الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في التقديم والتأخير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 106 ]

التقديم والتأخير

فصل

القول في التقديم والتأخير

98- هو باب كثير الفوائد جم المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية . لا يزال يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة . ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء، وحول اللفظ عن مكان إلى مكان.

99- واعلم أن تقديم الشيء على وجهين :

تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل كقولك : " منطلق زيد " و " ضرب عمرا زيد " . معلوم أن " منطلق " " وعمرا " لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه، من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله . كما يكون إذا أخرت.

وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، وتجعل له بابا غير بابه، وإعرابا غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين [ ص: 107 ] يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا . ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، حيث تقول مرة : زيد المنطلق . وأخرى : المنطلق زيد . فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ . وكذلك لم تؤخر زيدا على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا .

وأظهر من هذا قولنا : ضربت زيدا وزيد ضربته . لم تقدم زيدا على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره وتجعله في موضع الخبر له، وإذ قد عرفت هذا التقسيم فإني أتبعه بجملة من الشرح .

التقديم للعناية والاهتمام

واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية والاهتمام . قال صاحب " الكتاب " وهو يذكر الفاعل والمفعول : " كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم " . ولم يذكر في ذلك مثالا .

وقال النحويون : إن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيث ويفسد ويكثر به الأذى، أنهم يريدون قتله [ ص: 108 ] ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء، فإذا قتل وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول : قتل الخارجي زيد . ولا يقول : قتل زيد الخارجي . لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له زيد جدوى وفائدة . فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه متى يكون، وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه.

ثم قالوا : فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أنه يقتل فقتل رجلا وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول : قتل زيد رجلا، ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته وموضع الندرة فيه وبعده كان من الظن . ومعلوم أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا بالذي وقع به، ولكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه. فهذا جيد بالغ . إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير .

لا يكفي أن يقال قدم للعناية

101 - وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال : إنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم، من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية؟ وبم كان أهم؟ ولتخيلهم ذلك قد صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم وهونوا الخطب فيه . حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربا من التكلف . ولم تر ظنا أزرى على صاحبه من هذا وشبهه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث