتلهفا فيك، فأوحى الله إلى دانيال عليه السلام: قل لعبدي المستحق لولائي بالصبر والرضا: رضيت عني بأصعب حكم وقضاء، وعزتي وجلالي لو ملأت ذنوبك الأرض والسماء لغفرتها لك، ولا أبالي.

وأنت تعلم كربتي وذلتي وشدة محنتي بذنوب اقترفتها وعظائم ارتكبتها، وأنت تعلم أنه ليس لي من يتفقدني عند الموقف بين يديك غير رحمتك الواسعة التي أخبرتنا بها، فقيض لي من يشفع عندك، أقسم عليك بجاه نبيك الكريم، واسمك العظيم، وعمدتنا على لسان نبيك أنه أعد شفاعته لكبائر أمته، فأذن له فينا، ولا تخيبنا من فضلك العظيم وإحسانك العميم، وأسألك أن تصلي على نبيك الكريم، وترضى عن أصحابه ذوي الفضل والتكريم.

يستفتحون [البقرة: 89]: يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم.

فالسين على هذا للطلب، يعني أنهم كانوا يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبيء يخرج نقاتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل: يستفتحون أي: يعرفون الناس بالنبي - صلى الله عليه وسلم.

فالسين على هذا للمبالغة، كالسين في استعجب واستسخر، وعلى كل قول فبغضهم واجب وقتلهم جائز لجحدهم ما عرفوا في كتبهم، ولذلك قال الله فيهم: فلعنة الله على الكافرين [البقرة: 89].

[ ص: 372 ] يتمنوه أبدا [البقرة: 95]: الضمير يعود على الموت، وذلك أن الله أمرهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في قولهم على وجه التعجيز والتبكيت.

لأن من علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها، ولو تمنوه لماتوا من ساعتهم، ولما علموا ذلك لم يتمنوه لذنوبهم؛ لأنهم أرادوا الحياة الدنيوية.

فإن قلت: لم عبر في آية البقرة ب: " لن " بخلاف الجمعة [7]؟

والجواب: أنه لما كان الشرط فيها مستقبلا؛ وهو قوله تعالى: إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة [البقرة: 94] ، الآية - جاء جوابه ب: " إن " التي تخلص الفعل للاستقبال.

ولما كان الشرط في الجمعة حالا، وهو قوله: إن زعمتم أنكم أولياء لله [الجمعة: 6] ، جاء جوابه بلا التي تدخل على الحال، وقد تدخل على المستقبل.

فإن قلت: ما النافية أخص بالحال فهي أنسب؟ قلت: قد يفهم من "ما" نفي مجرد الحال دون ما يتصل به، فقد يقول القائل: ما يقوم زيد - يريد ما يقوم اليوم، ولا يريد أنه ما يقوم غدا، وما صالحة لهذه المعنى، وهم إنما أرادوا أنهم أولياء مستمرون على ذلك، وأن تلك صفتهم على الحال وما يليه إلى آخر حياتهم؛ إذ ذاك هو الموجب أن تكون لهم الدار الآخرة خالصة من دون الناس كما زعموا، فلما كان زعمهم هذا ناسبه نفي دعواهم وتكذيب زعمهم بحرف نص في نفي ذلك، وأنه لا يقع منهم التمني في حالهم ولا فيما بعده أبدا.

فإن قلت: إن قوله: أبدا قد أحرز هذا؟ قلت: تأكيد ذلك أبلغ، فنفى ب: لا وأكد بالتوكيد.

فجاء على أعلى البلاغة.

يتلون الكتاب [البقرة: 113].

أي: يقرؤونه، والضمير عائد على اليهود والنصارى، وهذا تقبيح لقولهم وذمهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولما جاء به، مع تلاوتهم كتابهم.

[ ص: 373 ] ويلعنهم اللاعنون [البقرة: 159]: قد قدمنا أنهم جميع من تقع منه اللعنة، وإذا تلاعن اثنان، وكان أحدهما غير مستحق للعن رجعت اللعنة على المستحق لها، فإن لم يستحقها أحد منهما رجعت على اليهود.

ينعق [البقرة: 171].

أي: يصيح بالغنم فلا تدري ما يقول لها إلا أنها تنزجر بالصوت، وشبه الله الكفار بالبهائم في قلة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم، أو يكون تشبيها للكفار في دعائهم وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا يسمع؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئا، وفيه تفصيل قدمنا ذكره.

يطهرن [البقرة: 222]: من الدم، ويتطهرن بالماء، وقرئ حتى يطهرن بالتشديد، وهو حجة لمالك.

يتسنه [البقرة: 259].

ومعناه يتغير، واللفظ يحتمل أن يكون مشتقا من السنة؛ لأن لامها هاء فتكون الهاء في "تسنه" أصلية، أي: لم تغيره السنون.

ويحتمل أن يكون مشتقا من قولك: تسنن الشيء إذا فسد، ومنه الحمأ المسنون، ثم قلبت النون حرف علة، كقولهم: قصيت أظفاري، ثم حذف حرف العلة للجزم، والهاء على هذا هاء السكت.

وقيل: إن طعامه كان تينا وعنبا، وإن شرابه كان عصيرا ولبنا، فأراه الله أعجوبة في بقائه هذه المدة الطويلة على حالته.

يئوده [البقرة: 255]: يثقله، من قولهم: ما آدك فهو بموئد، أي: ما أثقلك فهو لي مثقل.

يمحق الله الربا [البقرة: 276].

أي: يذهبه في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بالعقوبة.

وقد قدمنا أن عقوبته في الآخرة بقيامه من القبر كالمجنون يعرفه أهل الحشر بتلك العلامة، وأي عقوبة أكبر من هذا.

وحكى القاضي عياض في مداركه: أن ترك ربع دانق مما حرم الله أفضل من سبعين ألف حجة، وأفضل من سبعين ألف غزوة، وسبعين ألف بدنة مقلدة أهديت إلى بيت الله [ ص: 374 ] الحرام، قال: فبلغ ذلك عبد الجبار، فقال: نعم، وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا وفضة اكتسبن من حلال وأنفقن في سبيل الله، ترك ربع دانق مما حرم أفضل من ذلك كله.

يلوون ألسنتهم بالكتاب [آل عمران: 78]: الضمير عائد على أهل الكتاب، يعني يحرفون لفظه أو معناه.

يضركم [آل عمران: 120].

من الضير، بمعنى الضرر.

يكبتهم [آل عمران: 127]: يغيظهم ويخزيهم.

وقيل: يصرعهم لوجوههم.

"يمين": له أربعة معان: اليد اليمنى، والجهة اليمنى، وبمعنى القوة، وبمعنى الحلف.

وأيمن الإنسان جهة يمينه.

" يسير ": له معنيان: قليل، ومنه: كيل يسير.

وهين، ومنه: وذلك على الله يسير [التغابن: 7].

واليسر ضد العسر.

يئس [المائدة: 3] ، من الأمر ييأس، أي انقطع رجاؤه، ومنه: ولا تيأسوا من روح الله [يوسف: 87] ، و: إنه ليئوس .

وأما: أفلم ييأس الذين آمنوا [الرعد: 31] ، فمعناه: أفلم يعلم، وهي لغة هوازن، وقرئ: "أفلم يتبين" .

" يستبشرون " [آل عمران: 170، 171]: يفرحون: والضمير عائد على قوم لوط لما سمعوا بذكر الأضياف أسرعوا إليه فرحين ببغيتهم ونكاية للوط عليه السلام، وكرره في آل عمران [170، 171] ، ليذكر له من النعمة والفضل.

يميز الخبيث من الطيب [آل عمران: 179].

أي: ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه ميز هؤلاء من هؤلاء بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال التي تدل على الإيمان أو على النفاق، [ ص: 375 ] وما كان الله ليطلعكم على ما في القلوب من الإيمان أو النفاق، أو يطلعكم على ألا تغلبون أو تغلبون.

يفقهون [النساء: 78]: يفهمون، ولذا سمي الفقيه فقيها.

وفي الحديث: "ما أعطي المرء أفضل من حسن سمت وفقه في الدين".

وانظر كيف عبر عنهم تارة بالفهم، وتارة بالعقل، وتارة بالهداية، وعن الكفار بضدها، وكلها ألفاظ بمعنى واحد.

يشترون الضلالة [النساء: 44]: عبارة عن إيثارهم الكفر على الإيمان، فالشراء مجاز، كقوله تعالى: اشتروا الضلالة بالهدى [البقرة: 16].

وفي تكرار قوله: وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا [النساء: 45] - مبالغة.

يشرون [النساء: 74]: يبيعون، ومنه: ومن الناس من يشري نفسه [البقرة: 207].

يستنبطونه منهم [النساء: 83] ، أي: من المسلمين.

والمعنى: لو ترك هؤلاء القوم الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم وردوه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأولي الأمر منهم، ف: " من " على هذا لابتداء الغاية، وهو يتعلق بالفعل، والضمير المجرور يعود على الرسول وأولي الأمر.

وقيل: إن الذين يستنبطونه هم أولو الأمر، كما جاء في الحديث عن عمر -رضي الله عنه- أنه سمع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طلق نساءه فدخل عليه، فقال: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فقام على باب المسجد، فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته، فعلى هذا الذين يستنبطونه هم أولو الأمر.

والضمير المجرور عائد عليهم، ومنهم لبيان الجنس، واستنباطهم على هذا هو سؤالهم عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بالنظر والبحث، واستنباطه على التأويل الأول هو سؤال الذين أذاعوه للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولأولي الأمر.

يألمون [النساء: 104] ، أي: يصيبهم ألم من قتالكم، ومعناها [ ص: 376 ] التحريض على قتالهم؛ لأنهم يتألمون من ملاقاتكم، ومع ذلك فإنكم ترجون إذا قاتلتموهم النصر في الدنيا والأجر في الآخرة، وهذا كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا [التوبة: 52].

يتيهون في الأرض [المائدة: 26].

أي: في أرض التيه، وقد قدمنا أنها بين مصر والشام، وكانوا يسيرون النهار والليل، ويجدون أنفسهم في الموضع الذي ارتحلوا منه مساء وصباحا عقوبة لهم على ما صدر منهم.

يستفتونك [النساء: 127].

أي: يسألونك عن الحكم الشرعي على وجه النظر.

والمستفتي هو المستخبر عن الحكم الشرعي على غير وجه النظر، فكل مستفت مستخبر، وليس كل مستخبر مستفتيا؛ لأن السائل على وجه النظر مستخبر، وليس بمستفت في عرف الفقهاء.

يعصمك من الناس [المائدة: 67].

أي: يحفظك، وفي هذا وعد وضمان لعصمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان يحترس من أعدائه، فلما نزلت أخرج رأسه من البيت الذي كان فيه، وقال: اذهبوا فقد عصمني الله، فكل ما أصيب به قبل نزول الآية، وأما بعد نزولها فلا، فالعصمة للأنبياء، - والحفظ للأولياء.

يا أهل الكتاب لستم على شيء [المائدة: 68]: من فضل هذه الأمة المحمدية أن الله خاطبهم بالإيمان، وخاطب أهل الكتاب بكتابهم، ففي الأولى جمع الله أوصاف المؤمنين ونعوتهم ومعانيهم في هذا النداء؛ لأنه لم تبق حسنة إلا دخلت تحته، وفي الثاني إهانة وتوبيخ، ألا ترى أنه قال لهم: لستم على شيء [المائدة: 68] ، أي: على دين يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل، ومن إقامتها الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وقوله: وما أنزل إليكم [المائدة: 68].

قال ابن عباس: يعني القرآن، ونزلت الآية بسبب رافع بن حارثة، ورافع بن حريملة.

وسلام بن مشكم، وغيرهم من اليهود، جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: إنا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ولا نؤمن بك ولا نتبعك.

[ ص: 377 ] " ( ينعه ) " [الأنعام: 99] ، أي: ينضج ويطيب، والمعنى: انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفا لا منفعة فيه، ثم ينقل من حال إلى حال حتى يينع.

يقترفون [الأنعام: 120]: يكتسبون.

يصعد في السماء [الأنعام: 125]: أصله يتصعد، ومعناه أن من يريد الله ضلاله كأنما يحاول الصعود في السماء، وذلك غير ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان.

وقرئ بالتخفيف.

وأما: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] - فمعناه: لا إله إلا الله، واللفظ يعم كل ذكر ودعاء وتعليم علم، فإن الله يقبله ويثيب عليه بفضله وكرمه، وهذا معنى قوله: والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10].

وقيل: إن ضمير الفاعل للكلم الطيب، وضمير المفعول للعمل الصالح.

والمعنى على هذا أنه لا يقبل العمل إلا من موحد.

وقيل: إن ضمير الفاعل للعمل الصالح وضمير المفعول للكلم الطيب.

والمعنى على هذا أن العمل الصالح هو الذي يقبل الكلام الطيب، فلا يقبل الكلام إلا من له عمل صالح.

روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية ولم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يتناول أن يزيد في رفعه وحسن رفعه.

فإن قلت: آية قوله تعالى: إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة: 27] تدل على قول ابن عباس؟

والجواب: أن معنى المتقين يعني الذين اتقوا الشرك؛ لأن التقوى على درجات، كما قدمناه مرارا.

فلا نطيل بذكره.

وقد قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 7، 8].

فلا السيئة تبطل الحسنة، ولا العكس، على هذا يكون اعتقادك لا على غيره.

يخوضون في آياتنا [الأنعام: 68]: الضمير للكفار، وذلك أنهم كانوا [ ص: 378 ] إذا سمعوا القرآن طعنوا فيه واستهزءوا به، فأمر الله نبيه بالإعراض عنهم حتى يحكم الله فيهم بعدله.

يغنوا فيها [الأعراف: 92]: يقيموا فيها، أو ينزلوا مستغنين.

والمغاني: المنازل، واحدها مغنى.

ويذرك وآلهتك [الأعراف: 127]: معطوف على: ليفسدوا [الأعراف: 127] ، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو.

وقيل: كان فرعون جعل للناس أصناما يعبدونها، وجعل نفسه الإله الأكبر، ولذلك قال: أنا ربكم الأعلى ، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام.

وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس: إلاهتك، أي: عبادتك، والتذلل لك.

يستضعفون [الأعراف: 137]: هم بنو إسرائيل استضعفوهم قوم فرعون، فجعلوهم خدما يمتهنونهم في الخدمة ويتعبونهم في المناولة.

يعرشون [الأعراف: 137] ، أي: يبنون.

وقيل: الكروم وشبهها.

يعدون في السبت [الأعراف: 163]. يعني: يتجاوزون حد الله فيهم باصطيادهم الحوت.

يسبتون [الأعراف: 163] ، يدعون العمل فيه.

وبضم الياء يدخلون في السبت.

يلهث [الأعراف: 176]: اللهث: تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحر والتعب، وهو حالة دائمة للكلب، ومثل الله الذي انسلخ من آياته بالكلب؛ لأنه لا يعرف قدر اللؤلؤ والياقوت، بل يعرف الجيف والقذرات المنتنة، وبلعام لم يعرف قدر ما أعطاه الله، فسلب، وفي هذا من الإشارة لك يا محمدي ما يذهل العقول في كونك أكرمك الله بآياته، وفضلك على كثير من مخلوقاته، فأعرضت عنها، واشتغلت بالجيفة النتنة الذي قال فيها الصادق الصدوق: "الدنيا جيفة وطلابها كلاب".

[ ص: 379 ] وإن أعرضت عنها في بعض أوقاتك فما أسرع نكث العهد في رجوعك إليها، أما سمعت قول الصادق المصدوق: نحن أمة ليس لنا مثل السوء "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه".

فافهم إن كنت ذا فهم، والسلام.

ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال، كما أن لهث الكلب على كل حال.

وقيل: إن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقة، وهذه حالنا لولا أن من الله علينا بنبي عظيم يشفع فينا لكنا أعظم من هذا، وكيف لا وفعلنا أعظم، وجرائمنا أجسم، لكن سيئات المحبوب حسنات، اللهم كما سترتها علينا بجاهه عندك استرها علينا في الآخرة.

يمشون بها [الأعراف: 195]: أخبر الله بهذه الآية عن اعتراف المشركين أن أصنامهم لا تمشي ولا تبطش ولا تسمع ولا تبصر، فقال لهم: كيف تعبدونها، وبين بها كفرهم وإعراضهم عن عبادة المتصف بالسمع والبصر والقدرة والإرادة، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو.

يتولى الصالحين [الأعراف: 196] ، في أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم.

ومن كان لله كان الله له، ومن راقب يراقب، ومن غفل غفل عنه.

أنت تريد وهو يريد، فإن تركت مرادك لمراده أنالك ما تريد، كيف تطلب خرق العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد.

ينزغنك من الشيطان نزغ [الأعراف: 200]: قد قدمنا أن الخطاب بهذا لأمته؛ إذ الإجماع على عصمته، ونزغ الشيطان: وسوسته، والأمر بالمعاصي، وتحريك الغضب، وفي هذا من التعليم لأمته بوجوده -صلى الله عليه وسلم- ما يعجز اللسان عن شكره، وكيف لا وقد بين لنا -صلى الله عليه وسلم- كيفية الفعل إذا اعترانا هذا اللعين بقوله: إن كان قائما فليجلس، وإن كان جالسا فليضطجع، ويستعيذ بالله من شره.

وفي حديث آخر لما رأى رجلا اشتد غضبه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".

[ ص: 380 ] وقد وفق الله بعض هذه الأمة لكظم الغيظ، وعفوهم عمن ظلمهم، لو ذكرنا ذلك لطال ذكرهم، كالذي كان يناول طعاما لسيده فعثر ووقعت الصحفة من يده، فقتل ابن سيده، فدهش، فقال له السيد: لا روع عليك! فقال الغلام: والكاظمين الغيظ [آل عمران: 134].

قال: قد كظمته.

فقال الغلام: والعافين عن الناس [آل عمران: 134].

فقال: قد عفوت.

قال الغلام: والله يحب المحسنين [آل عمران: 134] ، فقال: قد أحسنت إليك.

اذهب فقد زوجتك ابنتي.

وآخر دخل على فرسه الذي كان يركبه، فوجده على ثلاث قوائم، فقال: من فعل هذا، فقال له الغلام: أنا.

قال: ما الذي حملك على ذلك، قال: أردت أن أغمك.

فقال: لأغمن الذي أمرك بذلك.

اذهب فأنت حر لوجه الله.

هكذا فلتكن حالك إن أردت اللحوق بهم، وإلا ظن مباينة حالك لحالهم.

هؤلاء يملأ الله قبورهم نورا، كما ملأها في الدنيا إيمانا، وأما نحن فلا ندري ما نصير إليه لا نحن فيه من غلبة النفس والهوى والشيطان.

يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون [الأعراف: 202]: قرئ بضم الياء وفتحها، ومعناها: لا يقصر الشيطان على إمداد إخوانهم من الكفار، أو لا يقصر الكفار عن غيهم.

يسألونك عن الأنفال [الأنفال: 1]: يعني أن الصحابة يوم بدر كانوا على ثلاث فرق: فرقة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- تحرسه وتؤنسه، وفرقة تبعت المشركين تقاتلهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكره لما انهزموا، فلما انجلت الحرب ونصر الله نبيه رأت كل فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية: إن الأنفال، وهي الغنيمة، لله ورسوله.

وقيل: الأنفال هنا ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على حظه، فأعطاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما غنموا وقسمها بينهم، وفي بعض الغزوات قال لهم: لي معكم الخمس، وهو مردود عليكم لزهده -صلى الله عليه وسلم- وإيثاره الصحابة عليه.

وقد اختلف الفقهاء: [ ص: 381 ] هل يكون هذا النفل الذي يعطيه الإمام من الخمس، وهو قول مالك، أو من الأربعة أخماس، أو من رأس الغنيمة قبل إخراج الخمس.

يحول بين المرء وقلبه [الأنفال: 24]: قيل: يميته.

وقيل: يصرف قلبه حيث شاء، فينقلب من الإيمان إلى الكفر، وشبه ذلك، ولذلك كان المعصوم -صلى الله عليه وسلم- يقول في كل صباح ومساء: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.

ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم- يتقلب ويدعو لأمته ويسأله ثباتهم.

وفي الحديث: القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، يعني أصابع القدرة والإرادة لا أصابع الجارحة.

وقيل لبعضهم: بم عرفت ربك، قال: بنقض العزائم، عزمت فنقض عزمي، وهممت فنقض همي، فعلمت أن لي ربا يدبر أمري.

يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره [التوبة: 32]: نور الله هداه الصادر عن القرآن والشرع المنبث في قلوب الناس، فمن حيث سماه نورا سمى محاولة إفساده والصد في وجهه إطفاء.

وقالت فرقة: النور: القرآن.

وقوله: بأفواههم عبارة عن قلة حيلتهم وضعفها، أخبر عنهم أنهم يحاولون مقاومة أمر جسيم بعمل ضعيف، فكان الإطفاء بنفخ الأفواه.

ويحتمل أن يراد بأقوال لا برهان عليها، فهي لا تتجاوز الأفواه إلى فهم سامع.

وقوله: ويأبى إيجاب يقع بعده أحيانا " إلا " ، وذلك لوقوعه هو موقع الفعل المنفي؛ لأن التقدير: ولا يريد الله إلا أن يتم نوره.

وقال الفراء: هو إيجاب فيه ضرب من النفي.

ورد الزجاج على هذه العبارة، وبيانه ما قلناه.

فإن قلت: ما حكمة زيادة آية براءة على آية الصف، واختلاف العبارتين؟

والجواب: ناسب زيادة براءة ما ورد من الطول المحكي فيها من قول الطائفتين من اليهود والنصارى: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله [التوبة: 30].

وأما آية الصف فمقابل بها قول عيسى عليه السلام: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا [الصف: 6] ، ثم قال تعالى: فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين [الصف: 6] ، وليس هذا [ ص: 382 ] في الطول وعدة الكلم كالمحكي في سورة براءة؛ ألا ترى أن الواقع في براءة ست كلمات، وفي الصف ثلاث كلمات، والقائل طائفة واحدة.

وهذا مراعى.

يعلم إنهم لكاذبون [التوبة: 42]: ضمير الجماعة يعود على المنافقين الذين يحلفون: لو استطعنا لخرجنا معكم [التوبة: 42] ، فأخبر الله رسوله بكذبهم، وأنهم كانوا يستطيعون الخروج، ولكن تركوه كفرا ونفاقا، وهذا كله في الجملة لا بتعين شخص، ولو عين لقتل بالشرع.

وانظر كيف عبر هنا بالعلم بخلاف الآية بعدها.

وفي الحشر والمنافقين لأن الاستطاعة وعدمها حكم لا يطلع عليه في الغالب، بل ينفرد كل بحاله في ذلك، إلا أن يعلم ذلك بقرينة، فقول المنافقين في إخبار الله تعالى عنهم: لو استطعنا لخرجنا معكم [التوبة: 42] ، غير مشاهد من ظاهرهم، فقد كان يمكن صدقهم أو صدق بعضهم لولا أنه سبحانه أعلم بحالهم، فناسب التعين بالعلم.

فيركمه جميعا [الأنفال: 37].

أي: يضمه ويجعل بعضه فوق بعض.

يوم يحمى عليها [التوبة: 35]: الضمير يعود على ما يعود عليه ضمير: ينفقونها [التوبة: 34] ، والعامل في الظرف: أليم [التوبة: 34] ، أو محذوف.

فانظر ما أوعد الله للممسك ماله ولا ينفقه.

وقد أخبرنا الله بعذابه في آيات من كتابه كقوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: 1].

وأما من أوتي كتابه بشماله ... إلى قوله: ولا يحض على طعام المسكين [الحاقة: 25، 34].

ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين [المدثر: 42، 44].

كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى [المعارج: 15، 18].

وأكرم الله المنفق بخمس كرامات: جعل الصدقة تقع في يده قبل وقوعها في يد السائل، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، وتكون وقايته من المكاره، كما صح أن الصدقة لتدفع سبعين بابا من السوء، يعني في الدنيا والآخرة، لقوله عليه السلام: داووا مرضاكم بالصدقة.

وتحرس المال، للحديث: "حصنوا أموالكم بالزكاة".

[ ص: 383 ] وتطهره لقوله سبحانه: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم [التوبة: 103].

هذا مع ما فيها من الخلف والبركة، والكلام عليها طويل جدا.

يحلونه عاما ويحرمونه عاما [التوبة: 37].

أي: تارة يحلون وتارة يحرمون ولم يرد العام حقيقة؛ إذ كانت أحوالهم مختلفة.

يهلكون أنفسهم [التوبة: 42]: الضمير يعود على المنافقين؛ لأنهم كانوا يستعذرون بالأعذار الكاذبة والأيمان الباطلة.

يفرقون [التوبة: 56]: من الفرق وهو الخوف.

يجدون ملجأ [التوبة: 57].

أي: يلجئون إلى موضع من المواضع التي تمنعهم من رؤية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

يكنزون الذهب والفضة [التوبة: 34].

ورد في الحديث: "كل ما أديت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته فهو كنز".

وقال أبو ذر وجماعة من الزهاد: كل ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز.

وقوله هذا أفضى به إلى الخروج من الشام ومن المدينة حتى لحق بالربذة، فمات بها، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "من أراد أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى أبي ذر رضي الله عنه".

يضاهئون قول الذين كفروا من قبل [التوبة: 30] ، أي: يشابهون.

فإن كان الضمير لليهود والنصارى فالإشارة بقوله: الذين كفروا من قبل للمشركين من العرب؛ إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر.

وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي -صلى الله عليه وسلم- من اليهود والنصارى فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون.

يلمزك في الصدقات [التوبة: 58].

أي: يعيبك على قسمتها؛ وذلك أن المنافقين كانوا يقولون: يعطي من أحب من أصحابه، ويمنعنا.

وقيل: هي في الذي قال: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل.

يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين [التوبة: 61].

هذا من أوصافه -صلى الله عليه وسلم- [ ص: 384 ] يقال: أمنت لك إذا صدقتك، ولذلك تعدى هذا الفعل بإلى، وتعدى يؤمن بالله بالباء.

يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم [التوبة: 64]: الضمير في: " عليهم " و: تنبئهم و: قلوبهم عائد على المنافقين، يعني أنهم كانوا يخافون أن ينزل في شأنهم سورة على النبي -صلى الله عليه وسلم- تخبره بما في ضمائرهم من النقص لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه، وذلك على جهة الاستهزاء والسخرية.

وقال الزمخشري: إن الضمائر في عليهم وتنبئهم للمؤمنين، وفي قلوبهم للمنافقين، والأول أظهر.

فإن يتوبوا يك خيرا لهم [التوبة: 74]: فتح الله في هذه الآية باب التوبة للمنافقين، فتاب منهم الجلاس.

وحسن إسلامه بفضل الله عليه.

فيسخرون منهم [التوبة: 79]: الضمير للمنافقين؛ وذلك أنهم كانوا يستخفون بالمسلمين الذين يتصدقون بما يجدون ويقولون: إن الله غني عن صدقة هذا.

يؤذون النبي ويقولون هو أذن [التوبة: 61]: يعني أنهم كانوا يؤذون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقولهم: إنه يسمع فيهم أصحابه إذا أخبروه بعداوتهم لهم.

فرد الله بقوله: قل أذن خير لكم [التوبة: 61]؛ لأنه يصفح عنكم ولا يؤاخذكم بأقوالكم، ولو لم يسمع فيكم لاستأصلكم.

وقد كان بعض الصحابة يستأذن في قتل بعضهم، فيقول: أو يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه.

ويقبضون أيديهم [التوبة: 67]: كناية عن بخلهم وعدم إنفاقهم، في طاعة الله ورسوله.

يفتنون في كل عام مرة أو مرتين [التوبة: 126].

أي: يمتحنون بالأمراض والجوع.

وقيل: بالأمر بالجهاد.

واختار ابن عطية أن يكون المعنى: يفضحون بما يكشف من سرائرهم.

[ ص: 385 ] يراكم من أحد [التوبة: 127]: كان سبب خوفهم أن ينقل عنهم كذبهم، فكان ينظر بعضهم إلى بعض، ويقول: إياكم أن ينقل عنكم هذا الاستخفاف.

وقيل: كان ينظر بعضهم إلى بعض على وجه التعجب ومما ينزل في القرآن من كشف أسرارهم.

" ويهدي من يشاء " [إبراهيم: 4، النحل: 93].

قد قدمنا أن الله تعالى عم الدعوة وخص الهداية؛ إذ ما كل مدعو داخل، ولا كل مضل مقيم، واحد قاعد عند الباب ينتظر الدخول ولم يدخل، وآخر وجد الباب مفتوحا فدخل.

يبدأ الخلق ثم يعيده [يونس: 4]: في هذه الآية احتجاج على الكفار بأن شركاءهم لا يقدرون على بدء الخلق ولا عوده.

فإن قلت: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق وهم غير معترفين به؟ فالجواب أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على الإعادة، ففي ذلك إبطال لهم ولربوبيتهم، فوضعت الإعادة عليه موضع المتفق عليه لوضوح برهانها.

يهدي [يونس: 35].

بتشديد الدال: معناه لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره.

وقرئ بالتخفيف بمعنى يهدي غيره.

والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج.

يأتهم تأويله [يونس: 39]: الوعيد الذي في القرآن لهم.

يلبثوا إلا ساعة من النهار [يونس: 45]: تقليل لمدة بقائهم في الدنيا أو في القبور.

يتعارفون بينهم [يونس: 45]: يعني يوم الحشر، فهو على هذا حال من الضمير في: يلبثوا .

ويستنبئونك [يونس: 53].

أي: يسألونك عن الوعيد والدين والشرع: [ ص: 386 ] أحق هو، فأمره الله بأن يقول: إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين [يونس: 53].

يرهق [يونس: 26]: يغشى.

يوم القيامة [يونس: 60] ، ظرف منصوب بالظرف.

والمعنى أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك اليوم.

يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء [يونس: 61] ، أي: لا يغيب عن علم الله مثقال ذرة.

وقد قدمنا أن الذرة صغار النمل أو بيضها.

فإن قلت: ما فائدة تقديم الأرض على السماء في آية يونس بخلاف سبأ [3]؟

والجواب: لأن الشهادة على أهل الأرض، وقدمت السماء في سبأ؛ لأن حقها التقديم، لأنها مصعد الأمر، ومحل العلو، ومسكن الملائكة، وهي مشاهدة لهم، ومستقبل الداعين، ومنها ينزل الأمر، ورزق العباد، وفيها الخزنة من الملائكة، وإليها يصعد بأرواح المؤمنين، وتعرج الملائكة السياحون في الأرض المسؤولون عن أعمال العباد، فكان العلم بما فيها أجلى وأظهر، وكان العلم بما في الأرض أخفى، وهذا بالنظر إلينا، وبحسب متعارف أحوالنا، وإلا فعلم بارئنا سبحانه بما في الأرض وما في السماء على حد سواء، كما أن علمه بالسر والجهر مستو: سواء منكم من أسر القول ومن جهر به [الرعد: 10].

يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله [هود: 3] ، أي: ينفعكم في الدنيا بالأرزاق والنعم والخيرات.

وقيل: هو طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائه؛ لأن الكافر يمتع في الدنيا بالأرزاق، والضمير في "فضله" يحتمل أن يعود على الله تعالى أو على ذي فضل.

يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين [هود: 5].

[ ص: 387 ] الضمير للكفار؛ وذلك أنهم كانوا إذا لقيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يردون إليه ظهورهم لئلا يرونه من شدة البغض والعداوة.

والضمير في "منه" على هذا يعود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إن ذلك عبارة على ما تنطوي عليه صدورهم من البغض والغل.

وقيل: هو عبارة عن إعراضهم؛ لأن من أعرض عن شيء أتى عليه الخوف.

والضمير في: " منه " على هذا يعود على الله تعالى، أي: يريدون أن يستخفوا على الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنون على ما في قلوبهم.

يستغشون ثيابهم [هود: 5].

أي: يجعلونها أغشية وأغطية، كراهة لاستماع القرآن.

والعامل في: حين يعلم ما يسرون وما يعلنون [هود: 5].

وقيل: المعنى: يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابهم، فيوقف عليه على: " هذا " ، ويكون: " يعلم " استئنافا.

يكونوا معجزين [هود: 20] ، أي: مفلتين.

يضاعف لهم العذاب [هود: 20]: إخبار عن تشديد عذابهم، وليس بصفة لأولياء.

" يئوس " [هود: 9]: فعول، من يئست، وأخبر الله في هذه الآية أن الإنسان يقنط عند الشدائد، ويفخر ويتكبر عند النعم.

يجادلنا في قوم لوط [هود: 74]: معنى جدال إبراهيم مع الملائكة في رفع العذاب عن قوم لوط؛ لأن الله وصفه بالحلم والرحمة.

يا إبراهيم أعرض عن هذا [هود: 76]: الضمير للجدال.

أمره الله أن يسكت عنهم؛ لأن القضاء نفذ بعذابهم.

يقدم قومه يوم القيامة [هود: 98]: الضمير لفرعون، يعني أنه يتقدمهم إلى النار، وقد قدمنا أن كل طائفة تتبع ما كانت تعبد، ويعقد لكل صاحب خصلة لواء فيتبعونه من كان يفعل فعله في الدنيا.

يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود [هود: 103] ، أي: يحضره [ ص: 388 ] الأولون والآخرون، ويجمعون الحسنات والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع ذلك اليوم؛ لأن لفظ "مجموع" من لفظ يجمع.

يوم يأت [هود: 105]: العامل في الظرف "لا تكلم" أو مضمر، وفاعل: " يأت " ضمير يعود على "يوم مشهود".

وقال الزمخشري: يعود على الله تعالى كقوله: أو يأتي ربك ، ويعضده عود الضمير عليه في قوله: بإذنه [هود: 105].

يا أبت [يوسف: 4] ، أي: يا أبي، والتاء للمبالغة، وقيل: للتأنيث.

وكسرت دلالة على ياء المتكلم، والتاء عوض من ياء المتكلم.

ودعا يوسف أباه باسم الأبوة ولم يدعه باسمه؛ لأن من دعا أباه باسمه غلط، فكيف بمن جفاه.

وقد أمرك الله أن تعامل أباك بمعاملتك مع الرسول، قال تعالى: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا [النور: 63].

وقال: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي [الحجرات: 2] ، وهو كان أباك في الدين، وكذلك علمك مع أبي النسب، كما علمك المعاملة مع أبي الدين.

ويوسف قال: يا أبت -اقتدى فيه بجده إبراهيم؛ لأنه دعا أباه الكافر باسم الأبوة، والله تعالى أعطاك أبوين مؤمنين، أنت أولى بتحليتهما، فإن الله تعالى أعطى خليله وحبيبه أبوين كافرين، وكان يتحلاهما وأنت يا عبد الله تلحق بأبويك وتدخل معهما الفردوس الأعلى، قال تعالى: ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم [الرعد: 23].

يخل لكم وجه أبيكم [يوسف: 9]: إخوة يوسف طلبوا ألا يشاركهم أحد في محبته لهم وإقباله عليهم، فلما رأوه مال إلى يوسف دونهم وصلتهم الغيرة، والحبيب يغير على حبيبه، وأنت يا عبد الله إن طلبت الخلوة مع غير مولاك تضيق عليك المسالك؛ لأنه سبحانه غيور لا يطلع على عبده، فيجد فيه غيرة.

قال تعالى: إن طلبتني أخدمتك المكونات، وإن طلبت غيري أعوزتها عليك، ولا يكون لك إلا ما أريد.

[ ص: 389 ] يلتقطه بعض السيارة [يوسف: 10]: السيارة جمع.

وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة وغيرها، ومنه قولهم: لقيته التقاطا ووردت الماء التقاطا: إذا لم ترده.

يعصرون [يوسف: 49].

أي: يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر.

يا بني لا تدخلوا من باب واحد [يوسف: 67]: خاف يعقوب على أولاده من العين إن دخلوا مجتمعين؛ إذ كانوا أهل جمال وهيبة، ويؤخذ من هذا الحذر، والحذر لا يغني من القدر، ولكن الله أمر بالتحرز مما يخاف منه، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن كيس حذر".

وفي رواية: "الحزم سوء الظن".

يدبر الأمر يفصل الآيات [الرعد: 2]: يعني أمر الملكوت وآيات كتبه.

يغشي الليل النهار [الرعد: 3].

أي: يلبسه فيصير له كالغشاء، فيصير أسود مظلما، كما كان أبيض مشرقا.

والأول فاعل في المعنى، وهو على إضمار فعل، أي: ويغشي النهار الليل.

ويحتمل أن يراد في الآية الزمان الذي بين الفجر وطلوع الشمس على القول بأنه من النهار، فهو إشارة إلى أن الليل يخالط النهار في ذلك الزمان، ولذلك اختلفوا: هل من الليل أو من النهار أو قسم ثالث قائم بنفسه، فقيل: الكلام في ذلك الزمان باعتبار الشرع، وفي الآية باعتبار اللغة.

ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق [الرعد: 13]: قد قدمنا تسبيح الرعد وأنه يسبح الرعد من خيفته بحمده، والملائكة بحمده من خيفته، والصواعق النازلة من السماء عذابا لله شعلة يصيب بها من يشاء من عباده وخلقه.

يريكم البرق خوفا وطمعا [الرعد: 12].

نسب الرؤية للبرق والإنشاء [ ص: 390 ] للسحاب؛ لأن الأشياء المرئية أسهلها على البصر السواد والخضرة، وأصعبها البياض الساطع، فنحن نعجز عن مداومة النظر إليه.

وانظر قوله: يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار [النور: 43].

وأما السحاب فجرم يقبل حدا.

فالنعمة التي فيه هي إبرازه من العدم إلى الوجود.

وخوفا وطمعا حالان، ويحتمل أن يكونا مفعولا من أجلهما؛ إذ ليسا عنده فعلين لفاعل الفعل المعلل في أن الله لم يخلق الشر ولا أراده، ونحن نجيز ذلك، ونقول: أراده وخلق في قلوب بعضنا الخوف منه، وفي قلوب آخرين الطمع فيه، والفرق بين إرادة الخوف وبين الخوف أنك تريد من زيد أن يخاف منك ولا تقدر على إيقاع ذلك به.

الزمخشري: يخاف المطر من يضره كالمسافر، ومن في جرينه التمر والزبيب، ومن له بيت يقطر عليه، ومن البلاد من يتضرر أهلها بالمطر كأهل مصر؛ فإنه يفسد عليهم أبنيتهم، ونزول المطر فيها قليل جدا.

يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى [الرعد: 17، 18].

انظر: هل تارك الصلاة مستجيب لنطقه بالشهادتين والظاهر أنه مستجيب بالشهادتين فقط لا مطلقا.

يستحبون الحياة الدنيا [إبراهيم: 3].

أي: يختارونها على الآخرة.

والضمير عائد على الكفار، ومن تشبه بهم في فعلهم يخاف عليه من اللحوق بهم في حبه للدنيا وتفضيلها على الآخرة.

يتجرعه ولا يكاد يسيغه [إبراهيم: 17]: الضمير يعود على من أدخل النار، يعني أنه يتكلف جرعه، وتصعب عليه إساغته، يعني بلعه، ونفي " كاد " يقتضي وقوع الإساغة بعد جهد.

يقنط من رحمة ربه إلا الضالون [الحجر: 56]: قرئ بفتح النون وكسرها، وهما لغتان.

وفي هذه الآية دليل على تحريم القنوط، ووصف القانط في هذه الآية بالضلال، وفي سورة يوسف بالكفر، وكلاهما بمعنى واحد؛ لأن سببه [ ص: 391 ] تكذيب الربوبية، وجهل بصفات الله وقدرته، وماذا يزيد في ملكه أو ينقص تعذيب الخلق كلهم أو رحمتهم.

يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله [النحل: 48]: المقصود بهذه الآية الاعتبار والنظر، ولذلك ابتدأها بقوله تعالى: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء .

والرؤية بصرية بسبب تعديها بإلى، كما قال تعالى: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [الغاشية: 17] ، والإنكار ليس هو لنفس الرؤية، بل للازمها.

وانظر: هل وقع التوقيف بمجموع تفيؤ الظلال وكونها سجدا لله، أو بكونها سجدا لله فقط، وهل قوله: يتفيأ ظلاله حال أو صفة، ونظيره قولك: ألم آتك بزيد العالم راكبا، وقوله: ألم آتك بزيد عالما راكبا.

والصواب الأول؛ لأن نفيها أمر حسي مشاهد، وكونها سجدا لله لا يدرك بالمشاهدة، بل بالدليل العقلي.

وعلى هذا التأويل تكون الآية حجة لمن يقول: إن العرض لا وجود له.

والمشهور عند المتكلمين أنه أمر وجودي، حكى القولين المقترح.

ووجه الدليل أن الآية دلت على أن كل شيء مخلوق لله تعالى، وأن ظله متفيأ ساجد لله تعالى، والتفيؤ من صفات الأجرام والذوات، والعرض ليس بذات، فليس بمخلوق لله تعالى، وهذا كفر، وإذا جعلنا يتفيأ صفة لشيء يكون المعنى: أن كل شيء موصوف بالتفيؤ، فهو مخلوق لله، فأنكر عليهم عدم الاعتبار به حال سجوده، وقوله: يتفيأ، أي: يرجع إلى اليمين، أي: يريد يمين الناظر إليه؛ لأن الناظر إلى الظل أو النهار ينظر إلى جهة القبلة، حيث محل طلوع الشمس، فيكون الظل حينئذ عن يمينه؛ فلذلك بدأ باليمين، فالظل يرجع عن جهة اليمين إلى جهة الشمال؛ لأن "عن" تقتضي المجاوزة، فالمراد مجاوزته جهة اليمين إلى جهة الشمال، والعكس.

فإن قلت: لم أفرد اليمين وجمع الشمال؟ فالجواب بوجهين: الأول أن الظل حالة كونه عن يمين الناظر، وذلك أول النهار، يأخذ في النقص، فكانت له جهة واحدة نقص عنها، وفي آخر النهار [ ص: 392 ] يأخذ في الزيادة إلى الشمال والجهة التي طال ظله إليها لم تكن له قبل ذلك، وكلما زاد بعد إلى جهة يسار الناظر، فكأن تلك الزيادة بتكثرها واختلافها شمائل، بخلاف أول النهار فإنه لم يزد، بل نقص عن حده الذي كان، فصار كأنه بعض اليمين، فضلا عن أن يكون أيمان.

الوجه الثاني أن اليمين مأخوذ من اليمن، وذلك راجع إلى طريق الحق.

والشمال راجع إلى طريق الباطل بدليل قوله تعالى: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين [الواقعة: 27].

وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال [الواقعة: 41].

وطريق الحق واحدة وطرق الباطل متعددة، والآية دالة على كمال التوحيد لله عز وجل؛ لأن مذهبنا أن الأعراض لا تبقى زمانين، فما من جوهر إلا وهو مفتقر في كل زمن إلى أعراض يستمد بها، ولا بد لذلك من فاعل، ولا يصح تعدد ذلك الفاعل لما تقرر في دلالة المانع.

فإن قلت: هلا قيل: أولم يروا إلى ما خلق من شيء - فقط، ويكفي هذا في الاعتبار، فإن العبرة بالتفكر بالنظر إلى لقاح الشجرة التي في رؤية العين: عود يابس، وبروز الثمر منها والورق أقوى من العبرة بالنظر إلى ظلالها؟

والجواب: أن الظلال إنما تنشأ عن ملاقاة نور جرم الشمس جرم الشجر الكثيف المظلم.

ومذهبنا أن الأجسام متساوية في الحد والحقيقة، فلا فرق بين الشمس والشجرة، فحجبت الشجرة بكثافتها وظلمتها نور الشمس، وما ذاك إلا لتخصيص أوجبه الله تعالى.

ولا بد لذلك من مخصص، ويستحيل تعدده، فدل ذلك على أنه واحد.

قال الزمخشري: والسجود هنا الانقياد، وجعله متناولا للعاقل وغيره؛ لأنه قال: أي: يرجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في نفسها صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، [ ص: 393 ] وهذا مما يرد به على من قال: إن صيغة أفعل للقدر المشترك بين الوجوب والندب.

ويقول: إن القدر المشترك لا وجود له في كلام العرب، مع أن الزمخشري أثبته هنا، واستعار هنا الأيمان والشمائل لأنهما في الحقيقة للإنسان.

يدسه في التراب [النحل: 59]: المعنى: يريد وينظر هل يمسك الأنثى التي بشر بها على هوان وذل، أو يدفنها في التراب حية، وهي الموءودة المذكورة في: إذا الشمس كورت [التكوير: 1].

يجحدون [النحل: 71]: يعني أن هؤلاء الكفار ينكرون نعم الله عليهم في جعلهم أزواجا من أنفسهم زيادة في لذاتهم، وجعل للأنثى ما للذكر من الشهوة، ليكمل مرادهم، ورزقهم من الطيبات، فهل ينكر هذا إلا من طبع على قلبه؛ لأنه يشاهدها.

فإن قلت: لم جمعت حواء في قوله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا [النحل: 72]؟

والجواب: اعتبارا بنسلها، وأطلق عليهم أزواجا مجازا، استعمالا للفظ في حقيقته ومجازه.

يكبر في صدوركم [الإسراء: 51].

يعني السماوات والأرض والجبال.

وقيل: بل أحال فكرتهم على ما هو كبير عندهم، أي: لو كنتم حجارة أو حديدا أو شيئا أكبر عندكم من ذلك وأبعد عن الحياة لقدرنا على بعثكم.

يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده [الإسراء: 52]: الدعاء هنا عبارة عن النفخ في الصور للبعث، والاستجابة عبارة عن قيامهم من القبور طائعين منقادين.

و: بحمده في موضع الحال، أي: حامدين له.

وقيل: معنى بحمده أي: بأمره.

ينقض [الكهف: 77]: وزنه ينفعل.

وقيل: يفعل بالتشديد كيحمر.

[ ص: 394 ] ومعناه يسقط، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز.

ومثل ذلك كثير في كلام العرب، وحقيقته أنه قارب أن ينقض.

يظهروه [الكهف: 97]: الضمير يعود على السد، ومعناه يعلوه.

يفرط [طه: 45]: يعجل بالشر.

يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى [طه: 66]: استدل بعضهم بهذه الآية على أن السحر تخييل لا حقيقة.

وقال بعضهم: إن حيل السحرة في سعي الحبال والعصي هي أنها حشوها بالزئبق، وأوقدوا تحتها نارا، وغطوا النار لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها الحبال والعصي.

وقيل: جعلوها معرضة للشمس، فلما أحس الزئبق بحر النار أو الشمس سال وهو في حشو الحبال والعصي فحملها، فيخيل للناس أنها تمشي.

فألقى موسى عصاه فصارت ثعبانا ابتلعت ذلك كله.

يبسا [طه: 77].

أي: يابسا، وهو مصدر وصف به، وإنما كان يابسا ليستطيعوا المرور عليه ويسرعوا فيه، فيذهب روعهم من لحوق فرعون لهم.

وأعظم من ذلك أن الله فتح لهم في البحر طاقات ليرى من في هذا الطريق من في هذا، فيتأنسون لأنها كانت اثني عشر طريقا، فسبحان من لا يعجزه شيء.

يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا [طه: 103]: يعني عشر ليال.

والضمير يعود على أهل القيامة فيسر بعضهم إلى بعض، ويقول: هل لبثتم إلا يوما.

وقيل: يعني المكث في القبور.

والذي قال: إن لبثتم إلا يوما أعلمهم بقلة المكث فيها.

وفي الحقيقة فالدنيا والمكث في القبور كلمح البصر أو هو أقرب، ولذلك يقول تعالى في آية أخرى: كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار [الأحقاف: 35].

فإنا لله وإنا إليه راجعون على غفلتنا على ما يراد بنا.

الدنيا كلها ساعة، وليس لك منها إلا النفس الذي أنت فيه؛ إذ كم من تنفس نفسا ففجأه الموت قبل النفس الآخر.

وسيظهر لك تحقيق ذلك إذا انجلى الغبار.

[ ص: 395 ] ينسفها ربي نسفا [طه: 105].

أي: يجعل الجبال كالغبار ثم يفرقها.

"يم" [طه: 39]: قد قدمنا أن المراد به البحر بالسريانية.

وقال ابن الجوزي بالعبرانية.

وقال شيذلة: بالقبطية.

يركضون [الأنبياء: 12]: الضمير يعود على الكفار، والمعنى أنهم يوم القيامة يركضون على أرجلهم تشبيها لهم بمن يركض الدابة.

فإن قلت: قد قدمتم أنهم يحشرون على وجوههم؟ فالجواب أن الملائكة تسوقهم بعصي من نار، فإذا رأوهم قاموا على أقدامهم يركضون فرارا منهم، فتقول لهم الملائكة على وجه التهكم: لا تركضوا اليوم.

فيدمغه [الأنبياء: 18].

أي: يقمعه ويبطله.

وأصله من إصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل.

ينشرون [الأنبياء: 21]: يعني أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أن ينشروا الموتى من الأرض، فكيف تدعونها بالآلهة.

والإله من له القدرة على الإحياء والإماتة.

يغوصون [الأنبياء: 82]: يعني أن الشياطين كانت تدخل في الماء لاستخراج الجوهر من البحار.

ينسلون [الأنبياء: 96]: أي: يسرعون.

ويقال: مر الذئب ينسل ويعسل.

والضمير ليأجوج ومأجوج، أي: يخرجون في كل طريق لكثرتهم.

وقيل: لجميع الناس.

يصهر به ما في بطونهم والجلود [الحج: 20].

أي: يذاب؛ وذلك أن الحميم إذا صب على رؤوسهم وصل حره إلى بطونهم، فأذاب ما فيها.

وقيل: معنى: يصهر ينضج بلسان أهل المغرب، حكاه شيذلة.

[ ص: 396 ] يوم عقيم [الحج: 55]: يعني يوم بدر؛ لأنهم كانوا يظنون استئصال المسلمين؛ لأن الله قللهم في أعين الكفار.

وقد حضر فيها صناديد المشركين وشجعانهم فأمكن الله منهم المسلمين، وكان يوما عظيما، لأنها كانت أول غزوة أرعب الله بها الكفار وأرغمهم.

يكادون يسطون [الحج: 72]: من السطوة، وهي سرعة البطش.

والضمير يعود على الذين كفروا.

ويعرف ذلك في وجوههم بعبوسها وإعراضها.

يجأرون [المؤمنون: 64].

أي: يستغيثون ويصيحون.

والضمير راجع على المأخوذين بالعذاب، فإن أراد بهم قتال المتحرفين يوم بدر فالضمير في: يجأرون لسائر قريش، أي: ناحوا على القتلى.

وإن أراد بالعذاب شدائد الدنيا أو عذاب الآخرة فالضمير لجميعهم.

يأتل [النور: 22].

أي: يحلف، فهو من قولك: آليت إذا حلفت.

وقيل: معناه: يقصر، فهو من قولك: ألوت، أي: قصرت، ومنه: لا يألونكم خبالا [آل عمران: 118].

ونزلت الآية بسبب مسطح؛ فإن أبا بكر كان ينفق عليه، فلما وقع في عائشة حلف ألا ينفق عليه، فعاتبه الله على عدم النفقة، وأمره بردها.

وهذه أرجى آية في كتاب الله؛ لأن الله عاتب حبيبه على عدوه، وأمره بالعفو عنه.

يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار [النور: 35].

مبالغة في وصف صفائه وحسنه.

يهدي الله لنوره من يشاء [النور: 35].

أي: يوفق الله من يشاء لإصابة الحق.

فهنيئا لك يا محمدي على هدايتك وتوفيقك.

وكيف لا وقد سمى الله الإيمان في كتابه بنحو الثلاثين اسما، وهل ذلك إلا لعظمه، قال تعالى: [ ص: 397 ] اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6].

ذلك الدين القيم [التوبة: 36].

إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] الكلمة الطيبة: مثل كلمة طيبة، قولا سديدا .

" العروة الوثقى " .

وكلمة الله هي العليا .

وجعلها كلمة باقية في عقبه وألزمهم كلمة التقوى ، وقال صوابا ، إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19].

إن الله يأمر بالعدل والإحسان [النحل: 90].

ولكن البر من اتقى [البقرة: 189].

من جاء بالحسنة [الأنعام: 160].

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60].

قل أمر ربي بالقسط [الأعراف: 29] ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق [التوبة: 33].

فطرت الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30].

صبغة الله [البقرة: 138] ، ملة أبيكم إبراهيم [الحج: 78] ، شهد الله .

يخافون أن يحيف الله عليهم [النور: 50]: ضمير الفاعل يعود على الذين في قلوبهم مرض.

وضمير المفرد يعود على الله، وإنما أسنده إلى الرسول؛ لأنه يحكم بأمره وشرعه.

يتسللون [النور: 63]: يخرجون من الجماعة واحدا واحدا، كقولك: سللت كذا من كذا إذا أخرجته منه.

فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل [الفرقان: 17]: القائل لذلك هو الله عز وجل، والمخاطب المعبودون مع الله على العموم.

وقيل: الأصنام خاصة.

والأول أرجح لقوله: ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون [سبأ: 40].

وقوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [المائدة: 116].

و: "أم" هنا معادلة لما قبلها.

والمعنى: أن الله تعالى يقول للمعبودين: أأنتم أضللتموهم أم هم ضلوا السبيل من تلقاء أنفسهم [ ص: 398 ] باختيارهم، ولم تضلوهم أنتم، ولأجل ذلك بين هذا المعنى بقوله: " هم " ليتحقق إسناد الضلال إليهم، وإنما سألهم الله تعالى هذا السؤال مع علمه بالأمور ليوبخ الكفار الذين عبدوهم.

يكون لزاما [الفرقان: 77].

أي: يكون العذاب ثابتا، وإنما أضمره وهو اسم كان؛ لأنه جزاء التكذيب المتقدم.

واختلف: هل يكون العذاب هنا القتل يوم بدر، أو عذاب الآخرة.

ويضيق صدري [الشعراء: 13]: بالرفع عطفا على أخاف، أو استئناف.

وقرئ بالنصب عطفا على يكذبون.

يوم لا ينفع [الشعراء: 88] ، وما بعده منقطع عن كلام إبراهيم، وهو من كلام الله تعالى.

ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.

ينبغي لهم وما يستطيعون [الشعراء: 211].

أي: لا يستطيعون من الكهانة؛ لأنهم منعوا من استراق السمع مذ بعث نبينا -صلى الله عليه وسلم- ولا يقدرون عليه.

فكيف يقولون: إن هذا القرآن كهانة تنزلت به الشياطين.

ولفظة: ينبغي تارة تستعمل بمعنى لا يمكن، وبمعنى لا يليق.

يهيمون [الشعراء: 225] ، استعارة وتمثيل.

والمعنى أن الشعراء يذهبون في كل واد من الكلام الحق والباطل، ويفرطون في التجوز حتى يخرجوا إلى الكذب.

يستصرخه [القصص: 18].

أي: يستغيث بموسى.

وذلك أنه لقيه قاتل القبطي بالأمس يقاتل رجلا آخر من القبط، فاستغاث بموسى لينصره كما نصره بالأمس، فعظم ذلك على موسى، وقال له: إنك لغوي مبين [القصص: 18].

" يترقب " [القصص: 18، 21].

أي: يتحسس هل يطلبه أحد؛ لأنه شاع خبره من الإسرائيلي الذي قال له: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ، فلما [ ص: 399 ] سمع القبطي ما قال الإسرائيلي انطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى، ولهذا قيل: عدو عاقل خير من صديق جاهل، والإشارة فيه أن موسى عليه السلام كان كريما، والإسرائيلي لئيما، فلم ينظر موسى إلى لؤمه، ولكن عامله بكرمه.

وأنت يا محمدي كيف يعاملك ربك، وقد أقررت له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وقد أعطاك واصطفاك من غير سؤال منك، أحبك وأقرضك، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة، وأعذر إليك بقوله: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض [الشورى: 27] ، ووعدك بإجابتك.

فمن أولى منك بالكرامة! فإن قلت: كيف يستغيث الإسرائيلي بموسى وقد أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدو لهما، ثم قال له: أتريد أن تقتلني ؟

والجواب: يحتمل أن الإسرائيلي لما رأى موسى يبطش بالقبطي وهو غضبان كغضبه بالأمس خاف أن يكون أراده، ولم يرده موسى.

أو لما رأى عجز موسى عن استصراخه لما صدر منه بالأمس من القتل فضحه الإسرائيلي.

يأتمرون بك ليقتلوك [القصص: 20]: لما أمر فرعون بقتل موسى أخبره من حضر عند فرعون، أو أخبره من سمع الخبر، وقال له: سمعتهم يتآمرون بك لما قتلت القبطي.

وخصت آية القصص بتقديم الرجل في قوله تعالى: وجاء رجل ؛ لأن قبله: فوجد فيها رجلين يقتتلان .

وخصت سورة يس بالتأخير؛ لأنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرجل سعى مستعجلا.

وقد قدمنا أن السعي من أوصاف الإسراع في قوله تعالى: يأتينك سعيا [البقرة: 260].

فانظره هناك.

يصدر الرعاء [القصص: 23].

بضم الياء وكسر الدال فعل متعد.

والمفعول محذوف تقديره: يصدر الرعاء مواشيهم.

وقرئ بفتح الياء وضم الدال، أي: ينصرفون عن الماء.

[ ص: 400 ] ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله [الروم: 4، 5]: روي أن غلب الروم لفارس وقع يوم بدر.

وقيل: يوم الحديبية، ففرح المسلمون بنصر الله لهم على قريش.

وقيل: فرح المؤمنون بنصر الله لهم على الفرس؛ لأن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام، وكذلك فرح الكفار من قريش بنصر الفرس على الروم؛ لأن الفرس ليسوا بأهل كتاب، فهم أقرب إلى كفار قريش.

وروي أنه لما فرح الكفار بذلك خرج إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: إن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا عن الله أنهم سيغلبون، وراهنهم عشر قلاص إلى ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل"، فجعل القلاص مائة والأجل تسعة أعوام، وجعل معه أبي بن خلف مثل ذلك، فلما وقع الأمر على ما أخبر الله به أخذ أبو بكر القلاص من ذرية أبي بن خلف؛ إذ كان قد مات، وجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فتصدق بها.

يربو [الروم: 39]: يزيد.

وقدمنا أن عقوبة الربا محق المال، ومحاربة الله والكفر، والخلود في النار.

وقيل: إن شرب الخمر، وأكل الربا، وأموال اليتامى، وترك الصلاة، والزنى يخاف على صاحبها من سوء الخاتمة.

وهذا كله موجود في كتاب الله.

اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون.

يومئذ يصدعون [الروم: 43]: من الصدع، وهو الفرقة، أي: يتفرقون: فريق في الجنة وفريق في السعير.

يمهدون [الروم: 44]: يوطئون، وهو استعارة من تمهيد الفراش ونحوه.

والمعنى أنهم يفعلون ما ينتفعون به في الآخرة.

يخرج من خلاله [الروم: 48].

أي: يخرج المطر من شقاق السحاب الذي بين بعضه وبعض؛ لأنه متخلل الأجزاء.

يؤفكون [الروم: 55].

أي: مثل هذا الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق.

والتحقيق حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه.

[ ص: 401 ] يوم البعث [الروم: 56]: تقرير لهم، وهو في المعنى جواب الشرط مقدر، تقديره: إن كنتم تنكرون البعث فهذا يوم البعث.

يستخفنك [الروم: 60]: من الخفة، أي: لا تضطرب لكلامهم، واصبر، ما وعدك الله به من النصر فعن قريب يكون.

يستعتبون [الروم: 57].

من العتبى، بمعنى الرضا، أي: لا يرضون، وليس استفعل هذا للطلب، ويفهم من هذا أن المؤمن يستعتب، أي: يطلب منه العتبى، وقد قدمنا أن الله قال: لولا أني أحب العتاب ما حاسبت أمتك.

وقال بعضهم:

تبادلن العتاب على ارتياب وصفو الود يعرف بالعتاب

" يدبر الأمر " [يونس: 3، 31، والرعد: 2، والسجدة: 5].

أي: واحد الأمور.

وقيل: المأمور به من الطاعات.

والأول أصح.

يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون [السجدة: 5]: قال ابن عباس: المعنى: ينفذ الله قضاءه من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره، لو سير فيه المسير المعروف من البشر، ألف سنة، لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة، فألف ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء وقيل: إن الله يلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من أعوام البشر، وهو يوم من أيام الله، فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة، ثم تصير إليه آخرا! لأن عاقبة الأمور إليه، فالعروج على هذا عبارة عن مصير الأمور إليه.

يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم [السجدة: 11]: قد قدمنا أن اسمه عزراييل، وبين يديه ملائكة، من توفي العدد واستيفائه.

والتوفي من الله الإذن في قبض الأرواح، ومن الملائكة نزع الروح، ومن ملك الموت القبض، ومن الرسل معاونة ملك الموت، وبهذا يتضح لك الجمع بين الآيات الثلاث.

[ ص: 402 ] يثرب [الأحزاب: 13]: مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسميت به حكاية عن المنافقين، وكان اسمها في الجاهلية، فقيل لأنها اسم أرض هي في ناحيتها.

وقيل: سميت بيثرب بن مهلائيل من بني إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها.

وقد صح النهي عن تسميتها به؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يكره الاسم الخبيث، وهو يشعر بالتثريب، وهو الفساد، أو التثريب، وهو التوبيخ.

ومنه: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم [يوسف: 92].

وقوله: اليوم راجع إلى ما قبله، فيوقف عليه.

وهو يتعلق بالتثريب أو بالمقدر في: " عليكم " من معنى الاستقرار.

وقيل: إنه يتعلق ب: " يغفر " ، وذلك بعيد؛ لأنه تحكم على الله، وإنما يغفر دعاء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تثريب عليكم اليوم ، ثم دعا إلى الله أن يغفر لهم حقه.

يقنت [الأحزاب: 31]: بالياء حملا على لفظ من.

وقرئ بالتاء حملا على المعنى، وكذلك تعمل [الأحزاب: 31] ، والقنوت هنا بمعنى الطاعة.

يوم تقلب وجوههم في النار [الأحزاب: 66].

العامل في: يوم قوله: يقولون [الأحزاب: 66] ، أو لا يجدون [الأحزاب: 65] ، أو محذوف.

وتقليب وجوههم تصريفها في جهات النار كما تدور البضعة في القلب إذا غلت من جهة إلى جهة، أو تغيرها عن أحوالها.

ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق [سبأ: 7]: معنى: مزقتم أي : بليتم في القبور وتقطعت أوصالكم، و: كل ممزق مصدر.

"والخلق الجديد" [سبأ: 7] ، هو الحشر في يوم القيامة والعامل في "إذا" معنى إنكم لفي خلق جديد معمول ينبئكم، وكسرت إن للام التي في خبرها، ومعنى الآية أن ذلك الرجل يخبركم أنكم تبعثون بعد أن بليتم في الأرض، ومرادهم استبعاد الحشر.

يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض [سبأ: 9].

[ ص: 403 ] الضمير للكفار المنكرين للبعث، وجعل السماء والأرض بين أيديهم وخلفهم، لأنهما محيطتان بهم.

والمعنى: ألم يروا إلى السماء والأرض فيعلموا أن الذي خلقهما قادر على بعث الناس بعد موتهم.

ويحتمل أن يكون المعنى تهديدا لهم؛ لأنه فسره بقوله: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء [سبأ: 9].

يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد [سبأ: 10]: الضمير لداود، تقديره: قلنا: يا جبال، والجملة تفسير للفضل.

ومعنى أوبي سبحي، وأصله من التأويب بمعنى السير بالنهار، وقيل: كان ينوح فتسعده الجبال بصداها.

والطير بالرفع عطف على لفظ: يا جبال، وبالنصب عطف على موضع: يا جبال.

وقيل: هو مفعول معه.

وقيل: عطف على: فضلا [سبأ: 10].

يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [سبأ: 36].

أخبار تتضمن الرد على قولهم: نحن أكثر أموالا وأولادا [سبأ: 35].

لأن بسط الرزق وقبضه في الدنيا متعلق بمشيئة الله، فقد يوسع الله على الكافر والعاصي، ويضيق على المؤمن والمطيع، وبالعكس.

وقد حكي أن مدينة ببلاد السودان إذا ملكها المسلمون صار أرضها ترابا، وإذا ملكها الكفار صار أرضها تبرا، فأسلمها المسلمون للكفار على إعطاء الجزية، وهذا ليس بعجيب؛ إذ لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي كافر جرعة ماء.

والمقصود منها التقوت لما يوصل إلى الآخرة.

وحكى وهب بن منبه أن ملكين التقيا في السماء الرابعة يهبطان إلى الأرض، فقال أحدهما للآخر: إن الله أمرني أن أوصل الحوت الفلاني لليهودي الفلاني لأنه اشتهاه.

فقال الآخر: وإن العابد الفلاني يصوم وأراد إفطاره على الخبز والزيتون، وأمرني أن أهبط له.

فانظر هذا، فإن تيسير الشهوات ليس من أسباب السعادة، وإن الله ليذود وليه عن الدنيا ويحميه عنها لئلا يشتغل بها، [ ص: 404 ] ولولا أن يكون الناس أمة واحدة [الزخرف: 33].

ونحن قد بسط لنا فيها، وتمتعنا بها، فانظر عاقبتنا بم تكون! فإن قلت: ما فائدة تكرار هذه الآية، وإبراز: "من عباده" في الثانية من سورة سبأ [39]؟

والجواب: أن الله كررها لاختلاف المقاصد، والرد على الكفار في أقوالهم.

وترغيب المؤمنين في الإعراض عنها والرجوع إلى من بيده مقاليدها.

وأبرز الضمير في ثانية سبأ ترغيبا لعباده في إنفاقها والخروج منها، وسلاهم بوعده بالخلف، وأنهم إن خرجوا عنها يخلفه لهم، ووعده حق، ولهذا أشار عليه السلام بقوله: "ما نقص مال من صدقة".

فإن قلت: قد وجدناه ينقص في العدد؟

والجواب أنه ليس بنقص؛ لأنه لا يأتي عليه إلا أيام قلائل فيعود أكثر مما كان، وهذا مشاهد.

وقد يكون الخلف من حيث لا يظن.

وقد يكون بالثواب المدخر أو بتكفير السيئات، كما قال تعالى: إن تبدوا الصدقات [البقرة: 271] الآية..

أو بالطهارة، كما قال: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم [التوبة: 103] ، والإضعاف، قال تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله [البقرة: 262].

والقبول: هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات [التوبة: 104].

وقد جعل الله جميع الطاعات على ثلاثة أقسام: جعل على اللسان التوحيد والذكر والاستغفار والدعاء، وثوابها عشر أمثالها.

وعلى المال الصدقة والزكاة والنفقة، وثوابها واحد لسبعمائة.

وعلى القلب الصبر والقناعة والشكر والرضا، وثوابها بغير حساب.

يقذف بالحق [سبأ: 48]: القذف: الرمي، ويستعار للإلقاء، فالمعنى يلقي الحق إلى أنبيائه، أو يرمي الباطل بالحق فيذهب، ولذلك قال: [ ص: 405 ] وما يبدئ الباطل وما يعيد [سبأ: 49] ، فنفي الإبداء والإعادة عبارة عن أنه لا يفعل شيئا ولا يكون له ظهور، أو عبارة عن ذهابه.

ويقذفون بالغيب من مكان بعيد [سبأ: 53] معطوف على: كفروا [سبأ: 53].

والمعنى أنهم يرمون بظنونهم في الأمور المغيبة، فيقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار.

ويقولون في الرسول عليه الصلاة والسلام: شاعر أو ساحر، والمكان البعيد هنا عبارة عن بطلان ظنونهم وبعد أقوالهم عن الحق.

يزيد في الخلق ما يشاء [فاطر: 1]: قيل: حسن الصوت.

وقيل: حسن الوجه.

وقيل: حسن الخط.

والأظهر أنه يرجع إلى أجنحة الملائكة، أو يكون على الإطلاق في كل زيادة في المخلوقين.

"يسر" بفتح الياء والسين: الرجل الذي يشتغل بالميسر، وجمعه أيسار.

وهو القمار في النرد والشطرنج وغير ذلك.

وهو مأخوذ من يسر لي كذا إذا وجب.

وقد قدمنا أن ميسر العرب عشرة أقداح، وهي الأزلام لكل واحد نصيب معلوم من ناقة يجزئونها عشرة أجزاء، ثم يدخلون الأزلام في خريطة ويضعونها على يدي عدل، ثم يدخل يده فيها، فيخرج باسم كل رجل قدحا، فمن خرج له قدح له نصيب أخذ ذلك النصيب، ومن خرج له قدح لا نصيب له غرم ثمن الناقة كلها.

يحيق [فاطر: 43]: يحيط.

" يس ": من أسمائه -صلى الله عليه وسلم-، ومعناه: يا إنسان، بلسان الحبشة، قاله ابن عباس.

وقال سعيد بن جبير: يا رجل، بلغة الحبشة.

يخصمون [يس: 49]: أصله يختصمون ثم أدغم، ومعناه يتكلمون في أمورهم.

وقرئ بفتح الخاء وكسرها واختلاس حركتها.

ويحق القول على الكافرين [يس: 70].

أي: يجب عليهم العذاب.

[ ص: 406 ] يستسخرون [الصافات: 14]: معناه يسخرون، فيكون فعل واستفعل بمعنى واحد.

وقيل: معناه يستدعي بعضهم بعضا لأن يسخر.

وقيل: يبالغون في السخرية.

يقطين [الصافات: 146]: كل شجر لا يقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما.

والمعنى أن الله أنبت على يونس لما خرج من بطن الحوت القرع يظله من حر الشمس.

وقد كان رق جلده، وكانت الذباب تؤذيه.

والسر فيه أن ورقه كبير، ومسه فيه لين، والذباب لا يقربه، ولذلك قال النقاش: إن من رش بمائه البيت لم يقربه الذباب.

فهذه شجرة منعت يونس من الإذاية، أفلا تمنع يا محمدي شجرة الإيمان من إذاية الشيطان، وينجيك بركتها من الدخول في النيران، وفي الخبر: لما صح يونس، ورجع إلى قومه، وجد الشجرة قد جفت فاغتم لذلك، فأوحى الله إليه: اغتممت على شجرة يبست ولم تغتم على هلاك مائة ألف أو يزيدون!

فلذلك أمر الله نبيه بالصبر على أمته، والدعاء لهم، فقال: "اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون".

هؤلاء دعا لهم، واعتذر عنهم، وقد عصوه، وكسروا رباعيته، وشجوا وجهه، كيف لا يغتم للمصلي عليه وذاكره في كل ساعة بالسلام عليه.

وقد أمره الله بألا يكون كصاحب الحوت في الفرار من قومه، يعني تفارق أمتك حين ينزل العذاب عليهم، فقال: رب عاملهم بخلاف ما تعامل به الأمم، فأنزل الله تعالى: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم [الأنعام: 65] ، بالخسف والمسخ، والريح والصواعق، فقال: اللهم إني أعوذ بوجهك من ذلك، فرفع الله عنهم العذاب وهم كفار ومنافقون، أفلا يرفعه عنك يا محمدي وأنت مؤمن به ومصدق له! اللهم بحرمته لديك لا تحرمنا رؤيته في الدنيا والآخرة.

يزفون [الصافات: 94] ، أي: يسرعون.

وقرئ بضم الياء ونصب الزاي، أي: يصيرون إلى الزفيف.

[ ص: 407 ] يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18]: يعني يستمعون القول على العموم فيتبعون بأعمالهم أحسنه، من العفو الذي هو أحسن من الانتصار، وشبه ذلك.

وقيل: هو الذي يسمع حديثا فيه حسن وقبيح، فيحدث بالحسن ويكف عما سواه.

وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر.

وقال ابن عطية: هو عام في جميع الأقوال.

والقصد الثناء على هؤلاء ببصر ونظر سديد يفرقون به بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، فيتبعون الأحسن من ذلك.

ينابيع [الزمر: 21]: جمع ينبوع، وهو العين.

يهيج [الزمر: 21]: ييبس، لقوله: فتراه مصفرا [الزمر: 21].

يريكم آياته [غافر: 13]: يعني العلامات الدالة على مخلوقاته ومعجزات رسله.

يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا [غافر: 7].

من أعظم آيات الرجاء، لسؤال الملائكة لهم بالرحمة والجنة.

فإن قلت، حملة العرش والملائكة كلهم مؤمنون به سبحانه، فما فائدة الإخبار بقوله: ويؤمنون به ؟

والجواب: إظهارا لفضيلة الإيمان وشرفه، والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في غير ما موضع من كتابه بالصلاح، كقوله: ونبيا من الصالحين .

ومعلوم أن الأنبياء من أهل الإيمان والصلاح، وكما أعقب أعمال الخير بقوله: ثم كان من الذين آمنوا [البلد: 17] ، فأبان بذلك فضل الإيمان.

وقد ذكر الزمخشري أن فيه فائدة أخرى؛ وهي أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال كسائر الخلق لا بالرؤية، وهذه نزعة منه إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله تعالى.

وتأمل يا محمدي إلى عظيم التناسب المرعي بين قوله: ويؤمنون به ، [ ص: 408 ] ويستغفرون للذين آمنوا تجد فيه تنبيها على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة، وإن تفاوتت الأجناس، وتباعدت الأماكن؛ فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضي قط، ولما جمع الإيمان جاء معه التجانس الحقيقي، والتناسب الكلي، حتى استغفر من حول العرش لمن في الأرض مع عظم أجرامهم وقوتهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة سنة".

فانظر يا محمدي ما أعظم قيمتك! الأنبياء والملائكة يستغفرون، ونبيك أمر إخوانك بالاستغفار لك، قال: "من استغفر لوالديه وللمؤمنين والمؤمنات كل يوم خمسا وعشرين مرة أو سبعا وعشرين -أحد العددين- كان من الذين يستجاب دعاؤهم، ويرزق بهم أهل الأرض".

ودعاء الأبدال أن تقول بعد كل صلاة: اللهم أصلح أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد، اللهم اغفر لأمة محمد، ولجميع من آمن بك.

ولما دحا الله مبسوط بساط الأرض، ومهد مهادها لترتيب المكونات فخرت عليها السموات، فنكست رأس الانكسار، ومدت يد الاستعطاف إلى عين الجود، فجادلها بقطع حجة من جادلها: " ( يا سماء ) " [هود: 44]: إن كنت فخرت بالشمس لظهور الموجودات، فأين مثل شريعة نبينا ومولانا محمد -صلى الله عليه وسلم- في ظهور الغيب، شمس السماء لها أفول، وشمس شريعة محمد ليس لها أفول.

وإن افتخرت بحسن القمر ونوره فأينك من حسن سننه المشرق ونوره إذا كسفت شمسك، وخسف قمرك، فالشفاعة من أهل الأرض، والشافع أفضل من المشفوع فيه.

وإن افتخرت بالنجوم للاهتداء فنجوم الصحابة معلومة للاقتداء على مقعد [ ص: 409 ] صدق، إن كان من النجوم رجوم للشياطين! فعمر فقأ عين الرئيس إبليس.

وشهب إيمانه توفيه فترميه فلا يسلك عمر فجا إلا هرب منه إبليس.

وإن فخرت باللوح المحفوظ فلوح الغيب يكتب بيد الخالق، كتب في قلوبهم الإيمان.

وإن فخرت بسعة الكرسي فأين هو من سعة: وسعني قلب عبدي المؤمن.

وإن فخرت بنفخ إسرافيل للأرواح لإحياء الأجساد فأين أنت من نفخة حييت بها القلوب إلى يوم التناد.

وإن فخرت بعلو من في العلو من الأملاك فقصيدة الاقتصاد أشهر من "قفا نبك".

هذا عزرائيل كان إمام المقربين فتنفس بنفس فسقي كأس أسف.

هاروت وماروت، استعير لهما شهرة الشهرة فجرى ما جرى، وعند جهينة الخبر اليقين، فكيف بمن عجنت بها طينة تركيبه، وعقل عقله بعقال الهدى! وإن فخرت بالصافين المسبحين، فكم على أرض الدجى من أمة قائمة، كم في رواشن الأسحار من سمار المستغفرين.

وإن فخرت بشفقة ميكائيل وحيائه، فكم حيي أحياء بشفقة أبي بكر وأحبائه.

وإن فخرت بقوة جبريل وإقدامه فأينك من قوة عمر وإقدامه يوم قال: والله لا يعبد الله سرا بعد اليوم، فسرى نحو الكعبة، فسري عن الإسلام غمة الغم.

وإن فخرت بنزول القطر لإحياء موات النبات، فأين أنت من سواكب العبرات لإحياء القلوب الموات، فكم صدر شرح للإسلام، فهو أوسع من سدرة المنتهى.

وإن افتخرت بأن الجنة فيك فقد اشتاقت إلى تسليم سلمان إذا تمهد ملك [ ص: 410 ] الجنة للساكن، فالملائكة خدام يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم ليحظوا بحظ الرد، إنما علا قدر المقربين لما أطلق لهم من ديوان الخاص والعام، ويستغفرون للذين آمنوا.

وإن فخرت بالعرش والطائفين، فأين أنت من البيت والطائفين ما في زاوية العرش حجر سود بالسؤدد أدرج في درجة درج الميثاق.

يوم السبت لما أهبط آدم بمنشور الولاية إلى الأرض مهدت له دار المملكة قبل الوصول، وزينت حرمة الحرم للحرمة والإحرام باب الاستغاثة، وعرفات باب دخول المسائل لنيل الوسائل، فلما بني البيت أذن الله لخليله عليه السلام بالأذان على صومعة أبي قبيس بتأذين، وأذن قال: يا رب، وأين يبلغ أذاني، قيل: يا إبراهيم، منك الأذان وعلينا البلاغ.

فلما دنا النداء من باطن الحجر أوقع من وقع له يوم: ألست بربكم بفيض المبلغ، فتزاحموا على باب الإجابة، شعارهم: لبيك اللهم لبيك! فإن قلت: كيف يصح أن يقال: وسعت كل شيء ؟ فالجواب: أن الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، والأصل: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله؛ بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، وأخرجا منصوبين على التمييز، لا إغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأن ذاته رحمة وعلم ويسعان كل شيء، وهذا نحو قولهم: تفقأت شحما، وتصببت عرقا.

فإن قلت: قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملا على حديثهما جميعا، وما ذكر إلا الغفران وحده؟

والجواب: فاغفر للذين علمت منهم التوبة، واتباع سبيلك.

فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون بالمغفرة، والله لا يخلف الميعاد؟ [ ص: 411 ] قلت: هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدته زيادة الكرامة والثواب.

فإن قلت: هل قيدت هذه الآية الآية المطلقة في حم عسق، وهي قوله: ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]؛ لأنه معلوم أن الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم لا يستغفرون لكافر؟

والجواب: يحتمل أن يكون استغفارهم لهم بمعنى طلب هدايتهم والمغفرة لهم بعد ذلك، كما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه، واستغفار نبينا للمنافقين، ولما تقدم هذه الآية: غافر الذنب وقابل التوب [غافر: 3] ، ناسب استغفار الملائكة للمؤمنين منهم، يشهد لهذا قوله بعده: فاغفر للذين تابوا [غافر: 7].

ولما تقدم آية الشورى: تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن [الشورى: 5] ، ناسب استغفار الملائكة لمن في الأرض لإبقاء الستر؛ إذ لا يفوتونه.

وقد يؤمن من سبقت له السعادة منهم.

يريكم آياته [غافر: 13]: هذا عموم بعد ما قدم من الآيات المخصوصة، ولذلك وبخهم بقوله: فأي آيات الله تنكرون [غافر: 81].

تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن [الشورى: 5] ، أي: يتشققن من خوف الله وتعظيم جلاله.

وقيل: من قول الكفار: اتخذ الله ولدا [البقرة: 116] ، فهي كالآية التي في مريم [81].

قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين من ذكر الثقل هنا مردود؛ لأن الله تعالى لا يوصف به.

فإن قلت: لو أراد تشقق السماء من قول الكفار لقال من فوقهم، وما وجه اتصال التسبيح والاستغفار من الملائكة بهذه الآية؟

والجواب: أن المعنى: تشقق السماوات من أعلاهن، وذلك مبالغة في التهويل.

وقيل: الضمير للأرضين، وهذا بعيد.

وقيل: للكفار، كأنه قال: من فوق الجماعات الكافرة التي من أجل أقوالها تكاد السماوات تتفطرن.

وهذا أيضا بعيد.

[ ص: 412 ] ووجه تسبيح الملائكة تعظيم لله تعالى من تشقق السماوات من عظمته وجلاله، أو من كفر بني آدم فينزهون الله من ذلك.

يوم الجمع [الشورى: 7]: قد قدمنا أن هذا من أسماء يوم القيامة؛ لأنه يوم يجمعون فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد.

يذرؤكم فيه [الشورى: 11].

أي: يخلقكم نسلا بعد نسل، وقرنا بعد قرن.

وضمير المجرور يعود على الجعل الذي تضمنه قوله: جعل لكم [الشورى: 11] ، وهذا كما تقول: كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه.

وقيل: الضمير للتزويج الذي دل عليه قوله: أزواجا .

وقال الزمخشري: تقديره: يذرؤكم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا، غلب فيه العقلاء على غيرهم.

فإن قيل: لم لم يقل: يذرؤكم به؟ فالجواب: أن هذا التدبير جعل كالمنبع والمعدن للبث والتكثير.

يحاجون في الله [الشورى: 16]: أي: يجادلون المؤمنين في دين الله، يعني كفار قريش.

وقيل: اليهود.

يستعجل بها [الشورى: 18].

أي: يطلبون تعجيلها استهزاء بها، وتعجيزا للمؤمنين.

يمارون [الشورى: 18]: يجادلون ويخافون.

يرزق من يشاء [الشورى: 19].

أي الرزق المضمون الزائد لكل حيوان؛ فإن الرزق الذي تقوم به الحياة على العموم لكل حيوان طول عمره، والزائد خاص بمن شاء الله.

يختم على قلبك [الشورى: 24]: في المقصد بهذا قولان: أحدهما أنه رد على الكفار في قولهم: افترى على الله كذبا [الشورى: 24] ، أي: لو [ ص: 413 ] افتريت على الله كذبا، يختم على قلبك، لكنك لم تفتر عليه كذبا فقد هداك وسددك، والآخر أن المراد: إن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار واحتمال أذاهم.

ويمح الله الباطل [الشورى: 24]: هذا فعل مستأنف غير معطوف على ما قبله؛ لأن الذي قبله مجزوم، وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله، ويبتدأ به.

وفي المراد به وجهان: أحدها: أنه من تمام ما قبله، أي: لو افتريت على الله كذبا بالختم على قلبك ومحو الباطل الذي كنت تفتريه لو افتريته.

والآخر أنه وعد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن يمحو الله الباطل وهو الكفر، ويحق الحق وهو الإسلام.

يقبل التوبة عن عباده [الشورى: 25]: أي: من عباده.

وقبول التوبة من الكفر مقطوع بها، ومن مظالم العباد فهي متوقفة حتى يردها لأهلها أو يستحل منها،ومن المعاصي التي بين العبد وبين الله فيرجى أنها مقبولة لهذه الآية.

وقيل: هي في المشيئة، وهو أكرم أن يقول له العبد: رجعت، فلا يقول له: قبلت.

وقد قدمنا مرارا شرط التوبة وصحة قبولها.

وفي بعض كتب الله المنزلة: وعزتي وجلالي، وارتفاعي في علو مكاني.

لأقطعن أمل كل مؤمل أمل غيري باليأس، ولألبسنه أثواب الذلة بين الناس.

ولأقصينه من قربي، ولأباعدنه من حوضي، أيؤمل غيري في الشدائد.

والشدائد بيدي، وأنا الحي ويرجو سواي، ويطرق بالذكر باب الغير ومفاتح الأبواب بيدي، وبابي مفتوح لمن دعاني، من الذي دعاني فلم أجبه، من الذي استغفرني فلم أغفر له، من الذي رجع إلي فلم أقبله، من الذي دعاني لنوائبه فقطعت به دونها، من الذي رجاني لعظيم جرمه فأقطع رجاء له، من الذي قرع بابي ولم أفتح له، جعلت آمال عبادي متصلة بي فقطعوها، وجعلت أرجاءهم مذخورة عندي فلم يرضوا بحفظي، وملأت سمائي ممن لا يملون من ذكري، وأمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي فلم يثق الآدميون بقولي! ألا يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها إلا من بعد إذني! [ ص: 414 ] ما لي أرى عبدي معرضا عني أعطيه بجود فلم يسألني، ثم انتزعته منه فلم يسألني رده! أفتراني أبتدئ بالعطية قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجيب! يا سائلا غيري، أبخيل أنا فيبخلني عبدي! أليست الدنيا والآخرة لي، أليس الكرم والجود لي، أليس الرحمة والفضل لي، أنا محل الآمال، من يعطيها دوني، وما عسى أن يؤمل المؤملون لو جمعت أهل سمائي وأرضي، ثم أعطيت كل واحد منهم ما أمل الجميع ما نقص من ملكي، وكيف ينقص ملك أنا فيه! فيا بؤس للقانطين من رحمتي، ويا بؤس لمن عصاني، وتوثب على محارمي، ولم يستح مني! اللهم إني لم أستح منك، وبارزت بالعظائم، لكن رجائي فيك قوي، وتوسلت إليك بجاه النبي الأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ويعفو عن السيئات [الشورى: 25]: العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا.

وأما العفو دون توبة فهو على أربعة أقسام: الأول: العفو عن الكفر، فلا يكون أصلا، وعن مظالم العباد فلا يكون إلا لبعض خواص عباده، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، فهو حاصل بحسب وعده الصادق.

وعن الكبائر فأهل السنة أنه في المشيئة، وأهل البدعة على عدم غفرانها، وقد أخطئوا لنص الآية والحديث.

ويستجيب الذين آمنوا [الشورى: 26]: قيل: يجيب.

و: الذين آمنوا [الشورى: 26] مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله، أي: يجيبهم فيما يطلبون منه.

وقال الزمخشري: أصله: يستجيب للذين آمنوا، فحذفت اللام.

وقيل: إن معناه يجيب.

والذين آمنوا فاعل، أي: يستجيب المؤمنون لربهم باتباع دينه.

وقيل: إن معناه يطلب المؤمنون الإجابة من ربهم، واستفعل على هذا على بابه من الطلب.

والأول أرجح، لدلالة قوله: ويزيدهم من فضله [الشورى: 26] ، أي: يزيدهم ما لم يطلبوا زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنها الشفاعة والرضوان.

[ ص: 415 ] ينزل الغيث من بعد ما قنطوا [الشورى: 28].

قيل لعمر رضي الله عنه: اشتد القحط، وقنط الناس، فقال: الآن يمطرون.

وأخذ ذلك من هذه الآية.

ومنه الحديث: "اشتدي أزمة تنفرجي".

وقال تعالى: إن مع العسر يسرا [الشرح: 5].

وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا كان وقت الشدائد والمخاوف رئي عليه أثر السرور، وإذا كان وقت السرور رئي عليه أثر الخوف، لعلمه بربه.

وينشر رحمته ، يعني المطر، فهو تكرار للمعنى الأول بلفظ آخر.

وقيل: يعني الشمس.

وقيل: بالعموم، وهو أظهر؛ إذ رحمته سبحانه تعم جميع الموجودات.

ويعلم الذين يجادلون في آياتنا [الشورى: 35] ، أي: يعلمون أنهم لا مهرب لهم من الله.

وقرئ: يعلم بالرفع على الاستئناف، وبالنصب.

واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب.

وأنكر الزمخشري ذلك، وقال: إنه شاذ، فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه.

والثاني قول الزمخشري: إنه معطوف على تعليل محذوف لينتقم منه، ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف كثير في القرآن، ومنه قوله: ولنجعله آية للناس [مريم: 21].

" ( يا بشراي" ) [يوسف: 19]: نادى البشرى، كقوله: يا حسرتى، وأضافها إلى نفسه.

وقرئ يا بشرى، بحذف ياء المتكلم.

والمعنى كذلك.

وقيل: على هذه القراءة نادى رجل منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد؛ لأنه لما أدلى الدلو في الجب تعلق به يوسف، فحينئذ قال: يا بشراي، هذا كلام.

يرسل [الشورى: 51]: قرئ بالرفع على تقدير: أو هو يرسل، وبالنصب عطفا على: وحيا [الشورى: 51] لأن تقديره: أن يوحي، فعطفت أن على أن المقدرة.

ينشأ في الحلية [الزخرف: 18].

أي: يكبر وينبت في استعمال الحلي من الذهب والفضة، والمراد بهم النساء.

وقرئ "ينشأ" بضم الياء وتشديد الشين، بمعنى يربى فيها.

والمقصد الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات الله، كأنه قال: أجعلتم [ ص: 416 ] لله من ينشأ في الحلية، وذلك صفة النقص، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلما تجد امرأة لا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف ينسب لكامل من اتصف بنقص.

وأغرب من ذلك أنهم يجعلون لأنفسهم المذكور، ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون [النحل: 57].

وإعراب: " من ينشأ " مفعول بفعل مضمر، تقديره: أجعلتم لله من ينشأ في الحلية، أو مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: أومن ينشأ في الحلية خصصتم به الله.

يستغيثان الله ويلك آمن [الأحقاف: 17]: ضمير التثنية يعود على الوالدين اللذين يستغيثان بالله من كراهتهما لما يقول ابنهما من الكفر، فيقولان له: ويلك آمن، ثم يأمرانه بالإيمان فيقول: ما هذا إلا أساطير الأولين [الأحقاف: 17] ، أي: قد سطره الأولون في كتبهم؛ وذلك تكذيب بالبعث والشريعة.

واختلف فيمن نزلت هذه الآية، فقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كفره، كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإيمان فيأبى، ويقول لهما: أف لكما.

وأنكرته عائشة رضي الله عنها، وقالت: والله ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي.

وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من خيار المسلمين، وكان له في الجهاد غناء عظيم.

وقال السدي: ما رأيت أعبد منه.

والصحيح أنها على الإطلاق فيمن كان على هذه الصفة من الكفر والعقوق لوالديه، ويدل على أنها نزلت على العموم قوله: أولئك الذين حق عليهم القول في أمم [الأحقاف: 18] ، بصيغة الجمع، ولو أراد واحدا بعينه لقال ذلك الذي حق عليه القول.

يتدبرون القرآن [محمد: 24].

أي: يتفكرون في معانيه، لتظهر أدلته وبراهينه، وفيها حض على التدبر والتفكر فيه.

وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يقرؤه بخشوع من غير هذرمة.

[ ص: 417 ] يبخل [محمد: 38]: البخل هو الغم بالإعطاء والفرح بتركه، وأما البخيل فهو الذي يغتم بالإعطاء ويذم عليه، ويفرح بتركه، وهذا من صفات البخل كما قدمنا: وأحضرت الأنفس الشح [النساء: 128].

يتركم أعمالكم [محمد: 35].

أي: ينقصكم، يقال وترت الرجل ترة، إذا نقصته شيئا.

وكيف ينقص السيد عبده، هذا في مخلوق فكيف بالغني على الإطلاق، ولما نزلت: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 7، 8].

شق ذلك على الصحابة.

وقالوا: يا رسول الله، إذا جازانا الله بأعمالنا هلكنا، فأنزل الله المضاعفة لأعمالهم، والمضاعفة في الحسنة لا حصر لها ولا مضاعفة للسيئة.

يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم [الحجرات: 7]: إنما لم يقل: أطاعكم، للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرار طاعته عليه السلام لهم.

والحق خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه لا أن يطيعهم؛ وذلك أن رأيه عليه الصلاة والسلام خير وأصوب من رأي غيره، ولو أطاع الناس في آرائهم لهلكوا، فالواجب على الناس الانقياد إليه والطاعة لأمره.

لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن [الحجرات: 11]: نهى الله في هذه الآية عن الاستهزاء بالناس واحتقارهم.

ولما كان "القوم" لا يقع إلا على الذكران عطف النساء عليهم.

فالسخرية بالنساء من أعظم العيوب عند علام الغيوب.

ولعل المسخور منه خير من الساخر عند الله، والأعمال بالخواتم، ولا تقع هذه الخصلة الذميمة إلا من جاهل بنفسه راض عنها، فيتكبر ويعجب، ولو رأى نفسه أقل خلق الله لم يسخر ممن هو عند الله أعلى منه، ولذلك قيل: من ظن أنه خير من الكلب فالكلب خير منه.

فالعاقل يرى الصغير أفضل منه، ويقول: أنا عصيت الله، وهذا لم يعصه، والكبير يقول: هذا عبد الله أكثر مني، فهو أفضل؛ لأن من [ ص: 418 ] زادك في العبادة فضلك، والذي هو مثله يقول: لم يعص الله، وربما له خبية من عمل صالح لم أطلع عليها، وأنا ليس لي شيء، وبالجملة فلم يصدر هذا إلا من معجب بعمله، متكبر، وكم أهلكا من عالم وعابد وزاهد.

يغتب بعضكم بعضا [الحجرات: 12]: الغيبة: ما يكره الإنسان ذكره من خلقه أو خلقه أو دينه أو أفعاله أو غير ذلك.

وفي الحديث: قيل: يا رسول الله، وإن كان حقا، قال: إذا قلت غير الحق فذلك البهتان.

وقد رخص في التجريح في الشهادة والرواية وفي النكاح وشبهه، وفي التحذير من أهل الضلال، ولا غيبة في فاسق أو مجاهر بالكبائر، وسامعها شريكه ما لم ينكرها بلسانه، ومع خوفه فبقلبه، وعليه قطعها بكلام، وإلا ينصرف، فإن عجز لزمه شغل قلبه ولسانه عنها.

روي: من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق.

وروي: من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله له ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ولو ردت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادها، كما سعد بها قائلها.

وبواعث الغيبة التشكي، وموافقة ونحوها لذاكرها، أو رفعة لنفسه أو حسد أو لعب، ومتى رأى عيبا حرم التصديق ما احتمل تأويلا، ومتى تحقق نصح حتما، وسكت سترا للنهي عن المتلفظ به، فاعلا أو مفعولا حيث قال: بعضكم بعضا .

وتشبيه المغتاب بآكل الميتة وهو منفر طبعا وشرعا، والإتيان بهمزة الإنكار، ثم بلفظ المحبة، ثم بقوله: أحدكم كأنه يقول: هل يوجد في العالم أحد يحب أكل الميتة، ثم المبالغة بلحم الأخ، ثم بأكله.

وجه المناسبة إدارة حنكه، فالغيبة كالأكل، ثم بقوله: "ميتا"، فإنه أبلغ في النفرة، ثم التأكيد بقوله: [ ص: 419 ] فكرهتموه، ثم التعريف بأن من التقوى ترك ذلك، ثم التحريض على التوبة بقوله: واتقوا الله إن الله تواب رحيم [الحجرات: 12].

قال أبو علي الفارسي: كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل، وهو أحق أن يجاب؛ لأنه بصير عالم، والطبع أعمى جاهل.

وصح " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام".

ونواهيها مشهورة جدا، فما ظنك بكلمة لا تسلم منها بتوبة للمظلمة حتى تبرأ، فهي أشد على النفس من الربا والزنى، وتنقل حسناتك لغيرك، وتعذب بذنوبه التي تحملتها بغيبته، وعرضتك لسخط الله ومقته، وكان تعالى فيها خصيمك.

ويقال: ليتك استحييت من الله كاستحيائك من مخلوق لا تغتابه بحضرته؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون من خصلة نحن فيها ليلا ونهارا ولا ازدجار منها، ولا توبة، ونتهاون بها، ونعظم الربا، مع أنها أعظم كما تقدم ويظهر لك بالحديث: "الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل أن يطأ الرجل أمه".

وفي حديث آخر: "إن من أربى الربا استطالة المسلم في عرض أخيه بغير حق".

فانظر بعد ما بينهما يلح لك عظيم ما ارتكبناه، إلا أن يعفو الله بإرضاء خصمائنا وإلا هلكنا.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23].

وكان الواجب علينا ألا نخاطب ربنا بهذا الخطاب إلا بعد التوبة النصوح.

وحسن الارتجاع، لكنا نرجو من كرم الكريم العفو عن اللئيم بجاه نبيه الكريم.

يرتابوا [الحجرات: 15]: يشكوا.

يمنون عليك أن أسلموا [الحجرات: 17].

نزلت في بني أسد من خزيمة، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، وكانوا مسلمين ظاهرا ويحبون المغانم وعرض الدنيا، فقالوا: يا رسول الله، إنا آمنا بك وصدقناك، ولم نحاربك كما فعلت هوازن وغطفان وغيرهم.

فرد الله عليهم بقوله: بل الله يمن عليكم [الحجرات: 17]: يحتمل أن يكون بمعنى: ينعم عليكم، أو بمعنى يذكر إنعامه.

وهذا أحسن؛ لأنه في مقابلة: يمنون عليك [الحجرات: 17].

[ ص: 420 ] يلتكم [الحجرات: 14]: ويألتكم بهمزة قبل اللام - قراءتان، بمعنى ينقصكم.

والخطاب لمن أطاع الله ورسوله.

فإن قلت: هذا الخطاب وقع في بني أسد، فكيف يعطيهم أجور أعمالهم.

وقال: إنهم لم يؤمنوا، ولا تقبل الأعمال إلا من مؤمن؟

والجواب: أن طاعة الله ورسوله تجمع صدق الإيمان وصلاح الأعمال، فالمعنى: إن رجعتم عما أنتم عليه من الإيمان بألسنتكم دون قلوبكم، وعملتم أعمالا صالحة، فإن الله لا ينقصكم منها شيئا.

يوم يناد المناد من مكان قريب [ق: 41]: المنادي هنا إسرافيل الذي ينفخ في الصور.

وقيل: إنما وصفه بالقرب؛ لأنه يسمع جميع الخلق.

وقيل: المكان صخرة بيت المقدس، وإنما وصفها بالقرب لقربها من مكة.

وقيل: لقربها من السماء، لأنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وهذا ضعيف.

يوم تشقق الأرض عنهم سراعا [ق: 44]: العامل في هذا الظرف معنى قوله: حشر علينا يسير [ق: 44] ، وهو بدل مما قبله.

يسرا [الذاريات: 3]: صفة لمصدر محذوف، ومعناه أن السفن تجري في البحر بسهولة.

يؤفك عنه من أفك [الذاريات: 9] ، أي: يصرف.

والضمير في: " عنه " يحتمل أن يكون للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو للقرآن، أو للإسلام.

والمعنى: يصرف عن الإيمان به من صرف، أي: من سبق في علم الله أنه مصروف.

وقيل: إن الضمير لما توعدون [الذاريات: 5] ، أو للدين المذكور.

والمعنى: يصرف عن الإيمان به من صرف.

وقيل: إن الضمير للقول المختلف.

والمعنى: يصرف عن ذلك القول إلى الإسلام من قضى الله بسعادته، وهذا القول حسن، إلا أن عرف الاستعمال في أفك يؤفك إنما هو في الصرف من خير [ ص: 421 ] إلى شر، ومن شر إلى خير.

وقيل: إن الضمير للقول المختلف، وتكون " عن " سببية.

والمعنى: يصرف عن ذلك القول من صرف عن الإيمان.

يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون [الذاريات: 12، 13].

يحرقون ويعذبون.

ومنه قيل للحرة: فتين، كأن الشمس أحرقت حجارتها.

ويحتمل أن يكون: يوم هم معربا، والعامل فيه مضمر، تقديره: يقع ذلك يوم هم على النار يفتنون أو أن يكون مبنيا لإضافته إلى متى.

وعلى هذا يجوز أن يكون في موضع نصب بالفعل المضمر حسبما ذكرنا، أو في موضع رفع، والتقدير: هم يوم هم على النار يفتنون.

يهجعون [الذاريات: 17]: في معنى هذه الآية قولان: أحدهما: وهو الصحيح: كانوا ينامون قليلا من الليل، ويقطعون أكثر الليل بالسهر في الصلاة والتضرع والدعاء.

والآخر أنهم كانوا لا ينامون بالليل لا قليلا ولا كثيرا.

ويختلف الإعراب باختلاف المعنيين، فأما على القول الأول ففي الإعراب أربعة أوجه: الأول: أن يكون " قليلا " خبر كانوا، و: ما يهجعون فاعل بقليل.

لأن " قليلا " صفة مشبهة باسم الفاعل، وتكون " ما " مصدرية، والتقدير: كانوا قليلا هجوعهم من الليل.

والثاني مثل هذا إلا أن ما موصولة، والتقدير: كانوا قليلا الذين يهجعون فيه من الليل.

والثالث: أن تكون ما زائدة و: قليلا ظرف، والعامل فيه: يهجعون ، والتقدير: كانوا يهجعون وقتا قليلا من الليل.

والرابع مثل هذا إلا أن قليلا صفة لمصدر محذوف، والتقدير: كانوا يهجعون هجوعا قليلا.

وأما على القول الثاني ففي الإعراب وجهان: [ ص: 422 ] أحدهما: أن تكون " ما " نافية، و: " قليلا " ظرف، والعامل فيه: يهجعون .

والتقدير: كانوا ما يهجعون قليلا من الليل.

والآخر أن تكون " ما " نافية و: قليلا خبر كان، والمعنى كانوا قليلا في الناس، ثم ابتدأ بقوله: من الليل ما يهجعون ، وكلا الوجهين باطل عند أهل العربية؛ لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فظهر ضعف هذا المعنى ببطلان إعرابه.

يومهم الذي فيه يصعقون [الطور: 45]: يعني يوم القيامة، وذلك لشدة هوله.

يلتقيان [الرحمن: 19]: ضمير التثنية يعود على البحرين المذكورين في قوله: هذا عذب فرات [فاطر: 12] ، وهذا ملح أجاج ، أي: يلتقي ماء هذا وماء هذا، وإذا نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو المطر، وأما على القول بأن البحر العذب هو الأنهار والعيون، فالتقاؤهما بانصباب الأنهار في البحر، وأما قول القائل بأن البحرين بحر فارس والروم وبحر القلزم واليمن فضعيف.

يسأله من في السماوات والأرض [الرحمن: 29].

أي: يسألونه حوائجهم، فمنهم من يسأله بلسان المقال، ومنهم من يسأله بلسان الحال؛ لأن جميعهم مفتقر لفضله ونواله وإمداده.

وقد قدمنا أن المراتب السبع من جماد ونام - وحيوان، وناطق وممتحن ومؤمن ومحب، جميعهم متضرعون مقبلين أو مدبرين.

فسبحان من وسع سمعه أصواتهم وحركاتهم وسكناتهم.

يعرف المجرمون بسيماهم [الرحمن: 41]: يعني بعلامتهم، وهي سواد الوجه وغير ذلك، وقد - قال في آية أخرى: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن [الرحمن: 43، 44].

يعني أن الكفار يتقلبون من الزمهرير إلى الحر، ومن الحر إلى الزمهرير، رجاء الاستراحة [ ص: 423 ] مما هم فيه، فلا يجدون إلا أشد من منازلهم، فهم في عذاب جهنم مخلدون: لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون [الزخرف: 75] .

" يطمثهن " [الرحمن: 56، 74]: المعنى: أنهن أبكار لم يطمثهن... بخروج الدم.

وقيل: الطمث الجماع، سواء كان لبكر أو غيرها، أو نفى أن يطمثهن إنس أو جان مبالغة، وقصدا للعموم، فكأنه لم يطمثهن شيء.

وقيل: أراد لم يطمث نساء الإنس إنس، ولا نساء الجن جن.

وهذا على القول بأن الجن يدخلون الجنة، ويتلذذون فيها بما يتلذذ البشر.

وقد قدمنا أنهم في ربض الجنة لا يسكنون مع الإنسان، وأن رؤية الله خاصة بالإنس على المشهور.

وقد صح أن الله تعالى إذا خلق الجارية من الحور العين خلق عليها خيمة من الدر سترا لها وغيرة على من خلقها له ألا يراها غيره.

فما لك يا محمدي لا تغير أنت عليه إن كنت تحبه، ولا أرى لك ذلك.

لأنك تقول: رضيت بالله ربا ولم ترض بقضائه.

وتقول تحبه، وأنت تحب غيره وتقول وجهت وجهي له، وقد وجهته لدنيا وأهل ومال وولد.

أما علمت أن حقيقة العبودية الإقرار لمعبودها، لا راعى الله من لا يراعي الذمم.

ربك يعاملك بكل ما تريد ولا تفعل له ما يريد، كل ذلك لك لا له؛ إذ هو غني عن العالمين.

"ياقوت" [الرحمن: 58]: هو حجر عزيز يضيء أعلاه كالقمر، وهو قليل الوجود، وهو أنواع.

وذكر الجواليقي والثعالبي أنه فارسي، وشبه الله نساء الجنة بالياقوت، وأين الياقوت منهن، ولكن خاطب عباده بما يفهمونه.

وقد قدمنا أن أحوال الدنيا إنما هي أنموذج على ما في الآخرة لا مثلها.

يصرون [الواقعة: 46].

أي: يدومون من غير إقلاع.

قال ابن الجوزي: معناه يضجون بالحبشية.

ينزل على عبده آيات بينات [الحديد: 9]: المراد به سيدنا ونبينا ومولانا محمد -صلى الله عليه وسلم- للتشريف والتكريم.

[ ص: 424 ] وقد قدمنا أن هذه الإضافة خاصة به، كقوله تعالى: وأنه لما قام عبد الله [الجن: 19].

سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء: 1].

فما أشرفها من إضافة، وما ألذه من خطاب! يسعى بين أيديهم وبأيمانهم [التحريم: 8]: الضمير للمؤمنين، يعني أنهم يكون لهم نور يوم القيامة أمامهم ومن خلفهم على قدر إيمانهم، منهم من يكون نوره كالنخلة السحوق، ومنهم ما قرب من قدميه، ومنهم من يضيء مرة وينطفئ أخرى كالشمعة.

والكافرون والمنافقون لا نور لهم، فيرون المؤمنين الأنوار محدقة فيقولون: انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا [الحديد: 13] ... الآية.

وقيل: إن هذا النور استعارة يراد به الهدى والرضوان.

والأول أصح، لوروده في الصحيح.

يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله [الحديد: 16]: أنى الأمر إذا حان وقته، وذكر الله "يحتمل أن يريد به القرآن، أو الذكر، أو التذكير، أو المواعظ.

وهذه آية موعظة وتذكير، قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وسمع الفضيل بن عياض هذه الآية فكانت سبب رجوعه.

وحكي أن عبد الله بن المبارك أخذ العود في صباه ليضربه فنطق بهذه الآية فكسره ابن المبارك وتاب.

وحكي أنه كان في غار السودان عابد فأتى بعض الشباب بعود وكوز من الخمر، فجلس بأعلى الغار من غير علم بالعابد، فلما شرع في ضرب العود والسكر قرأ العابد: ألم يأن للذين آمنوا الآية، فسمعه الشاب فقال: بلى، آن، وكسر العود والكوز، وخرج فارا بنفسه، فتبعه العابد، فعرضت له بركة السودان فمشى على الماء.

قال العابد: فتبعته فغرقت، ولم أقدر على اتباعه، [ ص: 425 ] فرفعت رأسي، وقلت: إلهي لي على بابك أربعون سنة، ولم أنل ما نال هذا في ساعة، فسمعت هاتفا يقول: ذلك فضلي أوتيه من أشاء.

وأنت يا محمدي تتلوها كل ساعة ولا ترجع إلى ربك! أهكذا شأن من يريد الرجوع إلى الله! كلا والله، ليس ثم رجوع ولا ندم، وإنما هو انهماك في المعاصي وقلة الخضوع، إلهي لا التوبة تدوم لي، ولا المعصية تنصرف عني، ولا أدري بم يختم لي، غير أن سابقة الحسنى أوجبت لي حسن الظن، وقد قلت: أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء، فهب لي توبة منك باقية، واصرف أزمة الشهوات عني، وامح زينتها من قلبي بزينة الإيمان بجاه سيد الثقلين عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم، ما اختلف الملوان.

ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد [الحديد: 16].

عطف: ولا يكونوا على: أن تخشع [الحديد: 16].

ويحتمل أن يكون نهيا، والمراد التحذير من أن يكون المؤمنون كأهل الكتب المتقدمة، وهم اليهود والنصارى، في حرصهم على الدنيا وصرف هممهم إليها، فكم خوفنا سبحانه ونهانا قولا وفعلا، أدب الملائكة بإبليس: بعد عبادة ثمانين ألف سنة ترك سجدة طرد.

أبونا آدم عليه السلام بأكلة لم يؤذن له فيها، أهبط إلى الأرض وبكى مائتي سنة، وأتعب ذريته.

نوح عليه السلام بكلمة إني أعظك لم يرفع رأسه حياء - أربعين سنة، فالحذر من ميل إلى دنيا تعدك بمال، فإنه مهلك، كبلعام سلب ولم يقبل أبدا، وكان يعلم الاسم الأعظم.

وبرصيص العابد بعد عبادة مائة سنة قرنه الله مع إبليس في قوله تعالى مثله: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك [الحشر: 16].

وتأمل الحدود المرتبة على الذنوب من حد قطع عضو في خمسة دراهم.

ولو لم يكن من التخويف إلا قوله تعالى: إن عذاب ربهم غير مأمون [المعارج: 28] ، وإذا سأل الصادقين عن صدقهم فكيف بمن عصى؟ قال بعضهم: الصدق على ثلاث مقامات: صدق في العزم، وصدق في [ ص: 426 ] اللسان، وصدق في الأعمال، فصدق العزم تجديد الإرادة، وصدق اللسان محاسبة النفس قبل إطلاق القول، وصدق الأعمال ركوب الجهد بترك العادة النفسية.

فآفة صدق العزم العجز، وآفة صدق اللسان المعارضة، قال تعالى في بعض كتبه: إذا استوت أقدام الأنبياء في الآخرة في صفها أسأل الصادقين عن صدقهم، فتحتاج إذ ذاك الأنبياء إلى عفوي، وأقدم حبيبي أمامهم بخطوة الصدق الذي أتى به بارزا على جميع الأنبياء، وهو مقام الوسيلة الذي وعدته بنيله، ولا سؤال أعظم من سؤال الصادقين عن صدقهم؛ لأني أطالبهم بصدق الصدق، وقد عجز المخلوقون أجمع عن الصدق، فكيف يجيبون عن صدق الصدق.

اللهم لا حيلة لنا في الوصول إلى منزل الصدق عندك إلا باطراح أنفسنا قولا وفعلا، لأنك أنت أنت ونحن نحن، ولا بد لنا منك، فارحم ذلنا بين يديك يا أرحم الراحمين.

يظاهرون منكم من نسائهم [المجادلة: 2]: بالتشديد والتخفيف بحذف الألف وإثباتها مع التخفيف، ومعناهما واحد، وهو أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ويجري مجرى ذلك عند مالك تشبيه الزوجة بكل امرأة محرمة على التأبيد، كالبنت والأخت وسائر المحرمات بالنسب والمحرمات بالرضاع، والمحرمات بالصهر، سواء ذكر لفظ الظهر أو لم يذكره، كقوله: أنت علي كأمي، أو كبطن أمي، أو يدها أو رجلها، خلافا للشافعي؛ فإن ذلك كله ليس عنده بظهار؛ لأنه وقف عند لفظ الآية.

وقاس مالك عليه؛ لأنه رأى أن القصد تشبيه حلال بحرام.

" يتماسا " [المجادلة: 3، 4]: المراد بالمسيس هنا الوطء، وما دونه من اللمس، والتقبيل، فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئا من ذلك حتى يكفر.

وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحوا ما دونه قبل الكفارة.

وذكر الله قوله: " قبل أن يتماسا " في التحرير والصوم، ولم يذكره في الإطعام.

[ ص: 427 ] واختلف العلماء في ذلك، فحمل مالك والشافعي الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد.

وقال أبو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة؛ لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس.

يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين [الحشر: 2]: أما إخراب المؤمنين فهو هدم أسوار الحصون ليدخلوها، وأسند ذلك إلى الكفار في قوله: يخربون ؛ لأنه كان بسبب كفرهم وغدرهم، وأما إخراب الكفار لبيوتهم فلثلاثة مقاصد: أحدها: حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة ويحصنوا ما أخربه المسلمون من الأسوار، والآخر ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسواري وغير ذلك.

والثالث: ألا تبقى مساكنهم مبنية للمسلمين، فهدموها شحا عليها.

يسلط رسله على من يشاء [الحشر: 6]: بالقتل والفيء والأسر وغيرها.

يثقفوكم [الممتحنة: 2] : يظفروا بكم.

ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين [الممتحنة: 9]: هم كفار قريش، والآية في النهي عن الإحسان إليهم والتحبب إليهم.

وأما من لم يقاتل فقد قدمنا في حرف اللام أن الله رخص للمسلمين في صلتهم.

وقد صح أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة أفأصلها؟ قال: صلي أمك.

يئسوا من الآخرة [الممتحنة: 13].

أي: من خيرها والسعادة فيها.

يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا [الصف: 6].

هذا القول من عيسى عليه السلام تعريض لهم واستدعاء لهم أن يتدينوا بدينه، وأن يصدقوا بما صدق به.

" ومصدقا " حال مؤكدة، ومبشرا ، عطف عليه.

والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقي بما تقدمني من التوراة وفي حال [ ص: 428 ] تبشيري برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، وأن ديني التصديق بكتاب الله وأنبيائه جميعا ممن تقدم أو تأخر.

فإن قلت: لم لم يقل: يا قوم، كقول موسى عليه السلام: يا قوم لم تؤذونني [الصف: 5]؟

والجواب: أن عيسى عليه السلام لما نسب له فيهم، فيكونوا قومه، إذ لم يكن له فيهم أب.

فإن قلت: لم جاء قول عيسى عليه السلام فيما يرجع إلى التوراة بلفظ التصديق، وفيما يرجع إلى النبي عليه السلام بلفظ البشارة، ولم قال: مصدقا [البقرة: 41] بالتوراة ولم يقل بموسى؟ قلت: المراد أن يخبر عليه السلام بأنه مصدق بمن تقدم وتأخر من رسله وكتبه، فجاء لفظ التصديق بالتوراة على الأمر المقصود، والتصديق بالتوراة يستلزم التصديق بمن جاء بها، وكأنه نزه الرسول الذي جاء بها عن أن يستراب برسالته حتى يحتاج إلى من يصدقه ممن هو مثله.

ولما كان مجيء محمد -صلى الله عليه وسلم- أمرا منتظرا حسن التبشير به، والبشارة به تتضمن تصديقه سيما وقد سماه رسولا وعرفه بأحمد، الاسم المسمى به في السماء عند الملأ الأعلى، وهو أفخم للمسمى، وأبلغ في تفخيمه.

وهنا نكتة لطيفة، وهي أن المبشر به يشعر بأن البشارة به تقتضي بأنه يأتي بأمور فيها البشرى لمن جاءهم بها وقبلوها منه.

قال ابن عطية: وهو في هذه الآية الكلمة لا الشخص، وليست على حد قولك: جاءنا أحمد؛ لأنك ها هنا أوقعت الاسم على مسماه، والآية إنما أراد فيها باسمه هذه الكلمة.

ووقع للفخر في سورة الحمد مناسبة اشتقاق اسمه أحمد ومحمد من الحمد؛ لأنه أول ما خلق الله العقل، فكان أول ما نطق به الحمد، وكان آخر الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، فناسب الختم أن يكون من نوع المبدأ، فاشتق له من الحمد اسمان: محمد وأحمد، فأهل السماء هو أحمدهم، وأهل الأرض هو محمدهم.

[ ص: 429 ] فإن قلت: لم أخره -صلى الله عليه وسلم- وهو أفضل الخلق؟

والجواب لخصائصه وخصائص أمته، منها أن من تقدم ظهرت فيهم الصناعة المحتاج إليها، فظهرت الحراثة من آدم، والخياطة من إدريس، والنجارة من نوح، والقيانة من داود، والخرازة من إلياس، وغير ذلك من الصنائع التي احتيج إليها، فجاءت إليهم مهذبة، ومنها لئلا يطلع على مساويهم أحد من الأمم.

ومنها لئلا يطول مكثهم في التراب.

ومنها: ليكونوا شهداء على من تقدم، وغير ذلك من الخصائص التي نالوها بسببه -صلى الله عليه وسلم- ويطول ذكرها.

فإن قلت: هل لتسميته في الأحزاب حكمة؛ لأنها مخالفة لتسمية عيسى؟ فالجواب: أنهم كانوا لا يعرفون في الكتب الماضية إلا هذا الاسم، وسر تسميته به أنه أشار إليهم فيها بأنه أحمدهم، وهذا الاسم لم تغيره ألسنة العامة؛ لأنهم يقولون: محمد بفتح أوله أو بضم أوله، ويستعظمون ذكره على وجهه للمواطأة فيه، وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للتغيير نسبة؛ إذ قال: "إن الله صرف عني إيذاء قريش وسبهم، يسبون ويذمون مذمما، وأنا محمد".

ولما اتصف نبينا ومولانا محمد -صلى الله عليه وسلم- بكونه أبا للمؤمنين في سورة الأحزاب؛ لأنهم كانوا لا ينادونه إلا بهذا الاسم تجد المؤمن إذا دهمه أمر أو حدث له حادث لا يفزع إلا لهذا الاسم الشريف؛ إذ لا أحسن للإنسان من أبيه عند الفزع.

وبهذا يندفع ما نحا إليه النووي في الأذكار حيث يزعم أنه لا يذكر اسمه عند العشرة فما فوقها، ولعل السر في هذه الآية هو من ناحية نفي أبوة الأشباح، وصحة كونه أبا للأرواح مع كونها مقتضية للرسالة، وختم النبوءة.

وفي شرح البخاري لابن بطال أن الأبوة أشهر من الأمومة، بدليل: ادعوهم لآبائهم [الأحزاب: 5] ، وللحديث: "ينصب للغادر لواء يوم القيامة ثم يقال: هذا لواء فلان ابن فلان".

وإنما فرع من قال بالنسبة للأم؛ لأنه رأى الستر يوم القيامة أدخل في باب الإغضاء، وفيما قاله نظر؛ إذ الأبوة نسبة ظنية والأخرى يقينية.

[ ص: 430 ] وفي حديث القاضي المعافي: إنما الإشكال في دعوى ولد الزنى يوم القيامة لأبيه، مع أنه ليس بأب شرعي.

وأجاب باحتمال دعوى المجاز كأبي الأرامل، أو أن أحوال الآخرة على خلاف أحوال الدنيا يدعى إلى الإسلام الداعي إليه نبينا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم.

يغفر لكم [الصف: 12]: جزم في جواب تؤمنون [الصف: 11]؛ لأنه بمعنى الأمر، فقد قرأ ابن مسعود: آمنوا وجاهدوا - على الأمر.

وقال الفراء: هو جواب: هل أدلكم [الصف: 10]؛ لأنه يقتضي التحضيض.

يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة [الجمعة: 2].

من الله على عباده ببعث رسول منهم وإليهم يعلمهم بيان الشرائع والفهم، ويزكيهم: يطهرهم، ونسب التعليم إليه؛ لأنه يعلم ما في الكتب وطرق النظر بما يلقيه جبريل إليه، فأعرضوا عنه، وقالوا: هل بعث الله ملكا.

وقد قدمنا سر بعث الرسل من البشر؛ إذ البشرية لا تطيق مباشرة الروحانية.

ألا ترى جبريل، كان يخرجه -صلى الله عليه وسلم- من البشرية حين يلقي إليه الوحي.

فإن قلت: ما فائدة تقديم العلم في البقرة، وتأخيره في الصف وآل عمران؟

والجواب: لأنه لما كانت دعوة إبراهيم عليه السلام قبل وجود الضلال في الذرية المدعو لها، وإنما تحصل لهم تزكيتهم ورفع ضلالهم المتوقع لوقوعه بما يمنحونه من التعليم وما يتلى عليهم من الآيات؛ لأن ذلك هو السبب في حصول التزكية والسلامة من الضلال إذا وقفوا للانقياد له، ألا ترى ارتباط التزكية بأعمال الطاعات، قال تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة: 103] ، وإنما كان تزكية لهم لانقيادهم بالطاعة فما يطلبهم به من ذلك ويأخذه منهم، فتأخر ذكر التزكية المسببة عما به تحصل، وذلك بعد هدايتهم للإيمان، فجاء على الترتيب من بناء المسبب على سببه.

[ ص: 431 ] ولما كان مقصود الآيتين الأخيرتين إنما هو ذكر الامتنان عليهم بهدايتهم بعد الضلال الذي كان وجد منهم والتعريف بإجابة دعوة إبراهيم عليه السلام أخر ذكر تعليمهم الكتاب والحكمة المزيلين لضلالهم، ليكون تلوهم ذكر الضلال الذي أنقذهم الله منه بما علمهم وأعطاهم وامتن عليهم، وهو ثاني المسببين، فكان الكلام في قوة أن لو قيل: ويعلمهم ما به زوال ضلالهم.

وأخر في هاتين الآيتين ذكر السبب ليوصل بذكر مسببه الأكيد هنا الذي قد كان وقع، وهو رفع ضلالهم وانقيادهم من عظم محنته، ولو أخر ذكر التزكية لما أحرز هذا المعنى المقصود هنا، فاختلاف الترتيب إنما هو بحسب اختلاف القصدين ودفع ما ذكر، فورد على ما يجب.

يلحقوا بهم [الجمعة: 3]: معطوف على آخرين، أي: لم يلحقوا بهم.

واختلف من هم الآخرون، والصحيح الذي ورد في الصحاح أنهم أهل فارس؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- سئل عنهم، فأخذ بيد سلمان، وقال: لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء، يعني فارس.

وقيل: هم الروم، و: " منهم " على هذين القولين يريد في البشرية وفي الدين لا في النسب.

وقيل: هم أهل اليمن وقيل: هم التابعون وقيل: هم سائر المسلمين.

يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو [المنافقون: 4].

عبارة عن شدة خوفهم من المسلمين؛ وذلك أنهم كانوا إذا سمعوا صياحا ظنوا أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتلهم، وفي هذا دليل على أنه كان يعلمهم.

يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم [المنافقون: 5]: الضمير يعود على المنافقين؛ يعني أنهم يميلونها إعراضا واستكبارا.

وسبب نزول هذه السورة ما جرى في غزوة بني المصطلق بين جهجاه بن سعيد أجير عمر بن الخطاب وبين سنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين على الماء الذي وقع الزحام فيه، فلطم جهجاه سنانا فغضب سنان، ودعا بالأنصار، ودعا الجهجاه بالمهاجرين، فقال عبد الله بن أبي: والله ما مثلنا [ ص: 432 ] ومثل المهاجرين إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك.

ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل [المنافقون: 8] ، يعني بالأعز نفسه وأتباعه، ويعني بالأذل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال لقومه: إنما يقيم هؤلاء بالمدينة بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم عنهم ذلك لفروا عن مدينتكم، فسمعه زيد بن أرقم، فأخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي، فحلف لرسول الله أنه ما قال شيئا من ذلك وكذب زيدا، فنزلت السورة عند ذلك، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لزيد، وقال له: صدقك الله يا زيد، فخزي عبد الله بن أبي ومقته الناس، فقيل له امض إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستغفر لك، فإنه رحيم بالأمة، فلوى رأسه استكبارا، وقال: أمرتموني بالإسلام فأسلمت، وبأداء الزكاة ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد، فعاش قليلا ومات،
فإنا لله وإنا إليه راجعون.

لا حيلة في القدر: جمع الحبس والتعذيب بين بلال وعمار على نبذ الدين.

فزور على عمار على خط قلبه، فلم يعرف التزوير، وأسر بلال على دعوى الإبلاس فسلموه إلى صبيانهم في حديدة يصرونه في حر مكة، ويضعون على صدره وقت الرمضاء صخرة، ولسان محبته يقول:

بعينك ما يلقى الفؤاد وما لقي     وللشوق ما لم يبق مني وما بقي

وجيء بأبي جندل يجر قيوده، فرده -صلى الله عليه وسلم- إليهم ودموعه تسيل على صدره، وأنشد أبياتا آخرها:

وعلى ما صفحوا أو نقموا     لأرى يا طيبة منك يدا

وكذلك أبو سهيل وغيره حبسوهم عنه -صلى الله عليه وسلم-، فجرى القدر بلقياه، والإيمان به، وهؤلاء لم تسبق لهم سابقة سبق.

من أنت يا بلال حتى عرج بك على براق العناية إلى حضرة القرب للقرب.

وخلف عن نيل المطالب أبو طالب، جئت يا سلمان من فارس حتى نظمتك يد [ ص: 433 ] العناية في سلك: سلمان منا أهل البيت.

يا صهيب، ما الذي سمعت من الأخبار حتى تنعلت، ولبست سربال الهموم حتى سبقت.

يا ابن أدهم، من أنت حتى طرزت حلل المنابر برقوم مدحتك.

يا عتبة، من أنت حتى تزينت مجالس الأذكار بحديثك.

يا رابعة، من أنت حتى لبيت المنادي، وحللت من القرب في النادي، وقيل لك: من أجلك قبلت من أتى إليك، اللهم إنك نبهت قلوبا نائمة، وأيقظت أسماعا ساهية، وأقمت بالمواعظ إلى بابك قلوبا ناسية حتى سمعوا الإشارة، فأسرعوا وصفت قلوبهم لمحبتك فيهم؛ فإنهم لم يحبوك حتى أحببتهم، ولم يقربوا منك حتى أوصلتهم، ارحمنا بذكرهم واقبلنا كما قبلتهم، فإنه لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا تحرم من نظر في كتابي هذا وقال: اللهم ارحم المحروم برحمتك، وإن كان غير مستأهل القبول، فضلك الكريم لا يرد الطفيلي والمتعلق.

فإن قلت: ما فائدة الجمع في قوله: وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله [المنافقون: 5] ، مع أن الخطاب لواحد؟

والجواب: أن الإسناد للتحقير وإبقاء الستر على العصاة حيث لم يعين القائل.

وقد كان له أتباع من المنافقين يوافقونه على ما قال؛ فالخطاب لهم.

يأتين بفاحشة مبينة [الطلاق: 1]: ضمير الإناث يرجع إلى المطلقات.

والمعنى أن الله نهى عن أن يخرج الرجل المطلقة من المسكن الذي طلقها فيه.

ونهاها هي أن تخرج باختيارها إلا أن تأتي بفاحشة.

واختلف في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدة على خمسة أقوال: الأول أنها الزنى، فتخرج لإقامة الحد! قاله الليث بن سعد، والشعبي.

والثاني أنه سؤال وكلام مع الأصهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى.

ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظا للنسب، قاله ابن عباس.

ويؤيده قراءة أبي بن كعب: "إلا أن يفحشن عليكم".

[ ص: 434 ] والثالث أنه جميع المعاصي من القذف والزنى والسرقة وغير ذلك، فمهما فعلت شيئا من ذلك سقط حقها في السكنى، قاله ابن عباس أيضا، وإليه مال الطبري.

والرابع أنه الخروج من بيتها خروج انتقال، فمهما فعلت ذلك سقط حقها في السكنى، قال ابن الغرس: وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة.

الخامس: أنه النشوز قبل الطلاق، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا يكون عليه سكنى، قاله قتادة.

يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1]: المراد به الرجعة عند الجمهور، أي: أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به لعل الله يحدث الرجعة لنسائكم.

وقيل: المعنى: لعل الله يحدث أمرا من نسخ هذه الأحكام، وهذا بعيد.

وقيل: إن سبب الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي -صلى الله عليه وسلم- لحفصة بنت عمر، فأمره الله بمراجعتها.

يتنزل الأمر بينهن [الطلاق: 12].

أي: بين السماء والأرض.

وقد قدمنا آنفا أن المراد بالأمر الوحي أو إحكام الله وتدبيره لخلقه.

ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]: الضمير يعود على الملائكة الغلاظ، لقساوة قلوبهم على من عصاه، ويتقربون بتعنيف بني آدم وتعذيبهم مما هو مشاهد في حرس ملوك الدنيا كلما ازدادوا عنفا على المأمور به ازدادوا محبة عند الأمير.

فإن قلت: قوله: لا يعصون الله ما أمرهم [التحريم: 6] ، يغني عن قوله: ويفعلون ما يؤمرون ؟

والجواب: أنه أكده بذلك، ليزداد خوف المخاطب.

أو معنى: يفعلون ما يؤمرون بنشاط وجد فيما أمروا به من عذاب الناس.

اللهم أعذنا من عذابك.

[ ص: 435 ] يوم لا يخزي الله النبي [التحريم: 8]: العامل في "يوم" يحتمل أن يكون ما قبله أو ما بعده أو محذوفا، تقديره: اذكر، والوقف والابتداء يختلف على ذلك.

يسطرون [القلم: 1]: الضمير للملائكة على قول من قال: القلم هو الذي يكتب به في اللوح المحفوظ.

وعلى من قال: إنه القلم المعروف عند الناس يكون الضمير لبني آدم.

يبدلنا خيرا منها [القلم: 32]: الضمير لأهل الجنة التي رأوها كالصريم، وقصتهم معروفة.

فطلب المؤمنون منهم البدل في الدنيا أو في الآخرة.

وهكذا المؤمن يرجع إلى الله في نوائبه ولا يضجر بما يناله.

يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه [المعارج: 11].

يعود ضمير: بنيه فيها إلى الحميم؛ لأنها في معنى الجمع.

والمعنى أن كل حميم يبصر حميمه يوم القيامة، فيراه ولكنه لا يسأله؛ لأنه مشغول بنفسه، وأي شغل وهو يود حينئذ أن يفدي نفسه ببنيه الذين هم أحب إليه من نفسه، ولا يجد ذلك، ولذلك عطفه ب: ثم ينجيه [المعارج: 14] ، لبعد النجاة وامتناعها.

والفاعل الذي يقتضيه: لو يفتدي ، وهذا الفعل معطوف على لو يفتدي، ولذلك زجره عن ذلك بقوله: كلا [المعارج: 15].

يومهم الذي يوعدون [المعارج: 42]: قد قدمنا مرارا أنه يوم القيامة، بدليل أنه أبدل منه: يوم يخرجون من الأجداث [المعارج: 43] ، وهي القبور.

يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى [نوح: 4]: هذا من قول نوح، وعدهم أن يغفر لهم ما قبل إسلامهم لا بعده؛ لأن ذلك في مشيئة الله، فمن هنا للتبعيض، وقيل: لبيان الجنس، وقيل: لابتداء الغاية، وهذان ضعيفان، والأول أولى؛ لأن التبعيض فيها متجه.

وتعلق المعتزلة بهذا، فقالوا بالأجلين.

[ ص: 436 ] ورد تعلقهم؛ لأن المعنى أن نوحا عليه السلام لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل، ولا قال لهم إنكم تؤخرون عن أجل قد جاء، لكن سبق في الأزل أنهم إما ممن قضي له بالإيمان والتأخير أو ممن قضي له وعليه بالكفر والمعاجلة، فكان الاحتمال يقتضيه ظاهر الآية إنما هو يبرزه الغيب من حالهم؛ إذ يمكن أن يبرز إما الإيمان والتأخير وإما الكفر والمعاجلة، وأما ما عند الله فالحال الذي يكون منهم معلوم مقدر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم مقدر محتوم.

فإن قلت: ما المانع من كون " من " للغاية، أعني الابتداء والانتهاء.

كقولك: أخذت المال - من الصندوق؟

والجواب لا يصح هنا؛ لأن الصندوق غير مأخوذ، بل مأخوذ منه، فيلزم هنا أن تكون الذنوب غير مغفورة، ونقل عن أبي الربيع أنه إشارة إلى أن الإسلام يحبط ما قبله.

ورد بأنه يلزم صدق الذنوب على الماضي والمستقبل؛ لأن الخطاب للكفار، فيلزم المجاز؛ لأن الآتي لم يعملوه، فكيف يصدق عليه أنه ذنوب قبل الفعل.

ونقل عن ابن عصفور أنه قال: يغفر لكم جملة من ذنوبكم.

ورد بأن تلك الجملة بعض الذنوب، فلا حاجة إلى تقديرها، ولفظة "من" النائبة مناب بعض يغني عنها.

فتأمل يا محمدي هذه العناية الربانية بك حيث خاطب هذه الأمة، قال في حقهم: يغفر لكم ذنوبكم ، وحيث خاطب الأمم المتقدمة أنبياؤهم خاطبوهم بالبعض، لتعلم الفرق بين خطاب المولى الكريم من خطاب عبيده.

يقول سفيهنا على الله شططا [الجن: 4]: هذا من كلام الجن، والمراد بالسفيه أبوهم إبليس.

وقيل: هو اسم جنس لكل سفيه منهم، وهو المختار عند ابن عطية.

يعوذون برجال من الجن [الجن: 6]: الضمير يعود على العرب؛ لأنهم كانوا إذا حل أحدهم بواد صاح بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ [ ص: 437 ] بك من السفهاء الذين في طاعتك، ويعتقد أن ذلك الجني الذي بالوادي يحميه، وهذا جهل منهم وإنكار للربوبية، ولذلك قال الله: فزادوهم رهقا [الجن: 6].

يدعوه [الجن: 19]: الضمير لعبد الله المتقدم.

وقد قدمنا مرارا أن الله سماه هذا لإضافته للتشريف والتكريم.

وقال الزمخشري: إنما لم يقل الرسول أو النبي؛ لأن هذا وقع في كلام رسول الله عن نفسه؛ لأنه مما أوحي إليه، فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه على ما يقتضيه التواضع والتذلل، وهذا بعيد مع أنه إنما يتمكن على قراءة أنه لما قام بفتح الهمزة فيكون عطفا على أوحي إلي أنه استمع .

وأما على القراءة بالكسر على الاستئناف فيكون إخبارا من الله، ومن جملة كلام الجن، فيبطل ما قاله.

يكونون عليه لبدا [الجن: 19]: يحتمل أن يكون الضمير للكفار من الناس، أي: كادوا يجتمعون على الرد إليه وإبطال أمره، أو يكون للجن الذين استمعوا، أي: كادوا يجتمعون عليه لاستماع القرآن للتبرك به.

يجعل له ربي أمدا [الجن: 25].

أي: لا أدري أقريب ما توعدون من قتلكم يوم بدر أو موتكم بعد، ولذلك قال: عالم الغيب [الجن: 26] ، يعني هذا أمر مغيب.

يوم ترجف [المزمل: 14].

العامل في "يوم" معنى الكلام المتقدم، وهو: إن لدينا أنكالا [المزمل: 12].

يجعل الولدان شيبا [المزمل: 17].

يعني أن الأطفال يشيبون يوم القيامة من شدة الهول، فقيل: إن ذلك حقيقة، وقيل: إنه عبارة عن هول ذلك اليوم، وأخذ من الآية أن الهم يسرع الشيب، وهذا مشاهد في كثير من الأشخاص في كل عصر.

وقد رأينا من شاب من هم ساعة، ورأينا حكايات شتى أنهم شابوا من ذلك، فإذا كان هذا في الدنيا المنقرضة همومها، [ ص: 438 ] لا خيرها يدوم ولا شرها يبقى، فما بالك بيوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، ويفر المرء من أخيه! اللهم لا محيص من هوله إلا بك، ولا مفر منه إلا بعفوك، فاجعله لنا يوم رحمة لا يوم نقمة، إليك المشتكى، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.

يطمع أن أزيد [المدثر: 15].

أي: يطمع في الزيادة على ما أعطاه الله، ويظن أن حرصه واجتهاده يوصله لمراده، وهذا غاية الجهل، ولذلك قال مهددا له: كلا إنه كان لآياتنا عنيدا [المدثر: 16].

وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون [المدثر: 31]: المراد بالأولين المنافقون؛ لأنه وصفهم بمرض قلوبهم.

فإن قلت: ذلك في البقرة، وهذه الآية مكية، فكيف يصح إطلاقها عليهم وليسوا بها؟

والجواب: أن معناه: يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب، أو يريد من كان بمكة من أهل الشك.

ليفجر أمامه [القيامة: 5].

أي: يفعل أفعال الفجور.

وفي معنى "أمامه" ثلاثة أقوال: أحدها أنه عبارة عما يستقبل من الزمان، أي: يفجر بقية عمره.

الثاني: أنه عبارة عن اتباع أغراضه وشهواته، يقال: مشى فلان قدامه إذا لم يرجع عن شيء يريده، والضمير على هذين القولين يعود على الإنسان.

الثالث أن الضمير يعود على يوم القيامة.

والمعنى يريد الإنسان أن يفجر قبل يوم القيامة.

يسأل أيان يوم القيامة [القيامة: 6].

أي: يسأل الإنسان على وجه الاستخفاف والاستهزاء: متى يوم القيامة.

وهذا لجهله إما على أن من مات فقد قامت قيامته وهو يشاهد الموت بغتة، فكيف يستبعدها وليس الخبر كالمعاينة.

لكن الجاهل أعمى، ولا يقال لهذا جاهل بل أحمق.

[ ص: 439 ] ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [القيامة: 13].

أي: بجميع أعماله المقدمة في عمره، وما أخر منها بعد مماته، هل سن سنة حسنة أو سيئة أو صلة أوصى بها تضره أو تنفعه، أو ما قدم من المعاصي وأخر من الطاعات، أو ما قدم لنفسه من ماله وما أخره منه.

أو ما قدم في أول عمره وما أخر في آخره.

ويحتمل أنه ينبأ عن مجموعها.

وفي الحديث: "يدنو أحدكم من ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فيقول: عبدي خلقتك بتدبيري، وصورتك بحكمتي، وأتممت عليك نعمتي، فلم عصيتني؟".

فأي جواب لك أيها العبد، وفي حديث آخر: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن خمس: عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه، أتدرون من المفلس؟ قالوا: لا، يا رسول الله.

قال: المفلس من يأتي يوم القيامة وله أمثال الجبال من الحسنات، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، فهذا يأخذ من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرحت عليه سيئاتهم، ثم طرح في النار".


اللهم ارحمنا إذا صرنا إليك، والطف بنا يوم الوقوف بين يديك، أقسمت عليك بأكرم الخلق عليك وأرفعهم مكانة لديك محمد صلى الله عليه وسلم.

يومئذ المساق [القيامة: 30]: مصدر من السوق، كقوله تعالى: وإلى الله المصير .

يتمطى [القيامة: 33].

الضمير يعود على أبي جهل؛ وذلك أنه كان يبختر في مشيته ويتعجب من نسمته، ويرى أنه أفضل قومه، فرد الله عليه بقوله: ألم يك نطفة من مني يمنى [القيامة: 37] أي : من كانت هذه حاله كيف يتبختر، وكانت هذه المشية معروفة في بني مخزوم، وختم هذه الآية بقدرته تعالى على إحياء الموتى؛ لأن من لازم خلق الإنسان وتصويره على هذه الهيئة المشاهدة القدرة على إحياء الموتى من باب أولى.

يتيما : قد قدمنا أن اليتيم من فقد أباه من الآدميين، ومن الحيوان من فقد أمه، وسمى الله نبيه بقوله تعالى: ألم يجدك يتيما فآوى [الضحى: 6] [ ص: 440 ] إلى آخرها؛ وذلك أنه قال ليلة الإسراء: يا رب، اصطفيت آدم، وسلمت على نوح، ورفعت إدريس، وكلمت موسى، فقال له: ألم يجدك يتيما فآوى [الضحى: 6]... إلى آخر: ألم نشرح.

وهذا الاستفهام على ذكر المنة والتسلية بما أعطاه الله وفضله على سائر الرسل، هذا ما أعطاه الله في الدنيا والآخرة، وأعظمها قوله: ولسوف يعطيك ربك فترضى [الضحى: 5] ، ففي إبهام هذا العطاء ما لا يوصف.

يوما عبوسا [الإنسان: 10].

قد قدمنا أنه عبوس على الكافر؛ لأنه يعبس يومئذ حتى يسيل الدم من عينيه، مثل القطران، وأما المؤمن فيسر بما يلقى من الرحمة الخاصة به، جعلنا الله منهم.

يا ليتني كنت ترابا [النبإ: 40].

هذا من قول الكافر لما يرى من اقتصاص البهائم بعضها من بعض، ثم ترجع ترابا فيقوله ليسلم من العذاب كما سلمت الحيوانات، وأنى له ذلك! وقيل: المراد به إبليس؛ لأنه احتقر التراب في قوله: خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12] ، فيتمنى حينئذ أن يكون مثل آدم وأولاده لما رأى ما أنعم الله على المؤمنين منهم.

يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة [النازعات: 6، 7].

العامل في "يوم" محذوف، وهو الجواب المقدر، تقديره: لتبعثن يوم ترجف الراجفة.

وإن جعلنا: يوم ترجف الجواب فالعامل في يوم معنى قوله: قلوب يومئذ واجفة [النازعات: 8] ، أي: شديدة الاضطراب كما قدمنا في حرف الواو، ويكون تتبعها الرادفة في موضع الحال.

ويحتمل أن يكون العامل فيه: تتبعها ، وقد قدمنا أن هذين الاسمين من أسماء القيامة، فقيل: الراجفة النفخة الأولى في الصور، والرادفة الثانية؛ لأنها تتبعها.

وبينهما أربعون عاما.

وقد قدمنا في حرف الثاء أن الراجفة الأرض، والرادفة السماء؛ لأنها تنشق يومئذ.

وقيل: الراجفة الموت، والرادفة القيامة.

وقد قدمنا أن [ ص: 441 ] النفخ على ستة أوجه: لآدم، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29].

ولذي القرنين: قال انفخوا [الكهف: 96].

ولمريم: فنفخنا فيها من روحنا [الأنبياء: 91].

ولعيسى عليه السلام: فأنفخ فيه [آل عمران: 49].

وفي هاتين النفختين: أإنا لمردودون في الحافرة [النازعات: 10].

هذه حكاية قول الكفار في الدنيا، ومعناه على الجملة إنكار البعث، فالهمزة في قولهم: أئنا لمردودون للإنكار، ولذلك اتفق القراء على قراءته بهمزتين إلا أن منهم من سهل الثانية، ومنهم من حققها.

واختلفوا في: " أإذا كنا عظاما " [الإسراء: 49، 98] ، فمنهم من قرأه بهمزة واحدة؛ لأنه ليس موضع استفهام ولا إنكار، ومنهم من قرأه بهمزتين تأكيدا للإنكار المتقدم.

يقض ما أمره [عبس: 23]: مجزوم ب: لما ، ومعناه أنه لا يقضي الإنسان على تطاول عمره ما أمره الله؛ إذ لا بد للعبد من تفريط، وإذا كانت الأنبياء والرسل والملائكة المقربون يقولون يوم القيامة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فكيف يقضي العاصي لربه حقه، أو كيف تقضي العبودية حق الربوبية! يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين: 6]: الظرف منصوب بقوله: مبعوثون .

وقيل: بفعل مضمر، أو بدل من: " يوم عظيم " .

وقيام الناس يوم القيامة على حسب اختلافهم، فمنهم من يقوم خمسين ألف سنة وأقل من ذلك على حسب أعمالهم، ومنهم من يقوم من قبورهم إلى قصورهم، ومنهم على قدر صلاة مكتوبة.

يشهده المقربون [المطففين: 21]: يعني الملائكة لقربهم من الله.

يشرب بها [المطففين: 28].

يعني يشربها، فالباء زائدة.

ويحتمل أن تكون بمعنى يشرب منها، أو كقولك: شربت الماء بالعسل.

[ ص: 442 ] يحور [الانشقاق: 14].

أي: يرجع بلغة الحبشة، قاله ابن عباس.

يخرج من بين الصلب والترائب [الطارق: 7]: الضمير للماء.

وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون للإنسان، وهذا بعيد جدا.

يوم تبلى السرائر [الطارق: 9].

يعني تنكشف سرائر العبد التي كانت في قلبه من عقائد ونيات، وتالله لا يجد فيها في هذا الزمان إلا ضغائن وحقائد وخبث طويات.

وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن السرائر الإيمان والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة".

وهذه معظمها، ولذلك خصها بالذكر، والعامل في: يوم قوله: رجعه ، أي: يرجعه يوم تبلى السرائر .

واعترض بالفصل بينهما.

وأجيب بقوة المصدر في العمل.

وقيل: العامل " قادر " .

واعترض: بتخصيص القدرة بذلك اليوم، وهذا لا يلزم؛ لأن القدرة وإن كانت مطلقة فقد أخبر الله أن البعث إنما يقع في ذلك اليوم.

يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى [الفجر: 23].

يعني: كيف تنفعه حينئذ الذكرى، وقد انقطعت علائقه.

والإنسان جنس يشمل جميعه، وتذكره إنما هو بندمه على تفريطه، ويومئذ بدل من دكت ، ويتذكر هو العامل، وهو جواب دكت .

يقول يا ليتني قدمت لحياتي [الفجر: 24].

أي: قدمت عملا صالحا وقت حياتي، فاللام على هذا كقولك: كتبت لعشر من الشهر.

وقيل: الحياة في الآخرة.

والمعنى: يا ليتني قدمت عملا صالحا للآخرة.

وكيف ينفعه هذا القول وقد أخبر الله بعذابه ووثاقه؟! يا أيتها النفس المطمئنة [الفجر: 27].

قد قدمنا أن النفوس ثلاثة: لوامة، وأمارة، ومطمئنة، وهي المرادة هنا بالخطاب، لأنها الموقنة بحيث [ ص: 443 ] لا يتطرق إليها شك في الإيمان.

وقيل: المطمئنة التي لا تخاف حينئذ.

ويؤيد هذا قراءة أبي بن كعب: "يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة".

يقول أهلكت مالا لبدا [البلد: 6].

بضم اللام وكسرها.

بمعنى الكثرة.

والقائل لهذا عند قوم الوليد بن المغيرة؛ لأنه أنفق أموالا في إفساد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يتزكى [الليل: 18].

من أداء الزكاة، أو من الزكاء، أي: يصير زاكيا عند الله، أو يتطهر من ذنوبه.

وهذا الفعل بدل من يؤتي ماله [الليل: 18] ، أو حال من الضمير.

والمراد به أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولو لم يكن له من الفضيلة إلا نزول هذه السورة فيه لكان فيها كفاية، فكيف وقد شبهه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بآصف لما أتي ببركة من مكة إلى المدينة.

وسمي صديقا لأنه صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حين كذبه الناس، وعتيقا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنت عتيق من النار".

ولما نزلت: ولسوف يرضى [الليل: 21] ، قال: يا رسول الله، لا يرضيني أن أحدا من أمتك يدخل النار.

فتبسم -صلى الله عليه وسلم- وقال: إن الله يقول لك: إن شئت وقفت في يوم القيامة تشفع فيمن أحببت وإن شئت مضيت.


وقد ألفت تأليفا سميته الوثيق في نصرة الصديق.

وبالجملة فالصحابة كلهم عدول لا يجحد عدالتهم إلا منافق مبتدع، وكيف لا والله يقول: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] ، فرضي الله عنهم وعمن رضي عنهم وأحبهم.

يعطيك ربك فترضى [الضحى: 5]: الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم.

ولما نزلت قال: لا أرضى أن يبقى أحد من أمتي في النار.

فقال الله له: لا بد من نفاذ الوعيد على طائفة.

فطلب فيهم الشفاعة.

والصحيح أن هذا وعد يعم كل ما أعطاه الله في الدنيا من النصر، والفتوح، وكثرة المسلمين، وغير ذلك، وفي الآخرة من الوسيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود الذي لا يناله أحد.

[ ص: 444 ] فإن قلت: ما فائدة الامتنان عليه باليتم؟

والجواب: لئلا يكون عليه حق لمخلوق، ولما مات أبوه تركه في بطن مولاتنا آمنة، ثم ماتت وهو ابن خمسة أعوام، وقيل: ثمانية، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات وتركه ابن اثنتي عشرة سنة، فكفله عمه أبو طالب، ورام المعاندون قتله وخموده فلم يقدروا عليه لحفظ الله له صبيا وكهلا، فلهذا عدد نعمه عليه سبحانه كما قدمنا.

يتلو صحفا مطهرة [البينة: 2].

الضمير لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك أنه يتلو القرآن في صحف مطهرة.

وقد قدمنا معناها.

يومئذ تحدث أخبارها [الزلزلة: 4].

هذه عبارة عما يحدث الله فيها من الأهوال، فهو مجاز وحديث بلسان الحال.

وقيل: هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظهرها، فهو حقيقة.

وتحدث يتعدى إلى مفعولين، حذف الأول منها.

والتقدير: تحدث الخلق أخبارها.

وانتزع بعض المحدثين من قوله: تحدث أخبارها أن قول المحدث: حدثنا وأخبرنا سواء.

وهذه الجملة في جواب: إذا زلزلت الأرض ، و: تحدث هو العامل في إذا، و: " يومئذ " بدل من " إذا " .

ويجوز أن يكون العامل في: " إذا " مضمرا، و: تحدث عامل في: يومئذ .

يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم [الزلزلة: 6].

أي: مختلفين في أحوالهم، وصدر الناس هو انصرافهم من موضع وردهم.

فقيل: الورد هو الدفن في القبور والصدر هو القيام للبعث.

وقيل: الورد القيام للمحشر، والصدر الانصراف إلى الجنة أو النار، وهذا أظهر.

وفيه يعظم التفاوت بين أحوال الناس، فيظهر كونهم أشتاتا.

يوم يكون الناس [القارعة: 4]: العامل في الظرف محذوف دل عليه القارعة.

تقديره: في يوم.

يحسب أن ماله أخلده [الهمزة: 3].

أي: يظن بفرط جهله واغتراره أن ماله يخلده في الدنيا.

وقيل: يظن أن ماله يوصله إلى دار الخلد.

[ ص: 445 ] واختلف على من يعود الضمير من الكفار على أقوال.

يدع اليتيم [الماعون: 2].

أي: يدفعه بعنف، وهذا يحتمل أن يكون عن إطعامه والإحسان إليه، وعن ماله وحقوقه، وهذا أشد.

يحض على طعام المسكين [الماعون: 3]: هذه الجملة في جواب: أرأيت [الماعون: 1]؛ لأن معناها أخبرني، فكأنه سؤال وجواب.

والمعنى: انظر الذي يكذب بالدين تجد فيه هذه الأخلاق القبيحة والأعمال السيئة، وإنما ذلك لأن الدين يحمل صاحبه على الحسنات، وترك السيئات.

فمقصود الكلام ذم الفاعل لذلك.

قال الجنيد: عرضت نفسي ليلة على هذه السورة، فلم أجد فيها ذلك، ثم عرضت عليها: قد أفلح المؤمنون إلى قوله: أولئك هم الوارثون ، فقلت: سبحانك لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، فسمعت هاتفا يقول: من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم .

هذا الجنيد فكيف حالك يا خويد؟!!

يراءون [الماعون: 6] الناس، فكانت صلاتهم للناس لا لله، فلذلك ذمهم الله في الدنيا وعذبهم في الآخرة، وفي هذا تحذير لمن اتصف بصفتهم، فالأحمق من يعمل لرضا الناس، وهو لا يدرك، وأجهل الناس من طلب ما لا يدرك، وعن قريب يظهر له فعله.

وهذا يختلف باختلاف المقاصد؛ لأن من عمل لإظهار الله جميله وستره قبيحه، أو لأنه يفعل به ذلك في الآخرة، أو لقدوتهم به أذله مثل أجورهم، أو فرح بثنائهم لحبهم الطاعة والمطيع وسلامتهم من أضدادها، أو ليعرف حب ربه تعالى إذا أحبه حببه إلى عباده، أو لئلا يشغله ذمهم ونحوه فحسن.

ويمنعون الماعون [الماعون: 7]: قد قدمنا في حرف الميم أن هذا وصف لهم بالبخل وقلة المنفعة للناس، ومن لا ينفع الناس لا ينفعه الله، وأنفع الناس عند الله أنفعهم للناس إلا إن أوجب الله طردهم وبعدهم وهجرانهم، [ ص: 446 ] فالبغض في الله أوجب، ولذلك اختلف الفقهاء في التصدق على تارك الصلاة، قال بعضهم: الحمد لله الذي قال: عن صلاتهم ، ولم يقل: في صلاتهم.

يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون [الكافرون: 1، 2].

سبب نزول هذه السورة أن قوما من قريش منهم الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، وأبو جهل ونظراؤهم - قالوا: يا محمد، اتبع ديننا ونتبع دينك، اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة.

فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئا.


ونزلت السورة في معنى البراءة من آلهتهم، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: من قرأها فقد برئ من الشرك.

وفي هذا المعنى الذي عرضت عليه قريش نزل قوله: أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون [الزمر: 64] ، ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نزلت السورة بسببها.

فإن قلت: لم كرر قوله تعالى: ولا أنا عابد ما عبدتم [الكافرون: 4]؟

فالجواب: في تكرار هذه الآيات أقوال جمة ومعان كثيرة، وتلخيصها أن الله تعالى نفى عن نبيه عبادة الأصنام في الماضي والحال والاستقبال، ونفى عن الكفار المذكورين عبادة الله في الأزمنة الثلاثة أيضا، فاقتضى القياس تكرار هذه اللفظة ست مرات، فذكر لفظ الحال؛ لأن الحال هو الزمان الموجود، واسم الفاعل واقع موقع الحال وهو صالح للأزمنة الثلاثة، واقتصر من الماضي على المسند إليهم، فقال: ولا أنا عابد ما عبدتم ، وكان اسم الفاعل بمعنى الماضي فعمل على مذهب الكوفيين.

واقتصر من المستقبل على المسند إليه، فقال: ولا أنتم عابدون ما أعبد ، وكان اسم الفاعلين بمعنى المستقبل.

يشعركم [الأنعام: 109]؛ أي: يدريكم، وهو من الشعور بالشيء.

يلحدون في أسمائه [الأعراف: 180].

أي: يجورون في أسمائه ويشتقون اللات من الإله، والعزى من العزيز، وقيل: تسميته بما لا يليق به، ولما قال أبو جهل ما قال نزلت الآية.

[ ص: 447 ] " يوم حنين " [التوبة: 25]: عطف على: مواطن [التوبة: 25] ، أو منصوب بفعل مضمر.

وهذا أحسن لوجهين: أحدهما أن قوله: إذ أعجبتكم كثرتكم [التوبة: 25]: مختص بحنين، ولا يصح في غيره من المواطن، فيضعف عطف أحدهما على الآخر، إلا إن أريد بالمواطن الأوقات.

وحنين اسم علم لموضع عرف باسم رجل اسمه حنين، وانصرف لأنه مذكر، وهي قرية قرب الطائف.

يحادد الله ورسوله [التوبة: 63].

أي: يخالفهما ويعاديهما.

وقيل: اشتقاقه من الحد، كقولك: يكون الله ورسوله في حد، وهو في حد.

يغاث الناس [يوسف: 49]: يحتمل أن يكون من الغيث، أي: يمطرون، أو من الغوث، أي: يفرج الله عنهم.

يحاوره [الكهف: 34].

أي: يراجعه في الكلام.

يقلب كفيه [الكهف: 42]: يصفق بالواحدة على الأخرى كما يفعل المتندم المتأسف على ما فاته.

يغادر [الكهف: 49].

يخلف ويترك.

يضيفوهما [الكهف: 77].

ينزلوها منزلة الأضياف في إطعامهما والإحسان إليهما.

يعقب [النمل: 10]: يرجع على عقبه إلى خلف.

وقيل: يلتفت.

يوزعون [النمل: 17]: يكفون ويحبسون.

وجاء في التفسير يحبس أولهم على آخرهم حتى يدخلوا النار.

ومنه قول الحسن رضي الله عنه لما تولى القضاء وكثر الناس عليه: لا بد للناس من وزيعة، أي: من شرطة يكفون الناس عند القاضي.

يؤتون ما آتوا [المؤمنون: 60] .

من الزكاة والصدقة.

وقيل: إنه عام في جميع أعمال البر، أي: يفعلون وهم يخافون ألا تقبل منهم.

[ ص: 448 ] وقد روت عائشة هذا المعنى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أنها قرأت: "يأتون ما أتوا" بالقصر، فيحتمل أن يكون الحديث تفسيرا لهذه القراءة، وقيل: إنه عام في الحسنات والسيئات، أي: يفعلونها وهم خائفون من الرجوع إلى الله.

فإن قلت: ما فائدة حذف الضمير في هذه الآية المثبت في الآيتين قبلها؟ فالجواب: أنه أكد في الأوليين بالضمير، وفي هذه بقوله: وقلوبهم وجلة ، أي: خائفة.

يكور الليل على النهار [الزمر: 5].

أي: يلف هذا على هذا، ككور العمامة، وهو هنا استعارة على ما قال ابن عطية يعيد من هذا على هذا، فكأن الذي يطول من النهار أو الليل يصير منه جزء على الآخر فيستره، وكأن الذي يقصر يدخل في الذي يطول فيستتر فيه.

ويحتمل أن يكون المعنى: أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه.

فشبه في ستره له بثوب يلف على آخر.

يوبقهن بما كسبوا [الشورى: 34].

ضمير التأنيث يعود على السفن، يعني يهلكها بما يكسب أهلها.

وهذا عطف على يسكن الريح [الشورى: 33] ، ومعناه لو شاء الله أغرق السفن من شدة الرياح العاصفة، أو يسكنها فيظللن رواكد على ظهره لا يتحركن بالجري.

ليزلقونك بأبصارهم [القلم: 51].

أي: يزيلونك بعيونهم؛ لأنهم غاروا من فصاحته، فقال له قائل منهم: ما أفصحك! وقصد أخذه بالعين؛ لأنه أعياهم أمره، فلم يبق لهم من الحيل إلا هذا، فأنزل الله عليه هذه الآية، وحفظه منهم، فلذلك لا تجد أنفع رقية منها لمن أصابه العين، وقرئت: ليزلقونك بضم الياء، أي: يستأصلونك من قولهم: أزلق رأسه إذا حلقه.

يوفضون [المعارج: 43]: يسرعون الخروج من القبور إلى المحشر، كما يسرعون المشي إلى أصنامهم في الدنيا، لكنه خلاف إسراعهم إليها؛ لأن [ ص: 449 ] الدنيا دار مهلة وتنعم، وهناك كما وصف الله حالهم: خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة [القلم: 43].

ووجوههم مغبرة ترهقها قترة.

يوعون [الانشقاق: 23].

أي: يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب، أو هو سبحانه عالم بما يجمعون في صحائفهم من الأعمال.

يقال: أوعيت المال وغيره إذا جمعته.

ولنختم معاني هذه الحروف بذكر دخول من أورثه الله هذا الكتاب العظيم من الظالم والمقتصد والسابق، وأن الله وعدهم بجنة عدن يدخلونها، والضمير راجع إلى الثلاثة، قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون [فاطر: 32، 33].

قالت عائشة رضي الله عنها: لو علموا ما تحت واو الجماعة لماتوا فرحا.

وقال صلى الله عليه وسلم: "سابقنا سابق، ومقتصدنا لاحق، وظالمنا مغفور له".

فإن قلت: ما فائدة تقديم الظالم، وهلا جاءت الآية مثل الحديث؟ فالجواب: عادة المخلوق يقدم الأفضل، فخاطبهم الله على عوائدهم، ألا ترى قوله: زر غبا تزدد حبا.

وقال الله: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99].

ويقولون: لا تعير فتبلى.

وقول الله: فاعترفوا بذنبهم [الملك: 11]: ويقولون: أحسن إلى من أحسن إليك.

ولما كان السابق قريبا، والظالم بعيدا، والقريب يحتمل ما لا يحتمل البعيد.

والظالم منكس الرأس من حياء جرمه ومعصيته، فلما نكس رأسه رفعه الله كما أن الجودي وطور زيتا لما لم يرفعا رؤوسهما أكرمهما الله كما قدمنا، والظالم ضعيف، والسابق قوي، والعادة في القافلة تقديم الضعيف والرجالة، ألا تراه -صلى الله عليه وسلم- كان يقدم الضعفة إلى منى قبل الفجر، فقدم الظالم لئلا يفتضح ولا يعاب، وأيضا الظالم غير مدع والسابق مدع، ولو قدم السابق وأخر الظالم لبان منه [ ص: 450 ] العدل، والظالم رفع قصته إلى الله فوقع له توقع الرحمة في قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر: 53] ، وللمقتصد توقع التوبة في قوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم [التوبة: 102].

وللسابق توقع الرضوان، قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [التوبة: 100].

فالمقامات على ثلاثة أسماء: الله، الرحمن، الرحيم، فانظر كيف اصطفاهم كما قال في إبراهيم: ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين [البقرة: 130].

فإن قلت: ما الفرق بين الاصطفاء والإفضال، ولم لم يقل: فضلنا؟

والجواب: أن الاصطفاء كلي بجميع الأشياء، والإفضال بعض لبعض دون بعض، والاصطفاء أخروي، الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس [الحج: 75].

والإفضال دنيوي، والله فضل بعضكم على بعض في الرزق [النحل: 71] ، والإفضال عام، وأني فضلتكم على العالمين [البقرة: 47، 122] ، أي: على عالمي زمانهم، والاصطفاء خاص، والخاص مقدم على العام.

فإن قلت: ما الحكمة في أن الله أعطى القرآن بلفظ الميراث؟

والجواب: لأنه ليس شيء أطيب وألذ وأجل من الميراث، فذكره بلفظ الميراث أحلى وأطيب وأشهى.

وأيضا الميراث لا ينزع من يد الوارث بخلاف العطايا والهبات، فذكره بلفظ الميراث ليعلم أنه لا يريد أن ينزعه عنك.

وأيضا الميراث يعم الأولاد عصاة أو مطيعين، كذلك القرآن.

وإذا أكرم الله المؤمن على الجملة باثنتي عشرة كرامة فكيف بمن اصطفاه بهذا القرآن، قال تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82].

وإن الله لهاد الذين آمنوا ، يثبت الله الذين آمنوا .

وبشر الذين آمنوا ، وبشر المؤمنين .

يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها .

يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا .

[ ص: 451 ] وكذلك ننجي المؤمنين .

ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين .

وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات .

للذين أحسنوا الحسنى وزيادة .

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم [الأحزاب: 70، 71].

فإن قلت: قد ذكرت لنا فضيلة الثلاثة فميز لنا من هم؟

والجواب: قد قدمنا من هم، وكثرت أقاويل الناس فيهم حتى أنهاه بعضهم إلى عشرين قولا، وتلخيصهم أن السابق الذي يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، والمقتصد الذي يدخلها بفضل الله.

والظالم الذي يدخلها بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: السابق المحافظ على الجماعة.

والمقتصد المحافظ للوقت، والظالم الغافل عنهما جميعا.

وقيل: الظالم الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا.

والمقتصد الذي لم يخلط.

والسابق الذي لم تقع منه هفوة.

وقيل: الظالم أهل الكبائر.

والمقتصد أهل الصغائر.

والسابق المجتنب لها جميعا.

فإن قلت: لم وقعت الإشارة ذلك هو الفضل الكبير [فاطر: 32]؟ فالجواب أنه قد كثرت الأقاويل أيضا في ذلك، فقيل: إشارة إلى الإرث والاصطفاء أو الظالم، أو إلى إذنه، أو إلى دخول الجنة أو إلى الله، أي: ذلك الذي فعل هذا هو الفضل الكبير.

اللهم بلغنا هذا الفضل، ولا تعاملنا بالعدل، وقد ابتدأنا بالفضل، وفعلك مبني على الابتداء كما بدأكم تعودون .

"يا": حرف لنداء البعيد حقيقة أو حكما، وهي أكثر حروفه استعمالا.

ولهذا لا يقدر عند الحذف سواها نحو: رب اغفر لي .

يوسف أعرض عن هذا .

[ ص: 452 ] ولا ينادي اسم الله، وأيتها، إلا بها.

قال الزمخشري: وتفيد التأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي تتلوه معتنى به جدا.

وترد للتنبيه، فتدخل على الفعل والحرف، نحو: ألا يسجدوا [النمل: 25].

يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي [يس: 26، 27].

وقد ختمت الكلام على هذه الحروف ومعاني أدواتها على وجه موجز مفيد محصل للمقصود منه، يكظم غيظ حبيب النجار، وحطه عن قومه، والترأف بهم في حياته بالتشمر في هوايتهم والتلطف معهم في دعائهم إلى الإيمان، وبعد موته بعدم الدعاء لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام، بل تمنى لهم علمهم بأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا وسعادة، راجيا من الله أن يعاملني بما عامل به قومه مع كفرهم وطغيانهم، وهو عبد مثلهم، فكيف بأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

فأسألك اللهم أن تحنن علي قلوبا تفكرت في هذه الفوائد التي جعلت لهم قلوبا يفقهون بها، وأعينا يبصرون بها، فيتذكروني إذا وصلوا إلى حضرتك بذكري عندك، لأنك عالم أني لست بأهل أن أكون دليلا إليك، لكني أدل المنقطعين عليك، فاهد الدليل، ولا ترد المدلول، ولا حول ولا قوة إلا بك.

فصل في أقوال كلية محتوية على ألفاظ قرآنية

قال ابن فارس في كتاب الأفراد: كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه الحزن إلا: فلما آسفونا [الزخرف: 55] ، فمعناه أغضبونا.

وكل ما فيه من ذكر (البروج) فهي الكواكب إلا: ولو كنتم في بروج مشيدة [النساء: 78] ، فهي القصور الطوال الحصينة.

وكل ما فيه من ذكر البر والبحر فالمراد بالبحر الماء، وبالبر التراب اليابس، [ ص: 453 ] إلا قوله: ظهر الفساد في البر والبحر [الروم: 41] ، فالمراد به البرية والعمران.

وكل ما فيه من بخس فهو النقص إلا: بثمن بخس [يوسف: 20] ، أي: حرام.

وكل ما فيه من "البعل"، فهو الزوج إلا: أتدعون بعلا [الصافات: 125] ، فهو الصنم.

وكل ما فيه من البكم فالخرس عن الكلام بالإيمان إلا: عميا وبكما وصما [الإسراء: 97] في الإسراء.

و أحدهما أبكم [النحل: 76] في النحل، فالمراد عدم القدرة على الكلام مطلقا.

وكل ما فيه " جثيا " فمعناه جميعا، إلا: وترى كل أمة جاثية [الجاثية: 28].

فمعناه تجثو على ركبها.

وكل ما فيه من "حسبان" فمن العدد، إلا: حسبانا من السماء [الكهف: 40] في الكهف، فهو العذاب.

وكل ما فيه من "حسرة" فالندامة إلا: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم [آل عمران: 156] ، فمعناه الحزن.

وكل ما فيه من "الدحض" فالباطل، إلا: فكان من المدحضين [الصافات: 141] ، فمعناه من المغلوبين.

وكل ما فيه من رجز فالعذاب، إلا: والرجز فاهجر [المدثر: 5] ، فالمراد به الصنم.

وكل ما فيه من "ريب" فالشك، إلا: ريب المنون [الطور: 30] ، يعني حوادث الدهر.

[ ص: 454 ] وكل ما فيه من "الرجم" فالقتل، إلا: لرجمناك [هود: 91]: لشتمناك، و: رجما بالغيب [الكهف: 22] ، أي: ظنا.

وكل ما فيه من "الزور" فالكذب مع الشرك، إلا: منكرا من القول وزورا [المجادلة: 2] ، فإنه كذب غير شرك.

وكل ما فيه من "زكاة" فالمال، إلا وحنانا من لدنا وزكاة [مريم: 13] ، أي: طهرة.

وكل ما فيه من "الزيغ" فالميل، إلا: وإذ زاغت الأبصار [الأحزاب: 10] ، أي: شخصت.

وكل ما فيه من سخر فالاستهزاء، إلا: سخريا [الزخرف: 32] ، في الزخرف فهو من التسخير والاستخدام.

وكل "سكينة" [البقرة: 248] فيه طمأنينة، إلا التي في قصة طالوت فهو شيء كرأس الهرة له جناحان.

وكل سعير فيه فهو النار والوقود، إلا في ضلال وسعر [القمر: 47] ، فهو العناء! .

وكل "شيطان" فيه فإبليس، أي الشيطان وجنوده، إلا: وإذا خلوا إلى شياطينهم [البقرة: 14].

وكل شهيد فيه غير القتلى فمن يشهد في أمور الناس، إلا: وادعوا شهداءكم [البقرة: 23] ، فهو: شركاءهم.

وكل ما فيه من: "أصحاب النار" فأهلها، إلا: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة [المدثر: 31] ، فالمراد خزنتها.

وكل صلاة فيه عبادة ورحمة إلا: وصلوات ومساجد [الحج: 40] ، فهي الأماكن.

[ ص: 455 ] وكل "صمم" فيه ففي سماع الإيمان والقرآن خاصة، إلا الذي في الإسراء [97].

وكل عذاب فيه فالتعذيب إلا: وليشهد عذابهما [النور: 2] ، فهو الضرب.

وكل قنوت فيه طاعة، إلا: " كل له قانتون " [البقرة: 116، الروم 26] ، فمعناه مقرون.

وكل "كنز" فيه مال إلا الذي في سورة الكهف [82] ، فهو صحيفة علم.

وكل "مصباح" فيه كوكب إلا الذي في النور [35] ، فالسراج.

وكل نكاح فيه تزوج إلا: حتى إذا بلغوا النكاح [النساء: 6] ، فهو الحلم.

وكل نبأ فيه خبر، إلا: فعميت عليهم الأنباء [القصص: 66] ، فهي الحجج.

وكل "ورد" فيه دخول إلا: ولما ورد ماء مدين [القصص: 23].

يعني هجم عليه ولم يدخله.

وكل ما فيه من: " لا يكلف الله نفسا " فالمراد منه العمل، إلا التي في الطلاق [7] ، فالمراد منه النفقة.

وكل إياس فيه قنوط إلا الذي في الرعد [31] ، فمن العلم.

وكل "صبر" فيه محمود، إلا: لولا أن صبرنا عليها [الفرقان: 42].

واصبروا على آلهتكم [ص: 6].

هذا آخر ما ذكره ابن فارس.

وقال السجستاني: ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا قولهم يسار ويسار - بالفتح والكسر: اليد.

والله أعلم.

[ ص: 456 ] وقال بعضهم: كل صوم فيه فمن العبادة، إلا: نذرت للرحمن صوما [مريم: 26] ، أي: صمتا.

وكل ما فيه من "الظلمات والنور" فالمراد الكفر والإيمان إلا التي في أول الأنعام فالمراد ظلمة الليل ونور النهار.

وكل "إنفاق" فيه فهو الصدقة إلا: فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا [الممتحنة: 11] ، فالمراد به المهر.

وقال الداني: كل ما فيه من "الحضور" فهو بالضاد من المشاهدة إلا موضعا واحدا فإنه بالظاء من الاحتظار، وهو قوله: كهشيم المحتظر [القمر: 31].

وقال ابن خالويه: ليس في القرآن "بعد" بمعنى قبل إلا حرفا واحدا: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر [الأنبياء: 105].

وقال غيره: قد وجدنا حرفا آخر، وهو قوله: والأرض بعد ذلك دحاها [النازعات: 30].

قال أبو موسى في كتاب المغيث: معناه هنا: "قبل"؛ لأنه تعالى خلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء، فعلى هذا خلق الأرض قبل خلق السماء.

قلت: قد تعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعون لشيء من هذا النوع، فأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة".

هذا إسناد جيد، وابن حبان يصححه.

وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن "أليم" فهو الموجع.

وأخرج من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن "قتل" فهو لعن.

[ ص: 457 ] وأخرج من طريق الضحاك، عن ابن عباس، كل شيء في كتاب الله من "الرجز"، يعني به العذاب.

وقال الفريابي: حدثنا قبس عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كل تسبيح في القرآن صلاة، وكل سلطان في القرآن حجة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن "الدين" فالحساب.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء من طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: كل ريب شك إلا مكانا واحدا في الطور: ريب المنون [الطور: 30] ، يعني حوادث الأمور.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب، قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شيء فيه من الريح فهو عذاب.

وأخرج عن الضحاك قال: كل "كأس" في القرآن إنما عني به الخمر.

وأخرج عنه، قال: كل شيء في القرآن "فاطر" فهو خالق.

وأخرج عن سعيد بن جبير، قال: كل شيء في القرآن: "إفك" فهو كذب.

وأخرج عن أبي العالية، قال: كل آية في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإسلام، والنهي عن المنكر فهو عبادة الأوثان.

وأخرج عن أبي العالية أيضا، قال: كل آية في القرآن يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنى، إلا قوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم [النور: 30] ، فالمراد ألا يراها أحد.

وأخرج عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن: إن الإنسان كفور إنما يعني به الكفار.

[ ص: 458 ] وأخرج عن عمر بن عبد العزيز، قال: كل شيء في القرآن "خلود" فإنه لا أوبة له.

وأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: كل شيء في القرآن "يقدر" فمعناه يقل.

وأخرج عنه، قال: "التزكي" في القرآن كله الإسلام.

وأخرج عن أبي مالك، قال: "وراء" في القرآن كله أمام، غير حرفين: فمن ابتغى وراء ذلك [المؤمنون: 7] ، يعني سوى ذلك.

وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] ، يعني سوى ذلكم.

وأخرج عن أبي بكر بن عياش، قال: ما كان "كسفا" فهو عذاب، وما كان "كسفا" فهو قطع السحاب.

وأخرج عن مجاهد، قال: "المباشرة" في كل كتاب الله الجماع.

وأخرج عن ابن زيد، قال: كل ما في القرآن "فاسق" فهو كاذب، إلا قليلا.

وأخرج ابن المنذر عن السدي، قال: ما كان في القرآن حنيفا مسلما .

وما كان في القرآن "حنفاء مسلمين": حجاجا.

وأخرج عن سعيد بن جبير، قال: "العفو" في القرآن على ثلاثة أنحاء، نحو تجاوز عن الذنب، ونحو في القصد في النفقة: ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [البقرة: 219].

ونحو في الإحسان فيما بين الناس: إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح [البقرة: 237].

وفي صحيح البخاري، قال سفيان بن عيينة: ما سمى الله المطر في القرآن إلا عذابا، وتسميه العرب الغيث.

قلت: استثني من ذلك: إن كان بكم أذى من مطر [النساء: 102] ، [ ص: 459 ] فإن المراد به الغيث مطلقا.

وقال أبو عبيدة، إذا كان من العذاب فهو أمطرت، وإذا كان من الرحمة فهو مطرت.

وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال: قال لي ابن عباس: احفظ عني: كل شيء في القرآن: وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير [التوبة: 74] ، فهو للمشركين.

فأما المؤمنون فما أكثر أنصارهم وشفعاءهم.

وأخرج سعيد بن منصور، عن مجاهد قال: كل طعام في القرآن فهو نصف صاع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه، قال: كل شيء في القرآن "قليل"، و: "إلا قليل" فهو دون العشرة.

وأخرج عن مسروق، قال: ما كان في القرآن: على صلاتهم يحافظون .

حافظوا على الصلوات فهو على مواقيتها.

وأخرج عن سفيان بن عيينة، قال: كل شيء في القرآن: " وما يدريك " فلم يخبر به.

وما أدراك فقد أخبر به.

وأخرج عنه، قال: كل "مكر" في القرآن فهو عمل.

وأخرج عن مجاهد، قال: ما كان في القرآن قتل ولعن، فإنما عني به الكافر.

وقال الراغب في مفرداته: قيل: كل شيء ذكره الله في كتابه " وما أدراك " فسره.

وكل شيء ذكره بقوله: وما يدريك تركه.

وقد ذكر: وما أدراك ما سجين [المطففين: 8].

وما أدراك ما عليون [المطففين: 19] ، ثم فسر الكتاب لا السجين، ولا العليون.

وفي ذلك نكتة لطيفة.

قال بعضهم: ليس في القرآن على كثرة منصوباته مفعول معه.

[ ص: 460 ] والصواب أن فيه عدة مواضع أعرب كل منها مفعولا معه: أحدها: فأجمعوا أمركم وشركاءكم [يونس: 71] ، أي: أجمعوا أنتم مع شركائكم أمركم.

الثاني: قوا أنفسكم وأهليكم نارا [التحريم: 6].

قال الكرماني في غرائب التفسير: هو مفعول معه؛ أي: مع أهليكم.

الثالث: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين [البينة: 1].

قال الكرماني: يحتمل أن يكون قوله: "والمشركين" مفعولا معه من الذين.

أو من الواو في كفروا.

فائدة فيما قرئ بثلاثة أوجه: الإعراب أو البناء أو نحو ذلك.

وقد رأيت تأليفا لطيفا لأحمد بن يوسف بن مالك الرعيني، سماه تحفة الأقران فيما قرئ بالثلاثة من حروف القرآن: الحمد لله [الفاتحة: 2]: قرئ بالرفع على الابتداء، والنصب على المصدر، والكسر على إتباع الدال للام في حركتها.

رب العالمين [الفاتحة: 2]: قرئ بالجر على أنه نعت، وبالرفع على القطع بإضمار مبتدأ، وبالنصب عليه بإضمار فعل، أو على النداء.

الرحمن الرحيم [الفاتحة: 1]: قرئ بالثلاثة.

اثنتا عشرة عينا [البقرة: 60]: قرئ بسكون الشين، وهي لغة الحجاز، وكسرها، وهي لغة تميم، وفتحها وهي لغة هوازن.

بين المرء [البقرة: 102]: قرئ بتثليث الميم، لغات فيه.

فبهت الذي كفر [البقرة: 258]: قراءة الجماعة بالبناء للمفعول.

وقرئ بالبناء للفاعل بوزن: ضرب، وحسن، وعلم.

[ ص: 461 ] ذرية بعضها من بعض [آل عمران: 34]: قرئ بتثليث الذال.

واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام [النساء: 1]: قرئ بالنصب عطفا على لفظ الجلالة، وبالخفض عطفا على ضمير به، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: والأرحام مما يجب أن تتقوه، وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه.

لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر [النساء: 95]: قرئ بالرفع صفة لل: "قاعدون"، وبالجر صفة للمؤمنين، وبالنصب على الاستثناء.

وامسحوا برءوسكم وأرجلكم [المائدة: 6]: قرئ بالنصب عطفا على الأيدي، وبالجر على الجوار أو غيره، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف دل عليه ما قبله.

فجزاء مثل ما قتل من النعم [المائدة: 95]: قرئ بجر " مثل " بإضافة "جزاء" إليه، وبرفعه وتنوين " مثل " صفة له، وبنصبه مفعول لجزاء.

والله ربنا [الأنعام: 23]: قرئ بجر " ربنا " نعتا أو بدلا، وبنصبه على النداء، أو بإضمار أمدح، وبرفعه ورفع لفظ الجلالة مبتدأ وخبر.

ويذرك وآلهتك [الأعراف: 127]: قرئ برفع "يذرك"، ونصبه، وجزمه للخفة.

فأجمعوا أمركم وشركاءكم [يونس: 71]: قرئ بنصب " شركاءكم " مفعولا معه، أو معطوفا، أو بتقدير: وادعوا، وبرفعه عطفا على ضمير فأجمعوا ، أو مبتدأ خبره محذوف، وبجره عطفا على "كم" في: أمركم .

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها [يوسف: 105]: قرئ بجر " الأرض " عطفا على ما قبله، وبنصبها من باب الاشتغال.

وبرفعها على الابتداء، والخبر ما بعدها.

[ ص: 462 ] موعدك بملكنا [طه: 87]: قرئ بتثليث الميم.

وحرام على قرية أهلكناها [الأنبياء: 95]: قرئ بلفظ الماضي بفتح الراء وكسرها، وبلفظ الوصف بكسر الراء وسكونها مع فتح الحاء، وبسكونها مع كسر الحاء، وحرام بالفتح وألف، هذه سبع قراءات.

كوكب دري [النور: 35]: قرئ بتثليث الدال.

يس : القراءة المشهورة بسكون النون.

وقرئ شاذا بالفتح للتخفيف، والكسر لالتقاء الساكنين، وبالضم على النداء.

ولات حين مناص [ص: 3]: قرئ بنصب حين ورفعه وجره.

سواء للسائلين [فصلت: 10]: قرئ بالنصب على الحال، وشاذا بالرفع، أي: هو، وبالجر حملا على الأيام.

وقيله يا رب [الزخرف: 88]: قرئ بالنصب على المصدر، وبالجر، تقدم توجيهه، وشاذا بالرفع عطفا على علم الساعة [الزخرف: 85].

"ق" : القراءة بالسكون.

وقرئ شاذا بالفتح والكسر لما مر.

الحبك [الذاريات: 7]: فيه سبع قراءات: ضم الحاء والباء، وكسرهما، وفتحهما، وضم الحاء وسكون الباء وضمها، وفتح الباء وكسرها، وسكون الباء وكسرها، وضم الباء.

والحب ذو العصف والريحان [الرحمن: 12]: قرئ برفع الثلاثة ونصبها وجرها.

وحور عين كأمثال اللؤلؤ : [الواقعة: 22، 23] قرئ برفعهما وجرهما، وبنصبهما بفعل مضمر، أي: يزوجون.

[ ص: 463 ] فصل في قواعد مهمة يحتاج المفسر إلى معرفتها

أولها: قاعدة في الضمائر: ألف ابن الأنباري في بيان الضمائر الواقعة في القرآن مجلدين، وأصل وضع الضمائر للاختصار، ولهذا قام قوله: أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما [الأحزاب: 35] ، مقام خمسة وعشرين كلمة، لو أتى بها مظهرة.

وكذلك قوله: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن [النور: 31]: قال مكي: ليس في كتاب الله آية اشتملت على ضمائر أكثر منها؛ فإن فيها خمسة وعشرين ضميرا، ومن ثم لا يعدل إلى المنفصل إلا بعد تعذر المتصل، بأن يقع في الابتداء، نحو: إياك نعبد [الفاتحة: 5] ، أو بعد " إلا " : نحو: أمر ألا تعبدوا إلا إياه [يوسف: 40].

مرجع الضمير لا بد له من مرجع يعود إليه ملفوظا به سابقا مطابقا، نحو: ونادى نوح ابنه [هود: 42] ، وعصى آدم ربه [طه: 121].

إذا أخرج يده لم يكد يراها [النور: 40].

أو متضمنا له، نحو: اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] ، فإنه عائد على العدل المتضمن له اعدلوا .

وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه [النساء: 8].

أي المقسوم، لدلالة القسمة عليه، أو دال عليه بالالتزام، نحو: إنا أنزلناه في ليلة القدر [القدر: 1] ، أي القرآن؛ لأن الإنزال يدل عليه التزاما.

فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان [البقرة: 178].

فعفي يستلزم عافيا أعيد عليه الهاء من " إليه " .

أو متأخر لفظا ورتبة مطابقا، نحو: فأوجس في نفسه خيفة موسى [طه: 67].

ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [القصص: 78].

فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان [الرحمن: 39].

[ ص: 464 ] أو رتبة أيضا في باب ضمير الشأن والقصة، ونعم، وبئس.

والتنازع، أو متأخرا دالا بالالتزام، نحو: فلولا إذا بلغت الحلقوم [الواقعة: 83].

كلا إذا بلغت التراقي [القيامة: 26]: أضمر الروح أو النفس، لدلالة الحلقوم والتراقي عليها.

حتى توارت بالحجاب [ص: 32] ، أي الشمس لدلالة الحجاب عليها.

وقد يدل عليه السياق فيضمر ثقة بفهم السامع، نحو: كل من عليها فان [الرحمن: 26].

ما ترك على ظهرها [فاطر: 45] ، أي الدنيا.

ولأبويه [النساء: 11] ، أي الميت، ولم يتقدم له ذكر.

وقد يعود على لفظ المذكور دون معناه، نحو: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب [فاطر: 11] ، أي: معمر آخر.

وقد يعود على بعض ما تقدم، نحو: يوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] ..، إلى قوله: فإن كن نساء [النساء: 11].

وبعولتهن أحق بردهن [البقرة: 228] ، بعد قوله: والمطلقات ، فإنه خاص بالرجعيات.

والعائد عليه عام فيهن وفي غيرهن.

وقد يعود على المعنى، كقوله في آية الكلالة: فإن كانتا اثنتين [النساء: 176] ، ولم يتقدم لفظ مثنى يعود عليه.

قال الأخفش: لأن الكلالة تقع على الواحد والاثنين والجمع، فثنى الضمير الراجع إليها حملا على المعنى، كما يعود الضمير جمعا على "من" حملا على معناها.

وقد يعود على لفظ شيء، والمراد به الجنس من ذلك الشيء.

قال الزمخشري كقوله: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما [النساء: 135] ، أي: بجنس الفقير والغني، لدلالة غنيا أو فقيرا على الجنسين، ولو رجع إلى المتكلم به لوحده.

وقد يذكر شيئان ويعاد الضمير إلى أحدهما، والغالب كونه الثاني نحو: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [البقرة: 45].

[ ص: 465 ] فأعيد الضمير للصلاة، وقيل: للاستعانة المفهومة من استعينوا .

و: جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل [يونس: 5] ، أي القمر؛ لأنه الذي يعلم به الشهور.

والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62] ، أي: يرضوهما، فأفرد؛ لأن داعي الرسول هو داعي العباد، والمخاطب لهم شفاها.

ويلزم من رضاه رضا ربه تعالى.

وقد يثنى الضمير ويعود على أحد المذكورين، نحو: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن: 22] ، وإنما يخرج من أحدهما.

وقد يجيء الضمير متصلا بشيء، وهو لغيره، نحو: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين [المؤمنون: 12] ، يعني آدم، ثم قال: ثم جعلناه نطفة [المؤمنون: 13] ، فهذا لولده؛ لأن آدم لم يخلق من نطفة.

قلت: هذا هو باب الاستخدام، وقد قدمناه، ومنه: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [المائدة: 101] ، ثم قال: قد سألها [المائدة: 102] ، أي: أشياء أخر مفهومة من لفظ أشياء السابقة.

وقد يعود الضمير على ملابس ما هو له، نحو: إلا عشية أو ضحاها [النازعات: 46] ، أي: ضحى يومها لا ضحى العشية نفسها؛ لأنه لا ضحى لها.

وقد يعود على غير مشاهد محسوس، والأصل خلافه، نحو: " إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " [البقرة: 117] ، فضمير له عائد على الأمر، وهو إذ ذاك غير موجود؛ لأنه لما كان سابقا في علم الله كونه، كان بمنزلة المشاهد الموجود.

قاعدة في عود الضمير الأصل عوده على أقرب مذكور، ومن ثم أخر المفعول الأول في قوله: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [الأنعام: 112].

[ ص: 466 ] ليعود الضمير عليه لقربه، إلا أن يكون مضافا ومضافا إليه، فالأصل عوده للمضاف؛ لأنه المحدث عنه، نحو: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34].

وقد يعود على المضاف إليه، نحو: إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 37].

واختلف في: أو لحم خنزير فإنه رجس [الأنعام: 145] ، فمنهم من أعاده على المضاف، ومنهم من أعاده إلى المضاف إليه.

قاعدة

الأصل توافق الضمائر في المرجع حذرا من التشتت، ولهذا لما جوز بعضهم في: أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم [طه: 39] ، أن الضمير في الثاني للتابوت وفي الأول لموسى عابه الزمخشري، وجعله تنافرا مخرجا للقرآن عن إعجازه، فقال: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لا تؤدي إليه من تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.

وقال في: لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا [الفتح: 9]. الضمائر لله، والمراد بتعزيره تعزير دينه ورسله، ومن فرق الضمائر فقد أبعد.

وقد يخرج عن هذا الأصل، كما في قوله: ولا تستفت فيهم منهم أحدا [الكهف: 22] ، فإن ضمير " فيهم " لأصحاب الكهف.

" ومنهم " لليهود، قاله ثعلب والمبرد.

ومثله: ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا [هود: 77].

قال ابن عباس: ساء ظنا بقومه وضاق ذرعا بأضيافه.

وقوله: إلا تنصروه [التوبة: 40]... الآية. فيها اثنا عشر ضميرا كلها [ ص: 467 ] للنبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ضمير: "عليه" فلصاحبه، كما نقله السهيلي عن الأكثرين؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم تنزل عليه السكينة، وضمير " جعل " له تعالى.

وقد يخالف بين الضمائر حذرا من التنافر، نحو: منها أربعة حرم [التوبة: 36] ، الضمير للاثني عشر، ثم قال: فلا تظلموا فيهن أنفسكم [التوبة: 36]: أتى بصيغة ضمير الجمع مخالفا لعوده على الأربعة.

ضمير الفصل ضمير بصيغة المرفوع مطابق لما قبله، تكلما وخطابا وغيبة، إفرادا وغيره.

وإنما يقع بعد مبتدأ أو ما أصله المبتدأ وقبل خبر كذلك، اسما، نحو: وأولئك هم المفلحون [البقرة: 5].

وإنا لنحن الصافون [الصافات: 165].

كنت أنت الرقيب عليهم [المائدة: 117].

تجدوه عند الله هو خيرا [المزمل: 20].

إن ترن أنا أقل منك مالا [الكهف: 39].

هؤلاء بناتي هن أطهر لكم [هود: 78].

وجوز الأخفش وقوعه بين الحال وصاحبها، وخرج عليه قراءة: "هن أطهر لكم" - بالنصب.

وجوز الجرجاني وقوعه قبل مضارع، وجعل منه: إنه هو يبدئ ويعيد [البروج: 13].

وجعل منه أبو البقاء: ومكر أولئك هو يبور [فاطر: 10].

ولا محل لضمير الفصل من الإعراب.

وله ثلاث فوائد: الإعلام بأن ما بعده خبر لا تابع.

والتأكيد، ولهذا سماه الكوفيون دعامة؛ لأنه يدعم به الكلام، أي: يقوى ويؤكد، وبنى عليه بعضهم أنه لا يجمع بينه وبينه، فلا يقال: زيد نفسه هو الفاضل، والاختصاص.

وذكر الزمخشري الثلاثة في: وأولئك هم المفلحون [البقرة: 5] ، فقال: فائدته الدلالة على أن ما بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره [ ص: 468 ] ضمير الشأن والقصة

ويسمى ضمير المجهول، قال في المغني: خالف القياس من خمسة أوجه: أحدها عوده على ما بعده لزوما؛ إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم عليه، ولا شيء منها.

والثاني أن مفسره لا يكون إلا جملة.

والثالث أنه لا يتبع بتابع فلا يؤكد، ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه.

والرابع أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء أو ناسخ.

والخامس أنه ملازم للإفراد، ومن أمثلته: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1].

فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا [الأنبياء: 97].

فإنها لا تعمى الأبصار [الحج: 46].

وفائدته الدلالة على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه، بأن يذكر أولا مبهما ثم يفسر.

تنبيه: قال ابن هشام: متى أمكن الحمل على غير ضمير الشأن فلا ينبغي أن يحمل عليه، ومن ثم ضعف قول الزمخشري في: إنه يراكم هو وقبيله [الأعراف: 27]: إن اسم " إن " ضمير الشأن، والأولى كونه ضمير الشيطان، ويؤيده قراءة: "وقبيله" بالنصب، وضمير الشأن لا يعطف عليه.

قاعدة

جمع العاقلات لا يعود عليه الضمير غالبا إلا بصيغة الجمع، سواء كان للقلة أو للكثرة، نحو: والوالدات يرضعن [البقرة: 233] ، والمطلقات يتربصن [البقرة: 228].

وورد الإفراد في قوله: وأزواج مطهرة [آل عمران: 15] ، ولم يقل: مطهرات.

وأما غير العاقل فالغالب في جمع الكثرة الإفراد، وفي القلة الجمع.

[ ص: 469 ] وقد اجتمعا في قوله: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله [التوبة: 36]... إلى أن قال: منها أربعة حرم ، فأعاد " منها " بصيغة الإفراد على الشهور وهي للكثرة، ثم قال: فلا تظلموا فيهن أنفسكم [التوبة: 36] ، فأعاده جمعا على: أربعة حرم وهي للقلة.

وذكر الفراء لهذه القاعدة سرا لطيفا، وهو أن المميز مع جمع الكثرة -وهو ما زاد على العشرة- لما كان واحدا وحد الضمير، ومع القلة، وهو العشرة وما دونها، لما كان جمعا جمع الضمير.

قاعدة

إذا اجتمع في الضمائر مراعاة اللفظ والمعنى بدئ باللفظ ثم بالمعنى، هذا هو الجادة في القرآن، قال تعالى: ومن الناس من يقول [البقرة: 8] ، ثم قال: وما هم بمؤمنين [البقرة: 8].

أفرد أولا باعتبار اللفظ، ثم جمع باعتبار المعنى.

وكذا: ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة [الأنعام: 25].

ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا [التوبة: 49].

قال الشيخ علم الدين العراقي: ولم يجئ في القرآن البداءة بالحمل على المعنى إلا في موضع واحد، وهو قوله تعالى: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا [الأنعام: 139] ، فأنث "خالصة" حملا على معنى ما، ثم راعى اللفظ فذكر فقال: ومحرم .

قال ابن الحاجب في أماليه: إذا حمل على اللفظ جاز الحمل بعده على المعنى.

وإذا حمل على المعنى ضعف الحمل بعده على اللفظ؛ لأن المعنى أقوى، فلا يبعد الرجوع إليه بعد اعتبار اللفظ، ويضعف بعد اعتبار المعنى القوي الرجوع إلى الأضعف.

وقال ابن جني في المحتسب: لا تجوز مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه إلى المعنى، وأورد عليه قوله تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا [الزخرف: 36] ، إلى قوله: حتى إذا جاءنا [الزخرف: 38] ، فقد راجع اللفظ بعد الانصراف عنه إلى المعنى.

[ ص: 470 ] وقال محمود بن حمزة في كتاب العجائب: ذهب بعض النحويين إلى أنه لا يجوز الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى، وقد جاء في القرآن بخلاف ذلك، وهو قوله: خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا [الطلاق: 11].

وقال ابن خالويه في كتاب "ليس"، القاعدة في: " من " ونحوه الرجوع من اللفظ إلى المعنى، ومن الواحد إلى الجمع، ومن المذكر إلى المؤنث، نحو: ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا [الأحزاب: 31] ، و: من أسلم وجهه لله وهو محسن [البقرة: 112] ، إلى قوله: ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، أجمع على هذا النحويون.

قال: وليس في كلام العرب ولا في شيء من العربية الرجوع من المعنى إلى اللفظ، إلا في حرف واحد استخرجه ابن مجاهد، وهو قوله تعالى: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا [الطلاق: 11] ، وحد في: يؤمن و: " يعمل " و: يدخله [النساء: 13] ، وجمع في قوله: خالدين [الطلاق: 11] ، ثم وحد في قوله: أحسن الله له رزقا [الطلاق: 11] ، فرجع بعد الجمع إلى التوحيد.

قاعدة

التذكير والتأنيث

التأنيث ضربان: حقيقي وغيره، فالحقيقي لا تحذف تاء التأنيث من فعله غالبا إلا إن وقع فصل، وكلما كثر الفصل حسن الحذف، والإثبات مع الحقيقي أولى، ما لم يكن جمعا.

وأما غير الحقيقي فالحذف فيه مع الفصل أحسن نحو: فمن جاءه موعظة من ربه [البقرة: 275] ، قد كان لكم آية [آل عمران: 13] ، فإن كثر الفصل ازداد حسنا، نحو: وأخذ الذين ظلموا الصيحة [هود: 67] ، والإثبات أيضا حسن، نحو: وأخذت الذين ظلموا الصيحة [هود: 94] ، فجمع بينهما في سورة هود.

[ ص: 471 ] وأشار بعضهم إلى ترجيح الحذف، واستدل عليه بأن الله قدمه على الإثبات حيث جمع بينهما.

ويجوز الحذف أيضا مع عدم الفصل حيث الإسناد إلى ظاهره، فإن كان إلى ضميره امتنع.

وحيث وقع ضمير أو إشارة بين مبتدأ وخبر أحدهما مذكر والآخر مؤنث، جاز في الضمير والإشارة التذكير والتأنيث، كقوله تعالى: هذا رحمة من ربي [الكهف: 98] ، فذكر والخبر مؤنث لتقدم السد وهو مذكر.

وقوله تعالى: فذانك برهانان من ربك [القصص: 32].

ذكر والمشار إليه اليد والعصا، وهما مؤنثان لتذكير الخبر وهو برهانان.

وكل أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير والتأنيث حملا على الجماعة، كقوله: أعجاز نخل خاوية [الحاقة: 7] ، و: أعجاز نخل منقعر [القمر: 20] ، إن البقر تشابه علينا [البقرة: 70].

وقرئ: تشابهت.

السماء منفطر به [المزمل: 18] ، إذا السماء انفطرت [الانفطار: 1].

وجعل منه بعضهم: جاءتها ريح عاصف [يونس: 22].

ولسليمان الريح عاصفة [الأنبياء: 81].

وقد سئل: ما الفرق بين قوله: فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة [النحل: 36].

وقوله: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [الأعراف: 30]؟ وأجيب بأن ذلك لوجهين: لفظي، وهو كثرة حروف الفاصل في الثاني.

والحذف مع كثرة الحواجز أكثر.

ومعنوي، وهو أن "من" في قوله: من حقت راجعة إلى الجماعة، وهي مؤنثة لفظا، بدليل: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا [النحل: 36] ، ثم قال: ومنهم من حقت عليه الضلالة [النحل: 36]: أي: من تلك الأمم، ولو قال: ضلت لتعينت التاء، والكلامان واحد، وإذا كان معناهما واحدا كان إثبات التاء أحسن من تركها، لأنها ثابتة فيما هو من معناه.

[ ص: 472 ] وأما: فريقا هدى الآية...

فالفريق مذكر، ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء، وقوله: حق عليهم الضلالة في معناه، فجاء بغير تاء، وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب أن يدعوا حكم اللفظ الواجب في قياس لغتهم إذا كان في مرتبة كلمة لا يجب لها ذلك الحكم.

قاعدة

في التعريف والتنكير

اعلم أن لكل منهما مقاما لا يليق بالآخر.

أما التنكير فله أسباب: أحدها: إرادة الوحدة، نحو: وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى [القصص: 20] ، أي: رجل واحد.

و: ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل [الزمر: 29].

الثاني: إرادة النوع، نحو: هذا ذكر [ص: 49] ، أي: نوع من الذكر.

وعلى أبصارهم غشاوة [البقرة: 7] ، أي: نوع غريب من الغشاوة لا يتعارفه الناس، بحيث غطى ما لا يغطيه شيء من الغشاوات.

ولتجدنهم أحرص الناس على حياة [البقرة: 96] ، أي نوع منها، وهو الازدياد في المستقبل؛ لأن الحرص لا يكون على الماضي ولا على الحاضر.

ويحتمل الوحدة والنوعية معا قوله تعالى: والله خلق كل دابة من ماء [النور: 45] ، أي: كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع الماء، وكل فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد النطف.

الثالث: التعظيم، بمعنى أنه أعظم من أن يعين ويعرف، نحو: فأذنوا بحرب من الله [البقرة: 279] ، ولهم عذاب أليم [البقرة: 10].

وسلام عليه يوم ولد [مريم: 15].

سلام على إبراهيم [الصافات: 109].

أن لهم جنات [البقرة: 25].

[ ص: 473 ] الرابع: التكثير، نحو: أإن لنا لأجرا [الشعراء: 41] ، أي: وافرا جزيلا.

ويحتمل التعظيم والتكثير معا: وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك [فاطر: 4] ، أي: رسل عظام ذوو عدد كثير.

الخامس: التحقير، بمعنى انحطاط شأنه إلى حد لا يمكن أن يعرف، نحو: إن نظن إلا ظنا [الجاثية: 32] ، أي: ظنا حقيرا لا يعبأ به، وإلا اتبعوه.

لأن ذلك ديدنهم، بدليل: إن يتبعون إلا الظن [الأنعام: 116].

من أي شيء خلقه [عبس: 18] ، أي: من شيء حقير مهين، ثم بينه بقوله: من نطفة خلقه [عبس: 19].

السادس: التقليل، نحو: ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] ، أي: رضوان قليل منه أكبر من الجنات؛ لأنه رأس كل سعادة:

قليل منك يكفيني ولكن     قليلك لا يقال له قليل

وجعل منه الزمخشري: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1] ، أي: بعض ليل.

وأورد عليه أن التقليل رد الجنس إلى فرد من أفراده، لا تنقيص فرد إلى جزء من أجزائه.

وأجاب في عروس الأفراح بأنا لا نسلم أن الليل حقيقة في جميع الليلة، بل كل جزء من أجزائها يسمى ليلا.

وعد السكاكي من الأسباب ألا يعرف من حقيقته إلا ذلك، وجعل منه أن تقصد التجاهل وأنك لا تعرف شخصه، كقوله: هل لكم في حيوان على صورة إنسان يعمل كذا، وعليه من تجاهل الكفار: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد [سبأ: 7] ، كأنهم لا يعرفونه.

وعد غيره منها قصد العموم؛ بأن كانت في سياق النفي، نحو: لا ريب فيه [البقرة: 2].

فلا رفث [البقرة: 197]. الآية.

[ ص: 474 ] أو الشرط، نحو: وإن أحد من المشركين استجارك [التوبة: 6].

والامتنان، نحو: وأنزلنا من السماء ماء طهورا [الفرقان: 48].

وأما التعريف فله أسباب، فبالإضمار؛ لأن المقام مقام التكلم أو الخطاب أو الغيبة.

وبالعلمية لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به، نحو: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1].

محمد رسول الله [الفتح: 29].

أو لتعظيم أو إهانة حيث علمه يقتضي ذلك، فمن التعظيم ذكر يعقوب بلقبه إسرائيل لما فيه من المدح والتعظيم، ولكونه صفوة الله، أو سري الله، كما قدمنا في حرف الألف.

ومن الإهانة قوله: تبت يدا أبي لهب [المسد: 1] ، وفيه أيضا نكتة أخرى؛ وهي الكناية به عن كونه جهنميا.

وبالإشارة لتمييزه أكمل تمييز بإحضاره في ذهن السامع حسا، نحو: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه [لقمان: 11].

وللتعريض بغباوة السامع، حتى إنه لا يتميز له الشيء إلا بإشارة الحس.

وهذه الآية تصلح لذلك.

ولبيان حاله في القرب والبعد، فيؤتى بالأول بنحو هذا، وفي الثاني بنحو ذلك وأولئك.

ولقصد تحقيره بالقرب: أهذا الذي يذكر آلهتكم [الأنبياء: 36].

أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان: 41].

ماذا أراد الله بهذا مثلا [البقرة: 26] ، وكقوله تعالى: وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب [العنكبوت: 64].

ولقصد تعظيمه بالبعد، نحو: ذلك الكتاب لا ريب فيه [البقرة: 2] ، ذهابا إلى بعد درجته.

[ ص: 475 ] وللتنبيه بعد ذكر المشار إليه بأوصاف قبله على أنه جدير بما يرد بعده من أجلها، نحو: أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة: 5].

وبالموصولة لكراهة ذكره بخاص اسمه، إما سترا عليه، أو إهانة، أو لغير ذلك، فيؤتى بالذي ونحوها موصولة بما صدر منه من فعل أو قول، نحو: والذي قال لوالديه أف لكما [الأحقاف: 17].

وراودته التي هو في بيتها [يوسف: 23].

وقد تكون لإرادة العموم، نحو: إن الذين يستكبرون عن عبادتي [غافر: 60] الآية.

وللاختصار، نحو: لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا [الأحزاب: 69] ، أي: قولهم إنه آدر؛ إذ لو عدد أسماء القائلين لطال، وليس للعموم؛ لأن بني إسرائيل كلهم لم يقولوا في حقه ذلك.

وبالألف واللام إشارة إلى معهود خارجي أو ذهني أو حضوري.

وللاستغراق حقيقة أو مجازا، أو لتعريف الماهية.

وقد مرت أمثلتها في حروف المعجم.

وبالإضافة لكونها أخصر طريق.

ولتعظيم المضاف، نحو: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 42].

ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7] ، أي الأصفياء في الآيتين، كما قال ابن عباس وغيره.

ولقصد العموم نحو: فليحذر الذين يخالفون عن أمره [النور: 63]؛ أي: كل أمر لله.

[ ص: 476 ] فائدة سئلت عن الحكمة في تنكير "أحد" وتعريف: "الصمد" في قوله تعالى: قل هو الله أحد الله الصمد [الإخلاص: 1، 2] .

وألفت في جوابه تأليفا مودعا في الفتاوى، وحاصله أن في ذلك أجوبة: أحدها: أنه نكر للتعظيم، والإشارة إلى أن مدلوله -وهو الذات المقدسة- غير ممكن تعريفها والإحاطة بها.

الثاني: أنه لا يجوز إدخال "أل"، كغير وكل وبعض، وهو فاسد، فقد قرئ: قل هو الله الواحد الصمد.

حكى هذه القراءة أبو حاتم في كتاب الزينة عن جعفر بن محمد.

الثالث: مما خطر لي أن هو مبتدأ والله خبر، وكلاهما معرفة، فاقتضى الحصر، فعرف الجزآن في: الله الصمد ، لإفادة الحصر ليطابق الجملة الأولى، واستغني عن تعريف أحد لإفادة الحصر دونه، فأتي به على أصله من التنكير، على أنه خبر ثان.

وإن جعل الاسم الكريم مبتدأ و: أحد خبر ففيه من ضمير الشأن ما فيه من التفخيم والتعظيم، فأتي بالجملة الثانية على نحو الأولى، بتعريف الجزأين للحصر تفخيما وتعظيما.

قاعدة أخرى

تتعلق بالتعريف والتنكير


إذا ذكر الاسم مرتين فله أربعة أحوال: لأنه إما أن يكونا معرفتين، أو نكرتين، أو الأول نكرة والثاني معرفة، أو بالعكس، فإن كانا معرفتين فالثاني هو الأول غالبا، دلالة على المعهود الذي هو الأصل في اللام أو الإضافة، نحو: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم [الفاتحة: 6، 7].

فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص [الزمر: 2، 3].

[ ص: 477 ] وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون [الصافات: 158] .

وقهم السيئات ومن تق السيئات [غافر: 9].

لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات [غافر: 36، 37].

وإن كانا نكرتين، فالثاني غير الأول غالبا، وإلا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهودا سابقا، نحو: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء [الروم: 54] ، فإن المراد بالضعف الأول النطفة، وبالثاني الطفولية، وبالثالث الشيخوخية.

وقال ابن الحاجب: في قوله تعالى: غدوها شهر ورواحها شهر [سبأ: 12].

الفائدة في إعادة لفظ الشهر الإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح.

والألفاظ التي تأتي مبينة للمقادير لا يحسن فيها الإضمار، ولو أضمر فالضمير إنما يكون لما تقدم باعتبار خصوصيته، فإذا لم يكن له وجب العدول عن المضمر إلى الظاهر.

وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا .

فالعسر الثاني هو الأول، واليسر الثاني غير الأول، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- في الآية: "لن يغلب عسر يسرين".

وإن كان الأول نكرة والثاني معرفة، فالثاني هو الأول حملا على العهد.

نحو: أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول [الشرح: 5، 6].

فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري [النور: 35] إلى: صراط مستقيم صراط الله [الشورى: 52، 53].

من سبيل إنما السبيل [الشورى: 41، 42].

وإن كان الأول معرفة والثاني نكرة، فلا يطلق القول، بل يتوقف على القرائن، فتارة تقوم قرينة على التغاير، نحو: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة [الروم: 55].

يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء [النساء: 153].

ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى [غافر: 53، 54] [ ص: 478 ] قال الزمخشري: المراد بالهدى جميع ما آتاه الله من الدين والمعجزات والشرائع، وهدى الإرشاد.

وتارة تقوم قرينة على الاتحاد: نحو: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا [الزمر: 27، 28].

تنبيه: قال الشيخ بهاء الدين في عروس الأفراح وغيره: الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة؛ فإنها منتقضة بآيات كثيرة، منها في القسم الأول: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ، فإنهما معرفتان.

والثاني غير الأول؛ فإن الأول العمل والثاني الثواب.

أن النفس بالنفس [المائدة: 45] ، أي القاتلة بالمقتولة.

وكذا سائر الآيات: الحر بالحر [البقرة: 178] ... الآية.

هل أتى على الإنسان حين من الدهر [الإنسان: 1] ، ثم قال: إنا خلقنا الإنسان من نطفة [الإنسان: 2] ، فإن الأول آدم، والثاني ولده.

وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به [العنكبوت: 47].

فإن الأول القرآن، والثاني التوراة والإنجيل.

ومنها في القسم الثاني: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف: 84].

يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير [البقرة: 217] ، فإن الثاني فيهما هو الأول وهما نكرتان.

ومنها في القسم الثالث: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير [النساء: 128].

ويؤت كل ذي فضل فضله [هود: 3].

ويزدكم قوة إلى قوتكم [هود: 52].

ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم [الفتح: 4].

زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88].

وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36].

[ ص: 479 ] فإن الثاني فيهما غير الأول.

وأقول: لا انتقاض بشيء من ذلك عند التأمل، فإن اللام في الإحسان للجنس فيما يظهر، وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة، وكذا آية النفس والحر، بخلاف آية العسر، فإن "أل" فيها إما للعهد أو للاستغراق كما يفيد الحديث، وكذا آية الظن لا نسلم أن الثاني فيها غير الأول، بل هو عينه قطعا؛ إذ ليس كل ظن مذموما، كيف وأحكام الشريعة ظنية، وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد منها الصلح المذكور، وهو الذي بين الزوجين.

واستحباب الصلح في سائر الأمور، ويكون مأخوذا من السنة أو من الآية بطريق القياس، بل لا يجوز القول بعموم الآية، وأن كل صلح خير؛ لأن ما أحل حراما من الصلح، أو حرم حلالا فهو ممنوع، وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك؛ لأن المراد بالأول المسؤول عن القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة؛ لأنه سبب نزول الآية.

والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك بعينه.

وأما آية: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف: 84] ، فقد أجاب عنها الطيبي بأنها من باب التكرير لإفادة أمر زائد، بدليل تكرير ذكر الرب فيما قبله من قوله: سبحان رب السماوات والأرض رب العرش [الزخرف: 82].

ووجه الإطناب في تنزيهه سبحانه عن نسبة الولد إليه.

وشرط القاعدة ألا يقصد التكرير.

وقد ذكر الشيخ بهاء الدين في آخر كلامه: أن المراد بذكر الاسم مرتين كونه مذكورا في كلام واحد أو كلامين بينهما تواصل بأن يكون أحدهما معطوفا على الآخر، أو له به تعلق ظاهر وتناسب واضح، وأن يكون من متكلم واحد، ودفع بذلك إيراد آية القتال؛ لأن الأول فيها محكي عن قول السائل، والثاني محكي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

[ ص: 480 ] قاعدة

في الإفراد والجمع

من ذلك السماء والأرض: حيث وقع في القرآن ذكر الأرض فإنها مفردة ولم تجمع بخلاف السماوات، لثقل جمعها وهو أرضون، ولهذا لما أريد ذكر جميع الأرض قال: ومن الأرض مثلهن [الطلاق: 12].

وأما السماء فذكرت تارة بصيغة الجمع، وتارة بصيغة الإفراد لنكتة تليق بذلك المحل، كما أوضحته في أسرار التنزيل.

والحاصل أنه حيث أريد العدد أتي بصيغة الجمع الدالة على سعة العظمة، نحو: سبح لله ما في السماوات [الصف: 1] ، أي: جميع سكانها على كثرتهم، تسبح له السماوات [الإسراء: 44] ، أي: كل واحدة على اختلاف عددها.

قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله [النمل: 65] ؛ إذ المراد نفي علم الغيب عن كل من هو في واحدة من السماوات.

وحيث أريد الجهة أتي بصيغة الإفراد، نحو: وفي السماء رزقكم [الذاريات: 22].

أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16] ، أي: من فوقكم.

ومن ذلك الريح حيث ذكرت مجموعة ومفردة، فحيث ذكرت في سياق الرحمة جمعت، أو في سياق العذاب أفردت.

وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أبي بن كعب، قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة، وكل شيء فيه من الريح فهو عذاب.

ولهذا ورد في الحديث: "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا".

وذكر في حكمة ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والهبات والمنافع، وإذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها، فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات، فكانت في الرحمة رياحا، وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد، ولا معارض لها ولا دافع.

[ ص: 481 ] وقد خرج عن هذه القاعدة قوله تعالى في سورة يونس: وجرين بهم بريح طيبة [يونس: 22].

وذلك لوجهين: لفظي، وهو المقابلة بقوله: جاءتها ريح عاصف [يونس: 22].

ورب شيء يجوز في المقابلة، ولا يجوز استقلالا، نحو: ومكروا ومكر الله [آل عمران: 54].

ومعنوي، وهو أن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها.

فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد، فإذا اختلفت عليها الرياح كان سبب الهلاك، والمطلوب هنا ريح واحدة، ولهذا أكد هذا المعنى بوصفها بالطيب، وعلى ذلك أيضا جرى قوله: إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره [الشورى: 33].

وقال ابن المنير: إنه على القاعدة لأن سكون الريح عذاب وشدة على أصحاب السفن.

ومن ذلك إفراد النور وجمع الظلمات، وإفراد سبيل الحق وجمع سبيل الباطل في قوله: ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153]؛ لأن طريق الحق واحدة، وطرق الباطل متشعبة متعددة، والظلمات بمنزلة طرق الباطل، والنور بمنزلة طريق الحق، بل هما هما، ولهذا وحد ولي المؤمنين، وجمع أولياء الكفار لتعددهم في قوله: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257] ...الآية.

ومن ذلك إفراد النار حيث وقعت والجنة حيث وقعت مجموعة ومفردة؛ لأن الجنان مختلفة الأنواع، فحسن جمعها، والنار مادة واحدة، ولأن الجنة رحمة والنار عذاب، فناسب جمع الأولى وإفراد الثانية على حد الرياح والريح.

ومن ذلك إفراد السمع وجمع البصر؛ لأن السمع غلب عليه المصدرية.

فأفرد، بخلاف البصر، فإنه اشتهر في الجارحة، ولأن متعلق السمع الأصوات، وهي حقيقة واحدة، ومتعلق البصر الألوان والأكوان وهي حقائق مختلفة، فأشار في كل منهما إلى متعلقه.

ومن ذلك إفراد الصديق وجمع الشافعين في قوله: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم [الشعراء: 100، 101].

[ ص: 482 ] وحكمته كثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق.

قال الزمخشري: ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة.

وأما الصديق فأعز من بيض الأنوق.

ومن ذلك الألباب لم يقع إلا مجموعا؛ لأن مفرده ثقيل لفظا.

ومن ذلك مجيء المشرق والمغرب بالإفراد وبالتثنية وبالجمع، فحيث أفردا فاعتبارا للجهة، وحيث ثنيا فاعتبارا لمشرق الصيف والشتاء ومغربهما، وحيث جمعا فاعتبار لتعدد المطالع في كل فصل من فصول السنة.

وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه، ففي سورة الرحمن ورد بالتثنية؛ لأن سياق السورة سياق المزدوجين، فإنه سبحانه ذكر أولا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعليم، ثم ذكر سراجي العالم: الشمس والقمر، ثم نوعي النبات: ما كان على ساق وما لا ساق له، وهما النجم والشجر، ثم نوعي السماء والأرض، ثم نوعي العدل والظلم، ثم نوعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والرياحين، ثم نوعي المكلفين وهما الإنس والجان، ثم نوعي البحر: العذب والملح، فلهذا حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجمعا في قوله: فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون [المعارج: 40].

وفي سورة الصافات للدلالة على سعة القدرة والعظمة.

فائدة

حيث ورد البار مجموعا في صفة الآدميين قيل: أبرار، وفي صفة الملائكة قيل: بررة، ذكره الراغب، ووجهه بأن الثاني أبلغ؛ لأنه جمع بار، وهو أبلغ من "بر" مفرد الأول.

وحيث ورد الأخ مجموعا في النسب قيل: إخوة، وفي الصداقة قيل: إخوان، [ ص: 483 ] قاله ابن فارس وغيره.

وأورد عليه في الصداقة: إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] ، وفي النسب: أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن [النور: 31].

فائدة

ألف أبو الحسن الأخفش كتابا في الإفراد والجمع في القرآن ذكر فيه جمع ما وقع في القرآن مفردا، ومفرد ما وقع فيه جمعا، وأكثره من الواضحات.

وهذه أمثلة من خفي ذلك: المن: جمع لا واحد له.

والسلوى: لم يسمع له بواحد.

النصارى: قيل: جمع نصراني، وقيل: نصير كنديم، وقبيل.

العوان: جمعه عون.

الهدى: لا واحد له.

الإعصار: جمعه أعاصير.

الأنصار: واحده نصير، كشريف وأشراف.

الأزلام: واحدها زلم، ويقال: زلم، بالضم.

مدرار: جمعه مدارير.

أساطير: واحدها أسطورة، وقيل: أسطار جمع سطر.

الصور: قيل: جمع صورة، وقيل: واحد الأصوار.

فرادى: جمع أفراد، جمع فرد.

وقنوان: جمع قنو.

وصنوان: جمع صنو.

وليس في القرآن جمع ومثنى بصيغة واحدة إلا هذان ولفظ ثالث لم يقع في القرآن، قاله ابن خالويه في كتاب ليس: الحوايا جمع حاوية، وقيل: حاوياء.

نشر جمع نشور.

عضين وعزين جمع عضه وعزه.

المثاني جمع مثنى.

تارة جمعها تارات، وتير.

أيقاظ جمع يقظ.

الأرائك جمع أريكة.

سري جمعه سريان، كخصي وخصيان.

آناء الليل جمع إنا، بالقصر كمعى.

وقيل: إني كقرد، وقيل: إنوة كفرقة.

الصياصي جمع صيصية.

منسأة جمع مناسي.

الحرور جمعه حرور بالضم.

غرابيب جمعه غربيب.

أتراب جمع ترب.

الآلاء: جمع إلى كمعى، وقيل: ألى كقفا، وقيل: إلي كقرد، وقيل: ألو.

التراقي: جمع ترقوة بفتح أوله.

الأمشاج: جمع مشج.

ألفافا: جمع لف - بالكسر.

العشار: جمع عشر.

الخنس: جمع خانسة، وكذا الكنس.

الزبانية: جمع زبنية، وقيل: زابن، وقيل: زباني.

أشتاتا: جمع شت وشتيت.

أبابيل: لا واحد له، وقيل: واحده إبول مثل عجول.

وقيل: إبيل مثل إكليل.

[ ص: 484 ] فائدة

ليس في القرآن من الألفاظ المعدولة إلا ألفاظ العدد: مثنى، وثلاث ورباع.

ومن غيرها طوى فيما ذكره الأخفش في الكتاب المذكور.

ومن الصفات أخر.

قال تعالى: وأخر متشابهات [آل عمران: 7].

قال الراغب وغيره: هي معدولة عن تقدير ما فيه الألف واللام، وليس له نظير في كلامهم، فإن "أفعل" إما أن يذكر معه "من" لفظا أو تقديرا، فلا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث، أو يحذف منه "من" فتدخل عليه الألف واللام ويثنى ويجمع، وهذه اللفظة من بين أخواتها جوز فيها ذلك من غير الألف واللام.

وقال الكرماني في الآية المذكورة: لا يمنع كونها معدولة من الألف واللام كونها وصفا لنكرة؛ لأن ذلك مقدر من وجه غير مقدر من وجه.

قاعدة

مقابلة الجمع بالجمع تارة تقتضي مقابلة كل فرد من هذا بكل فرد من هذا، كقوله: واستغشوا ثيابهم [نوح: 7] ، أي استغشى كل منهم ثوبه.

حرمت عليكم أمهاتكم [النساء: 23] ، أي: على كل من المخاطبين أمه.

يوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] ، أي: كل في أولاده.

والوالدات يرضعن أولادهن [البقرة: 233] ، أي: كل واحدة ترضع ولدها.

وتارة يقتضي ثبوت الجمع لكل فرد من أفراد المحكوم عليه، نحو: فاجلدوهم ثمانين جلدة [النور: 4].

وجعل منه الشيخ عز الدين بن عبد السلام: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات [البقرة: 25].

وتارة يحتمل الأمرين، فيحتاج إلى دليل يعين أحدهما.

وأما مقابلة الجمع بالفرد فالغالب ألا يقتضي تعميم الفرد، وقد يقتضيه كما في قوله: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين [البقرة: 184].

[ ص: 485 ] المعنى: على كل واحد لكل يوم طعام مسكين.

والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة [النور: 4]؛ لأنه على كل واحد منهم ذلك.

قاعدة

ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه

من ذلك الخوف والخشية، لا يكاد اللغوي يفرق بينهما، "لا شك أن الخشية أعلى منه، وهي أشد الخوف؛ فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية، أي: يابسة، وهو فوات بالكلية.

والخوف من قولهم: ناقة خوفاء، أي: بها داء وهو نقص، وليست بفوات، ولذلك خصت الخشية بالله في قوله: ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب [الرعد: 21].

وفرق بينهما أيضا بأن الخشية تكون من عظم المخشي، وإن كان الخاشي قويا، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمرا يسيرا.

ويدل لذلك أن الخاء والشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة، نحو: شيخ للسيد الكبير.

وخيش لما غلظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالبا في حق الله، من خشية الله [البقرة: 74].

إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28].

وأما يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] ففيه نكتة لطيفة؛ لأنه وصف الملائكة، ولما ذكر قوتهم وشدة خلقهم عبر عنهم بالخوف لبيان أنهم وإن كانوا غلاظا شدادا فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفه بالفوقية الدالة على العظمة، فجمع بين الأمرين.

ولما كان ضعف البشر معلوما لم يحتج إلى التنبيه عليه.

ومن ذلك الشح والبخل.

والشح هو أشد البخل.

قال الراغب: الشح: بخل مع حرص.

وفرق العسكري بين البخل والضن بأن الضن أصله أن يكون [ ص: 486 ] بالعواري، والبخل بالهبات، ولهذا يقال: هو ضنين بعلمه، ولا يقال بخيل؛ لأن العلم بالعارية أشبه بالهبة؛ لأن الواهب إذا وهب شيئا خرج عن ملكه، بخلاف العارية، ولهذا قال تعالى: وما هو على الغيب بضنين [التكوير: 24] ، ولم يقل: ببخيل.

ومن ذلك السبيل والطريق، والأول أغلب وقوعا في الخير، ولا يكاد اسم الطريق يراد به الخير إلا مقترنا بوصف أو إضافة تخلصه لذلك، كقوله تعالى: يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم [الأحقاف: 30].

وقال الراغب: السبيل الطريق التي فيها سهولة، فهو أخص.

ومن ذلك جاء وأتى، فالأول يقال في الجواهر والأعيان.

والثاني في المعاني والأزمان، ولهذا ورد في قوله: ولمن جاء به حمل بعير [يوسف: 72].

وجاءوا على قميصه بدم كذب [يوسف: 18].

وجيء يومئذ بجهنم [الفجر: 23].

وأتى في: أتى أمر الله [النحل: 1] ، أتاها أمرنا [يونس: 24].

وأما: وجاء ربك [الفجر: 22] ، أي: أمره؛ فإن المراد به أهوال القيامة والمشاهدة وكذا: فإذا جاء أجلهم [الأعراف: 34]؛ لأن الأجل كالمشاهد، ولهذا عبر عنه بالحضور في قوله: حضره الموت، ولهذا فرق بينهما في قوله: جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق [الحجر: 63، 64].

لأن الأول العذاب، وهو مشاهد مرئي بخلاف الحق.

وقال الراغب: الإتيان: مجيء بسهولة، فهو أخص من مطلق المجيء.

ومنه قيل للسيل المار على وجهه أتاوي، وأتي.

ومن ذلك مد وأمد، قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، نحو: وأمددناهم بفاكهة [الطور: 22].

والمد في المكروه، نحو: ونمد له من العذاب مدا [مريم: 79].

ومن ذلك سقى وأسقى، فالأول لما لا كلفة فيه، ولهذا ذكر في شراب الجنة، نحو: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21].

والثاني لما فيه [ ص: 487 ] كلفة، ولهذا ذكر في الدنيا، نحو: لأسقيناهم ماء غدقا [الجن: 16] .

وقال الراغب: الإسقاء أبلغ من السقي؛ لأن الإسقاء أن يجعل له ما يستقي منه، ويشرب.

والسقي أن يعطيه ما يشرب.

ومن ذلك عمل وفعل، فالأول لما كان مع امتداد زمان، نحو: يعملون له ما يشاء [سبأ: 13].

مما عملت أيدينا [يس: 71]؛ لأن خلق الأنعام والثمار والزروع بامتداد.

والثاني بخلافه، نحو: كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: 1].

كيف فعل ربك بعاد [الفجر: 6].

فعلنا بهم [إبراهيم: 45] ، لأنها إهلاكات وقعت من غير بطء.

ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] ، أي: في طرفة عين.

ولهذا عبر بالأول في قوله: وعملوا الصالحات [البقرة: 25] ، حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الإتيان بها مرة أو بسرعة.

وبالثاني في قوله: وافعلوا الخير [الحج: 77] ، حيث كان بمعنى سارعوا، كما قال: فاستبقوا الخيرات [البقرة: 148].

وقوله: والذين هم للزكاة فاعلون [المؤمنون: 4] ، حيث كان القصد يأتون بها على سرعة من غير توان.

ومن ذلك القعود والجلوس، فالأول لما فيه لبث، بخلاف الثاني، ولهذا يقال: قواعد البيت، ولا يقال: جوالسه؛ للزومها ولبثها، ويقال: جليس الملك ولا يقال: قعيده؛ لأن مجالس الملوك يستحب فيها التخفيف، ولهذا استعمل الأول في قوله: مقعد صدق [القمر: 55] ، للإشارة إلى أنه لا زوال له، بخلاف: تفسحوا في المجالس [المجادلة: 11]؛ لأنه يجلس فيه زمانا يسيرا.

ومن ذلك التمام والكمال، وقد اجتمعا في قوله: أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي [المائدة: 3] ، فقيل: الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، ولهذا كان قوله تعالى: تلك عشرة كاملة [البقرة: 196] ، أحسن من "تامة"؛ لأن التمام من العدد قد علم، وإنما نفى احتمال نقص في صفاتها.

وقيل: تم يشعر بحصول نقص قبله، [ ص: 488 ] وكمل لا يشعر بذلك.

وقال العسكري: الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به.

والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف، ولهذا يقال للقافية تمام البيت، ولا يقال: كماله.

ويقولون: البيت بكماله؛ أي: باجتماعه.

ومن ذلك الإعطاء والإيتاء! قال الخويي: لا يكاد اللغويون يفرقون بينهما.

وظهر لي بينهما فرق ينبئ عن بلاغة كتاب الله، وهو أن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله؛ لأن الإعطاء له مطاوع، تقول: أعطاني فعطوت، ولا يقال في الإيتاء: أتاني فأتيت، وإنما يقال آتاني فأخذت.

والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له؛ لأنك تقول: قطعته فانقطع، فيدل على أن فعل الفاعل كان موقوفا على قبول في المحل، لولاه ما ثبت المفعول.

ولهذا يصح قطعته فما انقطع.

ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك، فلا يجوز: ضربته فانضرب، أو فما انضرب، ولا قتلته فانقتل ولا فما انقتل؛ لأن هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل، والفاعل مستقل بالأفعال التي لا مطاوع لها، فالإيتاء أقوى من الإعطاء.

قال: وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى، قال تعالى: تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء [آل عمران: 26]؛ لأن الملك شيء عظيم لا يعطاه إلا من له قوة، وكذا قوله: يؤتي الحكمة من يشاء [البقرة: 269] ، آتيناك سبعا من المثاني [الحجر: 87] ، لعظم القرآن وشأنه: وقال: إنا أعطيناك الكوثر [الكوثر: 1]؛ لأنه مورود في الموقف مرتحل عنه قريبا إلى منازل العز في الجنة، فعبر فيه بالإعطاء، لأنه يترك عن قرب، وينتقل إلى ما هو أعظم منه.

وكذا: يعطيك ربك فترضى [الضحى: 5] ، لما فيه من تكرر الإعطاء والزيادة إلى أن يرضى كل الرضا، وهو مفسر أيضا بالشفاعة، وهي نظير الكوثر في الانتقال بعد قضاء الحاجة منه.

وكذا: أعطى كل شيء خلقه [طه: 50] ، لتكرر حدوث ذلك باعتبار الموجودات.

حتى يعطوا الجزية، لأنها موقوفة على قبول منا، وإنما يعطونها عن كره.

[ ص: 489 ] فائدة

قال الراغب: خص دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء، نحو: أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة [البقرة: 277].

وأقام الصلاة وآتى الزكاة [البقرة: 177].

قال: وكل موضع ذكر في وصف الكتاب "آتينا" فهو أبلغ من كل موضع ذكر فيه "أوتوا"؛ لأن أوتوا قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبول.

وآتيناهم يقال فيمن كان منه قبول.

ومن ذلك السنة والعام، قال الراغب: الغالب استعمال السنة في الحول الذي فيه الشدة والجدب، ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة.

والعام ما فيه الرخاء والخصب، وبهذا تظهر النكتة في قوله: ألف سنة إلا خمسين عاما [العنكبوت: 14].

حيث عبر عن المستثنى بالعام، وعن المستثنى منه بالسنة.

قاعدة

في السؤال والجواب

الأصل في الجواب أن يكون مطابقا للسؤال إذا كان السؤال متوجها.

وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيها على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، ويسميه السكاكي الأسلوب الحكيم.

وقد يجيء الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال.

وقد يجيء أنقص لاقتضاء الحال ذلك.

مثال ما عدل عنه قوله تعالى: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [البقرة: 189] .

سألوا عن الهلال لم يبدو رقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، فأجيبوا ببيان حكمة ذلك تنبيها على أن الأهم السؤال عن ذلك لا ما سألوا عنه.

كذا قال السكاكي ومن أتى بعده، واسترسل التفتازاني في الكلام إلى أن قال: ليسوا ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة.

[ ص: 490 ] وأقول: ليت شعري من أين لهم أن السؤال وقع عن غير ما حصل الجواب به، وما المانع من أن يكون إنما وقع عن حكمة ذلك ليعلموها؛ فإن نظم الآية محتمل لذلك، كما أنه محتمل لما قالوه.

والجواب ببيان الحكمة دليل على ترجيح الاحتمال الذي قلناه، وقرينة ترشد إلى ذلك؛ إذ الأصل في الجواب المطابقة للسؤال، والخروج عن الأصل يحتاج إلى دليل، ولم يرد بإسناد لا صحيح ولا غيره أن السؤال وقع عما ذكروه، بل ورد ما يؤيد ما قلناه، فأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة، فأنزل الله: يسألونك عن الأهلة ، فهذا صريح في أنهم سألوه عن حكمة ذلك لا عن كيفيته من جهة الهيئة، ولا يظن ذو دين بالصحابة الذي هم أدق فهما، وأغزر علما، أنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة، وقد اطلع عليها آحاد العجم الذي أطبق الناس على أنهم أبلد أذهانا من العرب بكثير.

هذا لو كان للهيئة أصل معتبر، فكيف وأكثرها فاسد لا دليل عليه.

وقد صنفت كتابا في نقض أكثر مسائلها بالأدلة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي صعد إلى السماء ورآها عيانا، وعلم ما حوته من عجائب الملكوت بالمشاهدة، وأتاه الوحي من خالقها، ولو كان السؤال وقع عما ذكروه لم يمتنع أن يجابوا عنه بلفظ يصل إلى أفهامهم، كما وقع ذلك لما سألوا عن المجرة وغيرها من الملكوتيات.

نعم؛ المثال الصحيح لهذا القسم جواب موسى لفرعون حيث قال: وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما [الشعراء: 23، 24]؛ لأنه سؤال عن الماهية أو الجنس.

ولما كان هذا السؤال في حق الباري تعالى خطأ؛ لأنه لا جنس له، فيذكر ولا تدرك ذاته، عدل إلى الجواب بالصواب ببيان الوصف المرشد إلى معرفته، ولهذا تعجب فرعون من عدم مطابقته للسؤال، فقال: ألا تستمعون [الشعراء: 25]: أي: جوابه الذي لم يطابق السؤال، فأجاب موسى: ربكم ورب آبائكم الأولين [الشعراء: 26] ، المتضمن إبطال ما يعتقدونه من [ ص: 491 ] ربوبية فرعون نصا، وإن كان دخل في الأول ضمنا إغلاظا، زاد فرعون في الاستهزاء به، فلما رآهم موسى لم يتفطنوا أغلظ في الثالث بقوله: إن كنتم تعقلون [الشعراء: 28].

ومثال الزيادة في الجواب قوله تعالى: قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب [الأنعام: 64] ، في جواب: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر [الأنعام: 63].

وقول موسى: هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي [طه: 18] ، في جواب: وما تلك بيمينك يا موسى [طه: 17].

زاد في الجواب استلذاذا بخطاب الله.

وقول قوم إبراهيم: نعبد أصناما فنظل لها عاكفين [الشعراء: 71] ، في جواب: ما تعبدون [الشعراء: 70] ، زادوا في الجواب إظهارا للابتهاج بعبادتها والاستمرار على مواظبتها ليزداد غيظ السائل.

ومثال النقص منه قوله تعالى: قل ما يكون لي أن أبدله [يونس: 15] ، في جواب: ائت بقرآن غير هذا أو بدله [يونس: 15] ، أجاب عن التبديل دون الاختراع.

قال الزمخشري: لأن التبديل في إمكان البشر دون الاختراع، فطوى ذكره للتنبيه على أنه سؤال محال.

وقال غيره: التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكانه فالاختراع أولى.

تنبيه: قد يعدل عن الجواب أصلا إذا كان السائل قصده التعنيت، نحو: ويسألونك عن الروح [الإسراء: 85].

قال صاحب الإيضاح: إنما سأل اليهود تعجيزا أو تغليظا؛ إذ كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان، والقرآن، وعيسى وجبريل، وملك آخر، وصنف من الملائكة، فقصد اليهود أن يسألوه، فبأي مسمى أجابهم قالوا: ليس هو، فجاءهم الجواب مجملا، وكان هذا الإجمال كيدا يرد به كيدهم.

[ ص: 492 ] قاعدة

قيل: أصل الجواب أن يعاد فيه نفس السؤال، ليكون وفقه، نحو: أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف [يوسف: 90] ، فأنا في جوابه هو "أنت" في سؤالهم، وكذا: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا [آل عمران: 81] ، فهذا أصله، ثم إنهم أتوا عوض ذلك بحروف الجواب اختصارا وترك التكرار.

وقد يحذف السؤال ثقة بفهم السامع بتقديره، نحو: قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده [يونس: 34].

فإنه لا يستقيم أن يكون السؤال والجواب من واحد، فتعين أن يكون: قل الله جواب سؤال، فكأنهم سألوا لما سمعوا ذلك: من يبدأ الخلق ثم يعيده.

قاعدة

الأصل في الجواب أن يكون مشاكلا للسؤال، فإن كان جملة اسمية فينبغي أن يكون الجواب كذلك، ويجيء كذلك في الجواب المقدر، إلا ابن مالك قال: قولك: زيد - في جواب من قرأ: إنه من باب حذف الفعل، على جعل الجواب جملة فعلية.

قال: وإنما قدرته كذلك لا مبتدأ مع احتماله، جريا على عادتهم في الأجوبة إذا قصدوا تمامها، قال تعالى:قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس: 78، 79].

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [الزخرف: 9].

يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات [المائدة: 4].

فلما أتى بالجملة الفعلية مع فوات مشاكلة السؤال علم أن تقدير الفعل أولى.

قال ابن الزملكاني في البرهان: أطلق النحويون القول بأن زيدا في جواب من قام، فاعل على تقدير: قام زيد، والذي توجبه صناعة علم البيان أنه مبتدأ لوجهين: [ ص: 493 ] أحدهما: أنه يطابق الجملة المسؤول بها في الاسمية، كما وقع التطابق في قوله: وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا [النحل: 23] ، في الفعلية.

وإنما لم يقع التطابق في قوله: ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين [النحل: 24]؛ لأنهم لو طابقوا لكانوا مقرين بالإنزال وهم من الإذعان به على مفاوز.

الثاني: أن اللبس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل، فوجب أن يتقدم الفاعل في المعنى؛ لأنه متعلق غرض السائل.

وأما الفعل فمعلوم عنده، ولا حاجة به إلى السؤال عنه، فحري أن يقع في الأواخر التي هي محل التكملات والفضلات.

وأشكل على هذا: بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63] ، - في جواب: أأنت فعلت هذا [الأنبياء: 62] ، فإن السؤال وقع عن الفاعل لا عن الفعل؛ فإنهم لم يستفهموه عن الكسر، بل عن الكاسر، ومع ذلك صدر الجواب بالفعل.

وأجيب بأن الجواب مقدر دل عليه السياق، إذ "بل" لا يصلح أن يصدر بها الكلام، والتقدير: ما فعلته، بل فعله.

قال الشيخ عبد القاهر: ولما كان السؤال ملفوظا به فالأكثر ترك الفعل في الجواب والاقتصار على الاسم وحده، ولما كان مضمرا فالأكثر التصريح به لضعف الدلالة عليه.

ومن غير الأكثر: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال [النور: 36، 37] - في قراءة البناء للمفعول.

قاعدة

أخرج البزار عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد؛ ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن.

وأورده الإمام الرازي بلفظ أربعة عشر حرفا.

وقال: منها ثمانية في البقرة: [ ص: 494 ] وإذا سألك عبادي عني [البقرة: 186].

يسألونك عن الأهلة [البقرة: 189].

يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم [البقرة: 215].

يسألونك عن الشهر الحرام [البقرة: 217].

يسألونك عن الخمر والميسر [البقرة: 219].

ويسألونك عن اليتامى [البقرة: 220].

ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [البقرة: 219].

ويسألونك عن المحيض [البقرة: 222].

قال: والتاسع: يسألونك ماذا أحل لهم [المائدة: 4] في المائدة.

والعاشر: يسألونك عن الأنفال [الأنفال: 1].

والحادي عشر: و: يسألونك عن الساعة أيان مرساها [النازعات: 42].

والثاني عشر: ويسألونك عن الجبال [طه: 105].

والثالث عشر: ويسألونك عن الروح [الإسراء: 85].

والرابع عشر: ويسألونك عن ذي القرنين [الكهف: 83].

قلت: السائل عن الروح وذي القرنين مشركو مكة أو اليهود، كما في أسباب النزول لا الصحابة، فالخالص اثنا عشر كما صحت به الرواية.

فائدة

قال الراغب: السؤال إذا كان للتعريف تعدى إلى المفعول الثاني، تارة بنفسه، وتارة بعن، وهو أكثر، نحو: ويسألونك عن الروح [الإسراء: 85].

وإذا كان لاستدعاء مال فإنه يعدى بنفسه أو بمن، وبنفسه أكثر، نحو: وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب [الأحزاب: 53].

واسألوا ما أنفقتم [الممتحنة: 10].

واسألوا الله من فضله [النساء: 32].

قاعدة

في الخطاب بالاسم والخطاب بالفعل

الاسم يدل على الثبوت والاستمرار، والفعل يدل على التجدد والحدوث، ولا يحسن وضع أحدهما موضع الآخر، فمن ذلك قوله: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد [الكهف: 18].

[ ص: 495 ] لو قيل "يبسط" لم يؤد الغرض؛ لأنه يؤذن بمزاولة الكلب البسط، وأنه يتجدد له شيئا بعد شيء، فباسط أشعر بثبوت الصفة.

وقوله: هل من خالق غير الله يرزقكم [فاطر: 3] ، لو قيل: رازقكم لفات ما أفاده الفعل من تجدد الرزق شيئا بعد شيء، ولهذا جاء الفعل في صورة المضارع مع أن العامل الذي يفيده ماض، نحو: وجاءوا أباهم عشاء يبكون [يوسف: 16] ، إذ المراد أن يفيد صورة ما هم عليه وقت المجيء.

وأنهم آخذون في البكاء يجددونه شيئا بعد شيء، وهو المسمى حكاية الحال الماضية، وهذا هو سر الإعراض عن اسم الفاعل والمفعول، ولهذا أيضا عبر بالذين ينفقون، ولم يقل: المنفقون، كما قيل: المؤمنون والمتقون؛ لأن النفقة أمر فعلي شأنه الانقطاع والتجدد، بخلاف الإيمان، فإن له حقيقة تقوم بالقلب يدوم مقتضاها.

وكذلك التقوى والإسلام، والصبر والشكر، والهدى والضلال.

والعمى والبصر، كلها لها مسميات حقيقية أو مجازية تستمر، وآثار تتجدد وتنقطع، فجاءت بالاستعمالين.

وقال تعالى في آية الأنعام: يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي [الأنعام: 95].

قال الإمام فخر الدين: لما كان الاعتناء بإخراج الحي من الميت أشد أتى فيه بالمضارع ليدل على التجدد، كما في قوله: الله يستهزئ بهم [البقرة: 15].

تنبيهات: الأول: المراد بالتجدد في الماضي الحصول، وفي المضارع أن من شأنه أن يتكرر ويقع مرة بعد أخرى، صرح بذلك جماعة منهم الزمخشري في قوله: الله يستهزئ بهم .

قال الشيخ بهاء الدين السبكي: وبهذا يتضح الجواب عما يذكر من نحو: علم الله كذا؛ فإن علم الله لا يتجدد، وكذا سائر الصفات الدائمة التي يستعمل فيها الفعل.

[ ص: 496 ] وجوابه أن معنى علم الله كذا وقع علمه في الزمن الماضي، ولا يلزم أنه لم يكن قبل ذلك، فإن العلم في زمن ماض أعم من المستمر على الدوام قبل ذلك الزمن وبعده وغيره، ولهذا قال تعالى -حكاية عن إبراهيم: الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين [الشعراء: 78، 79] ، الآيات.

فأتى بالماضي في الخلق؛ لأنه مفروغ منه، وبالمضارع في الهداية والإطعام والإسقاء والشفاء، لأنها متكررة متجددة تقع مرة بعد أخرى.

الثاني: مضمر الفعل فيما ذكر كمظهره، ولهذا قالوا: إن سلام الخليل أبلغ من سلام الملائكة حيث: قالوا سلاما قال سلام [هود: 69] ، فإن نصب سلاما إنما يكون على إرادة الفعل، أي: سلمنا سلاما.

وهذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم؛ إذ الفعل متأخر عن وجود الفاعل، بخلاف سلام إبراهيم، فإنه مرتفع بالابتداء، فاقتضى الثبوت على الإطلاق؛ وهو أولى مما يعرض له الثبوت، فكأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به.

الثالث: ما ذكرناه من دلالة الاسم على الثبوت والفعل على التجدد والحدوث هو المشهور عند أهل البيان، وقد أنكره أبو المطرف بن عميرة في كتاب التمويهات على التبيان لابن الزملكاني، وقال: إنه غريب لا مستند له؛ فإن الاسم إنما يدل على معناه فقط، أما كونه يثبت المعنى للشيء فلا، ثم أورد قوله تعالى: ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون [المؤمنون: 15، 16].

وقوله: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون [المؤمنون: 57، 58].

وقال ابن المنير: طريقة العربية تلوين الكلام، ومجيء الفعلية تارة والاسمية أخرى من غير تكلف لما ذكروه، وقد رأينا الجملة الفعلية تصدر من الأقوياء الخلص اعتمادا على أن المقصود حاصل بدون التأكيد، نحو: ربنا آمنا [آل عمران: 53] ، ولا شيء بعد آمن الرسول [البقرة: 285].

وقد جاء التأكيد في كلام المنافقين، فقالوا: إنما نحن مصلحون [البقرة: 11].

[ ص: 497 ] قاعدة

في المصدر

قال ابن عطية: سبيل الواجبات الإتيان بالمصدر مرفوعا، كقوله: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة: 229].

فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان [البقرة: 178].

وسبيل المندوبات الإتيان به منصوبا، كقوله: فضرب الرقاب [محمد: 4] ، ولهذا اختلفوا: هل كانت الوصية للزوجات واجبة لاختلاف القراءة في قوله تعالى: وصية لأزواجهم [البقرة: 240] - بالرفع والنصب.

قال أبو حيان: والأصل في هذه التفرقة قوله تعالى: قالوا سلاما قال سلام [هود: 69] ؛ فإن الأول مندوب، والثاني واجب، والنكتة في ذلك أن الجملة الاسمية أوكد وأثبت من الفعلية.

قاعدة

في العطف

هو ثلاثة أقسام: عطف على اللفظ، وهو الأصل، وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف.

وعطف على المحل، وله شروط ثلاثة: أحدها: إمكان ظهور ذلك المحل في الفصيح، فلا يجوز: مررت بزيد وعمرا؛ لأنه لا يجوز: مررت زيدا.

الثاني: أن يكون الموضع بحق الأصالة، فلا يجوز: هذا الضارب زيدا وأخيه؛ لأن الأصل المستوفي لشروط العمل، والأصل إعماله لا إضافته.

[ ص: 498 ] الثالث: وجود المحرز، أي الطالب لذلك المحل، فلا يجوز: إن زيدا وعمرا قاعدان؛ لأن الطالب لرفع عمرو هو الابتداء، وقد زال بدخول "إن".

وخالف في الشرط الكسائي مستدلا بقوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون [المائدة: 69].

وأجيب بأن خبر: " إن " فيها محذوف؛ أي: مأجورون، أو آمنون، ولا تختص مراعاة الموضع بأن يكون عامل اللفظ زائدا.

وقد أجاز الفارسي في قوله: وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة [هود: 60] .

أن يكون "يوم القيامة" عطفا على محل هذه.

وعطف التوهم، نحو: ليس زيد قائما ولا قاعد -بالخفض، على توهم دخول الباء في الخبر.

وشرط جوازه صحة دخول ذلك العامل المتوهم، وشرط حسنه كثرة دخوله هناك.

وقد وقع هذا العطف في المجرور في قول زهير:


بدا لي أني لست مدرك ما مضى     ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

وفي المجزوم في قراءة غير أبي عمرو: لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن [المنافقون: 10] ، خرجه الخليل وسيبويه على أنه عطف على التوهم؛ لأن معنى: لولا أخرتني ... فأصدق ومعنى أخرني أصدق واحد.

وقراءة قنبل: إنه من يتق ويصبر [يوسف: 90].

خرجه الفارسي عليه؛ لأن من الموصولة فيها معنى الشرط.

وفي المنصوب في قراءة حمزة وابن عامر: ومن وراء إسحاق يعقوب [هود: 71].

وقال بعضهم في قوله تعالى: وحفظا من كل شيطان [الصافات: 7]: إنه عطف على معنى: إنا زينا السماء الدنيا [الصافات: 6] ، وهو إنا خلقنا الكواكب في السماء الدنيا زينة للسماء.

وقال بعضهم في قراءة: "ودوا لو تدهن فيدهنوا" [القلم: 9].

إنه على معنى: ودوا أن تدهن.

وقيل: في قراءة حفص: لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع [غافر: 36، 37] [ ص: 499 ] - بالنصب: إنه عطف على معنى: لعلي أن أبلغ؛ لأن خبر لعل يقترن بأن كثيرا.

وقيل: في قوله تعالى: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم [الروم: 46]: إنه على تقدير: ليبشركم وليذيقكم.

تنبيه: ظن ابن مالك أن المراد التوهم الغلط، وليس كذلك، كما نبه عليه أبو حيان وابن هشام، بل هو مقصود صواب، والمراد منه عطف على المعنى، أي: جوز العربي في ذهنه ملاحظة ذلك المعنى في المعطوف عليه، لا أنه غلط في ذلك، ولهذا كان الأدب أن يقال في مثل ذلك في القرآن: إنه عطف على المعنى.

مسألة

اختلف في جواز عطف الخبر على الإنشاء وعكسه، فمنعه البيانيون وابن مالك وابن عصفور، ونقله عن الأكثرين، وأجازه الصفار وجماعة مستدلين بقوله تعالى: وبشر الذين آمنوا في سورة البقرة: [25] .

وبشر المؤمنين في سورة الصف [13].

وقال الزمخشري في الأولى: ليس المعتمد بالعطف الأمر حتى يطلب له مشاكل، بل المراد عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة ثواب الكافرين.

وفي الثانية: أن العطف على تؤمنون؛ لأنه بمعنى آمنوا.

ورد بأن الخطاب به للمؤمنين وب: "بشر" للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبأن الظاهر في: " يؤمنون " أنه تفسير للتجارة لا طلب.

وقال السكاكي: الأمران معطوفان على "قل" مقدرة قبل: يا أيها، وحذف القول كثير.

مسألة

اختلف في جواز عطف الاسمية على الفعلية وعكسه، فالجمهور على الجواز.

وبعضهم على المنع، ولقد لهج به الرازي في تفسيره كثيرا، ورد به على الحنفية [ ص: 500 ] القائلين بتحريم أكل متروك التسمية أخذا من قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق [الأنعام: 121].

فقال: هي حجة للجواز لا للحرمة؛ وذلك أن الواو ليست عاطفة لتخالف الجملتين بالاسمية والفعلية، ولا للاستئناف؛ لأن أصل الواو أن تربط ما بعدها بما قبلها، فبقي أن تكون للحال، فتكون جملة الحال مقيدة للنهي.

والمعنى: لا تأكلوا منه في حال كونه فسقا.

ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقا، والفسق قد فسره الله تعالى بقوله: أو فسقا أهل لغير الله به [الأنعام: 145].

فالمعنى: لا تأكلوا منه إذا سمي عليه غير الله.

ومفهومه: فكلوا منه إذا لم يسم عليه غير الله تعالى.

قال ابن هشام: ولو أبطل العطف بتخالف الجملتين بالإنشاء والخبر لكان صوابا.

مسألة

اختلف في جواز العطف على معمولي عاملين، فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال المبرد وابن السراج وابن هشام.

وجوزه الأخفش والكسائي والزجاج.

وخرج عليه قوله تعالى: إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون إلى قوله: وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون [الجاثية: 3-5].

فيمن نصب آيات الأخيرة.

مسألة

اختلف في جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، فالجمهور من البصريين على المنع، وبعضهم والكوفيون على الجواز، وخرج عليه قراءة حمزة: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام [النساء: 1].

وقال أبو حيان في قوله: وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام [البقرة: 217]: إن المسجد معطوف على ضمير به، وإن لم يعد الجار.

قال: والذي نختاره جواز ذلك، لوروده في كلام العرب كثيرا نظما ونثرا، قال: ولسنا متعبدين باتباع جمهور البصريين، بل نتبع الدليل.

والله الموفق.