الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفروق في الخبر نكت أخرى للتعريف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 182 ]

الفروق في الخبر- نكت أخرى للتعريف



أراد أن يثبت العبودية، ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفا بها ، ولو قال : " ووالدك عبد " لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة . وعلى ذلك قول الآخر :


أسود إذا ما أبدت الحرب نابها وفي سائر الدهر الغيوث المواطر



الوجه الرابع في الخبر المعرف بالألف واللام وهو مسلك دقيق وأمثلته وهو الموهوم

199- واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك ، وله مسلك ثم دقيق ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال " يعرف وينكر " وذلك قولك : " هو البطل المحامي " و " هو المتقى المرتجى " . وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يعلم أنه ممن كان كما مضى في قولك : " زيد هو المنطلق " . ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك : " زيد هو الشجاع " ولا أن تقول: " ظاهر أنه بهذه الصفة " كما كان في قوله: " ووالدك العبد " ولكنك تريد أن تقول لصاحبك : هل سمعت بالبطل المحامي؟ وهل حصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علما، وتصورته حق تصوره فعليك صاحبك واشدد به يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك : " هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه " .

[ ص: 183 ]

ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف كقول ابن الرومي :


هو الرجل المشروك في جل ماله     ولكنه بالمجد والحمد مفرد



تقديره: كأنه يقول للسامع : فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاءوا منه . فإذا حصلت صورته في نفسك فاعلم أنه ذلك الرجل .

وهذا فن عجيب الشأن وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل . فإذا علمت أنه لا يريد بقوله : " الرجل المشروك في جل ماله " أن يقول هو الذي بلغك حديثه، وعرفت من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله على حد قولك : هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا، والذي وهب المائة المصطفاة من الإبل . ولا أن يقول إنه على معنى : " هو الكامل في هذه الصفة " حتى كأن هاهنا أقواما يشركون في جل أموالهم إلا أنه في ذلك أكمل وأتم ؛ لأن ذلك لا يتصور . وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل . كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك- ولو قيل : " الذي يشرك في ماله " جاز أن يتفاوت . وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث، وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول [ ص: 184 ] للمخاطب : ضع في نفسك معنى قولك " رجل مشروك في جل ماله " . ثم تأمل فلانا فإنك تستملي هذه الصورة منه وتجده يؤديها لك نصا ويأتيك بها كملا .

202- وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء فاسمع قوله :


أنا الرجل المدعو عاشق فقره     إذا لم تكارمني صروف زماني



وإن أردت أعجب من ذلك فقوله :


أهدى إلي أبو الحسين يدا     أرجو الثواب بها لديه غدا


وكذاك عادات الكريم إذا     أولى يدا حسبت عليه يدا


إن كان يحسد نفسه أحد     فلأزعمنك ذلك الأحدا



فهذا كله على معنى الوهم والتقدير وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم .

" الذي " ومجيئها في الخبر الموهوم

203- وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من " الذي " فإنه يجيء كثيرا على أنك تقدر شيئا في وهمك ثم تعبر عنه بالذي . ومثال ذلك قوله :


أخوك الذي إن تدعه لملمة     يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب



[ ص: 185 ]

وقول الآخر :


أخوك الذي إن أربته قال : إنما     أربت وإن عاتبته لان جانبه



فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يعن في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة، فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه حتى كأنك قلت : أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يجبك .

204- ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل جرى على ما يوصف بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنى: : " هذا هو الذي لا يكون " و " هذا ما لا يدخل في الوجود " . وكقوله :


ما لا يكون فلا يكون بحيلة     أبدا وما هو كائن سيكون



ومن لطيف هذا الباب قوله :


وإني لمشتاق إلى ظل صاحب     يروق ويصفو إن كدرت عليه



قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا، ولذلك قال المأمون: " خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب " . فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم .

[ ص: 186 ]

الفرق بين " المنطلق زيد " و " زيد المنطلق " والمبتدأ والخبر معرفتان

205- وأما قولنا : " المنطلق زيد " والفرق بينه وبين أن تقول : " زيد المنطلق " فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد ، فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر .

وبيانه أنك إذا قلت : " زيد المنطلق " . فأنت في حديث انطلاق قد كان وعرف السامع كونه . إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو ؟ فإذا قلت : " زيد المنطلق " أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز .

وليس كذلك إذا قدمت " المنطلق " فقلت : " المنطلق زيد " بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو ، فقال لك صاحبك : " المنطلق زيد " أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد .

وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديما ثم بعد عهدك به فتناسيته، فيقال لك : " اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت ! " ولا يكون الغرض أن يثبت له لبس الديباج، لاستحالة ذلك من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له .

[ ص: 187 ] فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدئ به فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرا، فاعلم أن الغرض هناك، غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا كقولك : زيد المنطلق .

اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا

206- واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتى يظن أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير . ومما يوهم ذلك قول النحويين في باب كان : إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيهما شئت اسما والآخر خبرا كقولك : " كان زيد أخاك " و " كان أخوك زيدا " . فيظن من هاهنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن تبدأ بهذا وتثني بذاك . وحتى كأن الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر وما يوضع لهما في المنزلة في التقدم والتأخر، يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معا معرفتين .

207- ومما يوهم ذلك أنك تقول : " الأمير زيد " " وجئتك والخليفة عبد الملك " فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا قلت : " زيد الأمير " و " عبد الملك الخليفة " . وتقوله لمن لا يشاهد، ومن هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة .

وهكذا من يتوهم في نحو قوله :

[ ص: 188 ]


أبوك حباب سارق الضيف برده     وجدي يا حجاج فارس شمرا



أنه لا فصل بينه وبين أن يقال : " حباب أبوك وفارس شمر جدي . " وهو موضع غامض .

والذي يبين وجه الصواب، ويدل على وجوب الفرق بين المسألتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه هو الأعم الأكثر .

208- وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما قدمت لك من قولك : " اللابس الديباج زيد " وأنت تشير له إلى رجل بين يديه . ثم انظر إلى قول العرب : " ليس الطيب إلا المسك " وقول جرير :


ألستم خير من ركب المطايا



ونحو قول المتنبي :


ألست ابن الألى سعدوا وسادوا



[ ص: 189 ]

وأشباه ذلك مما لا يحصى ولا يعد - وأرد المعنى على أن يسلم لك مع قلب طرفي الجملة وقل : " ليس المسك إلا الطيب " . و : " أليس خير من ركب المطايا إياكم؟ " و : " أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إياك؟ " تعلم أن الأمر على ما عرفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير .

المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك

209- وهاهنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا، وهي أن المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ، بل كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت له المعنى، والخبر خبرا لأنه مسند ومثبت به المعنى .

تفسير ذلك: أنك إذا قلت : " زيد منطلق " فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته إليه . فزيد مثبت له ومنطلق مثبت به، . وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظا فحكم واجب من هذه الجهة أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ويسند إليه، والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند، ولو كان المبتدأ مبتدأ لأنه في اللفظ مقدم مبدوء به لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال : " منطلق زيد " ، ولوجب أن يكون قولهم : " إن الخبر مقدم في اللفظ والنية به التأخير " محالا . وإذا كان هذا كذلك ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما مبتدأ وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول . فإذا قلت : " زيد أخوك " كنت قد أثبت ب " أخوك " معنى لزيد . وإذا قدمت وأخرت فقلت : [ ص: 190 ] " أخوك زيد " وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى ل " أخوك " وإلا كان تسميتك له الآن مبتدأ وإذ ذاك خبرا، تغييرا للاسم عليه من غير معنى، ولأدى إلى أن لا يكون لقولهم : " المبتدأ والخبر " فائدة غير أن يتقدم اسم في اللفظ على اسم من غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه. وذلك مما لا يشك في سقوطه.

ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى - إذا جئت بمعرفتين ثم جعلت هذا مبتدأ وذاك خبرا تارة وتارة بالعكس - قولهم : " الحبيب أنت " و " أنت الحبيب " وذاك أن معنى " الحبيب أنت " أنه لا فصل بينك وبين من تحبه إذا صدقت المحبة، وأن مثل المتحابين مثل نفس يقتسمها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال : " الحبيب أنت إلا أنه غيرك " فهذا - كما ترى - فرق لطيف ونكتة شريفة . ولو حاولت أن تفيدها بقولك : " أنت الحبيب " حاولت ما لا يصح . لأن الذي يعقل من قولك : " أنت الحبيب " هو ما عناه المتنبي في قوله :


أنت الحبيب ولكني أعوذ به     من أن أكون محبا غير محبوب



ولا يخفى بعد ما بين الغرضين، فالمعنى في قولك : " أنت الحبيب " أنك الذي أختصه بالمحبة من بين الناس . وإذا كان كذلك عرفت أن الفرق واجب أبدا وأنه لا يجوز أن يكون " أخوك زيد " و " زيد أخوك " بمعنى واحد .

[ ص: 191 ]

211- وهاهنا شيء يجب النظر فيه، وهو أن قولك : " أنت الحبيب " كقولنا : " أنت الشجاع " تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة ، أم كقولنا : " زيد المنطلق " تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يحتمل أن يكون كقولنا : أنت الشجاع لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب . كما أن المعنى في " هو الشجاع " أنه لا شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده وما هو شجاع به، وذلك محال .

212- وأمر آخر وهو أن الحبيب ( فعيل ) بمعنى مفعول . فالمحبة إذن ليست هي له بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره قد لابسته وتعلقت به تعلق الفعل بالمفعول . والصفة إذا وصفت بكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له، دون من تلابسه ملابسة المفعول . وإذا كان كذلك؛ بعد أن تقول : " أنت المحبوب " على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا ، كما أن بعيدا أن يقال " هو المضروب " على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا . وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور هاهنا، وذلك أن يقال مثلا : " زيد هو المظلوم " على معنى أنه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة والشناعة الظلم الذي لحقه، فصار كل ظلم سواه عدلا في جنبه . ولا يجيء هذا التأويل في قولنا : " أنت الحبيب " لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا : إن أحدا لم يحب أحدا محبتي لك ، وأن ذلك قد أبطل [ ص: 192 ] المحبات كلها حتى صرت الذي لا يعقل للمحبة معنى إلا فيه . وإنما الذي يريدون أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبة مني .

213- وإذا كان كذلك بان أنه لا يكون بمنزلة " أنت الشجاع " . تريد الذي يتكامل الوصف فيه . إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين " أنت الحبيب " وبين " زيد المنطلق " فرقا وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفا من الجنسية من حيث كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، ولم تعمد إلى محبة واحدة من محباتك . ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك : " أنت الحبيب " أنك لا تحب غيره وأن لا محبة لأحد سواه عندك ولا يتصور هذا في " زيد المنطلق " لأنه لا وجه هناك للجنسية إذ ليس ثم إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه كان، واحتاج أن يعين له الذي كان منه وينص له عليه . فإن قلت : " زيد المنطلق في حاجتك " تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في " أنت الحبيب " .

أسماء الأجناس والمصادر تتنوع إذا وصفت

214- وهاهنا أصل يجب أن تحكمه وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت أن تتنوع بالصفة، فيصير " الرجل " الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت : " رجل ظريف "، و " رجل طويل " ، و " رجل قصير "، و " رجل شاعر " و " رجل كاتب " أنواعا مختلفة يعد كل نوع منها شيئا على حدة . وتستأنف في اسم " الرجل " بكل صفة تقرنها إليه جنسية .

[ ص: 193 ]

215- وهكذا القول في " المصادر " تقول : " العلم " و " الجهل " و " الضرب " و " القتل " و " السير " و " القيام " و " القعود " ، فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل والفرس والحمار . فإذا وصفت فقلت : " علم كذا " و " علم كذا " كقولك : " علم ضروري " و " علم مكتسب " و " علم جلي " و " علم خفي " و " ضرب شديد " و " ضرب خفيف " و " سير سريع " و " سير بطيء " وما شاكل ذلك ، انقسم الجنس منها أقساما وصار أنواعا، وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلف تفرقه فرقا وتشعبه شعبا . وهذا مذهب معروف عندهم، وأصل متعارف في كل جيل وأمة .

المصادر تتفرق بالصلة كما تتفرق بالصفة

216- ثم إن هاهنا أصلا هو كالمتفرع على هذا الأصل أو كالنظير له ، وهو أن من شأن " المصدر " أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات .

ومعنى هذا الكلام أنك تقول : " الضرب " فتراه جنسا واحدا فإذا قلت : " الضرب بالسيف " صار بتعديتك له إلى السيف، نوعا مخصوصا . " ألا تراك تقول : الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا " تريد أنهما نوعان مختلفان وأن اجتماعهما في اسم الضرب لا يوجب اتفاقهما، لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما . ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي :


وتوهموا اللعب الوغى والطعن في     الهيجاء غير الطعن في الميدان



[ ص: 194 ]

لولا أن اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه، وأن يحدث فيه انقسام وتنوع، لما كان لهذا الكلام معنى، ولكان في الاستحالة كقولك : و " الطعن غير الطعن " . فقد بان إذن أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير الآخر بأن كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدان .

وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه " المصدر " وتعلق به . فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه . وأن يكون المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ذاك . وعلى ذلك تقول : ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل . وهكذا إذا عديته إلى الحال كقولك : " ليس إعطاؤك معسرا كإعطائك موسرا " . و " ليس بذلك وأنت مقل " كبذلك وأنت مكثر " .

الاسم المشتق أيضا يتفرق بالصلة

217- وإذ قد عرفت هذا من حكم المصدر فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه.

وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك : " هو الوفي حين لا يفي أحد " ، و " هو الواهب المائة المصطفاة " . وقوله :


وهو الضارب الكتيبة والطعنة     تغلو، والضرب أغلى وأغلى



وأشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت : " أنت الشجاع ".

وكما أنك لا تقصد بقولك : " أنت الشجاع " إلى شجاعة بعينها قد [ ص: 195 ] كانت وعرفت من إنسان . وأردت أن تعرف ممن كانت بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه ولا تجعل لأحد غيره فيه حظا . كذلك لا تقصد بقولك : " أنت الوفي حين لا يفي أحد " إلى وفاء واحد كيف وأنت تقول : " حين لا يفي أحد " .

وهكذا محال أن يقصد في قوله : " هو الواهب المائة المصطفاة " إلى هبة واحدة لأنه يقتضي أن يقصد إلى مائة من الإبل قد وهبها مرة، ثم لم يعد لمثلها . ومعلوم أنه خلاف الغرض . لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المائة أبدا والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ، كما تقول : " هو الذي يعطي مادحه الألف والألفين " وكقوله :


وحاتم الطائي وهاب المئى



وذلك أوضح من أن يخفى .

الألف واللام الدالة على الجنسية لها مذهب في الخبر غيره في المبتدأ ووجوه هذا المعنى

218- وأصل آخر: وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير مذهبها وهو مبتدأ .

[ ص: 196 ]

تفسير هذا أنا وإن قلنا : إن اللام في قولك : " أنت الشجاع " للجنس كما هو له في قولهم : " الشجاع موقى والجبان ملقى " فإن الفرق بينهما عظيم . وذلك أن المعنى في قولك : " الشجاع موقى " أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة ، فهو في معنى قولك : الشجعان كلهم موقون . ولست أقول : إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظن كثير من الناس ولكني أريد أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشمله وتشيع فيه . وأما في قولك : " أنت الشجاع " فلا معنى فيه للاستغراق إذ لست تريد أن تقول : " أنت الشجعان كلهم " حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم : " أنت الخلق كلهم " وأنت العالم . كما قال :


وليس لله بمستنكر     أن يجمع العالم في واحد



219- ولكن لحديث الجنسية هاهنا مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنك تعمد بها إلى المصدر المشتق منه الصفة وتوجهها إليه، لا إلى نفس الصفة . ثم لك في توجيهها إليه مسلك دقيق . وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له وتوجدها فيه، ولا أن تقول : إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم - هذا كله محال بل المعنى على أنك تقول : كنا قد عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها وما هي؟ وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على [ ص: 197 ] الكمال واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه . حتى إذا صرنا إلى المخاطب وجدناه قد استكمل هذه الصفة واستجمع شرائطها وأخلص جوهرها ورسخ فيه سنخها . ويبين لك أن الأمر كذلك، اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الموصوفين بالشجاعة لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه، وأن لا يخالطها ما يقدح فيها . وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض، فالغرض إذن بقولنا : " أنت الشجاع " هو الغرض بقولهم : هذه هي الشجاعة على الحقيقة، وما عداها جبن . وهكذا يكون العلم وما عداه تخيل . وهذا هو الشعر وما سواه فليس بشيء، وذلك أظهر من أن يخفى وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون : أنت الشجاع : بمعنى أنك كأنك جميع الشجعان على حد : " أنت الخلق كلهم " . وهو أنك في قولك : أنت الخلق وأنت الناس كلهم وقد جمع العالم منك في واحد تدعي له جميع المعاني الشريفة المتفرقة في الناس من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس بل على أن تدعي له أمثالها .

ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل : إنه معدود بألف رجل فلست [ ص: 198 ] تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه . بل تريد أنه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا ما لا تجد مقداره مفرقا إلا في ألف رجل . وأما في نحو : " أنت الشجاع " فإنك تدعي له أنه قد انفرد بحقيقة الشجاعة، وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد حتى صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأن كل إقدام إحجام وكل قوة عرفت في الحرب ضعف وعلى ذلك قالوا : " جاد حتى بخل كل جواد، وحتى منع أن يستحق اسم الجواد أحد " : كما قال :


وأنك لا تجود على جواد     هباتك أن يلقب بالجواد



وكما يقال : " جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود وحتى كأن قد كذب الواصفون الغيث بالجود " . كما قال :


أعطيت حتى تركت الريح حاسرة     وجدت حتى كأن الغيث لم يجد



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث