الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( و ) الخامس من الشروط ( إسماع أربعين كاملين ) بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثين سواه ولأن مقصودها وعظهم وهو لا يحصل إلا بذلك ، فعلم أنه يشترط الإسماع والسماع بالقوة [ ص: 319 ] لا بالفعل ، إذ لو كان سماعهم بالفعل واجبا لكان الإنصات متحتما ، فلا يكفي الإسرار كالأذان ولا إسماع دون أربعين ولا من لا تنعقد به ، وقضية كلامهم أنه يشترط في الخطيب إذا كان من الأربعين أن يسمع نفسه حتى لو كان أصم لم يكف وهو كما قال الإسنوي بعيد ، بل لا معنى له فإنه يعلم ما يقوله وإن لم يسمعه ، ولا معنى لأمره بالإنصات لنفسه ، وما بحثه الزركشي من اشتراط معرفة الخطيب أركان الخطبة رد بأن الوجه خلافه كمن يؤم بالقوم ولا يعرف معنى الفاتحة ، ولو شك الخطيب بعد الفراغ من خطبته في ترك شيء من فرائضها لم يؤثر كالشك في ترك ركن بعد فراغه من الصلاة خلافا للروياني .

( والجديد أنه لا يحرم عليهم ) يعني الحاضرين سمعوا أو لا ، ويصح أن يرجع الضمير للأربعين الكاملين ، ويستفاد عدم الحرمة على مثلهم وغيره بالمساواة أو الأولى ، ولا يرد عليه تفصيل القديم فيهم لأنه مفهوم ( الكلام ) لما صح { أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب : يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا ، فرفع يديه ودعا ; وأن رجلا آخر قال : متى الساعة ؟ فأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما أعددت لها ؟ قال : حب الله ورسوله ، قال : إنك مع من أحببت } فلم ينكر عليه الكلام ، ولم يبين له وجوب السكوت ، والأمر في الآية للندب ، وما اعترض به الاستدلال بذلك من احتمال أن المتكلم تكلم قبل أن يستقر في موضع ولا حرمة حينئذ قطعا ، أو قبل الخطبة ، أو أنه معذور لجهله يرد بأنها واقعة قولية والاحتمال يعمها ، وإنما الذي يسقط باحتمال الواقعة الفعلية كما هو مقرر في محله . لا يقال بل هي فعلية لأنه إنما أقره بعدم إنكاره عليه لأنا نمنع ذلك ، بل جوابه له قول متضمن لجواز سؤاله على [ ص: 320 ] أي حالة كانت فهي قولية بهذا الاعتبار . نعم يكره الكلام لخبر مسلم { إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت } ومعناه : تركت الأدب جمعا بين الأدلة ، ولا يختص ذلك بالأربعين بل سائر الحاضرين فيه سواء .

نعم الأولى لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر ، ولا يكره الكلام قبل الخطبة ولو بعد الجلوس على المنبر ولا بعدها ولا بين الخطبتين ، ولا كلام الداخل إلا إذا اتخذ له مكانا واستقر فيه ، لأنه قبل ذلك يحتاج إلى الكلام غالبا ، ومقتضى كلام الروضة أنه يباح من غير كراهة لمستمع الخطيب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويرفع بها صوته إذا سمع ذكره صلى الله عليه وسلم ، لكن صرح القاضي أبو الطيب بكراهته لأنه يقطع الاستماع ، ولعل مراده بها خلاف الأولى . قال الأذرعي : والرفع البليغ كما يفعله بعض العوام بدعة منكرة ، والقديم يحرم الكلام ، ويجب الإنصات ، ولا يحرم الكلام على الخطيب قطعا . ومحل الخلاف في كلام لا يتعلق به غرض مهم ناجز ، فإن تعلق به ذلك كما لو رأى أعمى يقع في بئر أو عقربا تدب على إنسان فأنذره ، أو علم إنسانا شيئا من الخير ، أو نهاه عن منكرلم يكن حراما قطعا بل قد يجب عليه ، لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت ( ويسن ) إقبالهم عليه بوجوههم عملا بالأدب ولما فيه من توجيههم القبلة و ( الإنصات ) له لما مر { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } ورد في الخطبة كما ذكره كثير من المفسرين بل أكثرهم وسميت قرآنا لاشتمالها عليه ، ولم يذكر الاستماع مع الإنصات كغيره على وزان الآية لأنه قد يستلزم وإن كان بينهما [ ص: 321 ] عموم وخصوص من وجه ، إذ الإنصات السكوت ، والاستماع شغل السمع بالسماع .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : إسماع أربعين كاملين ) أي في آن واحد كما يظهر ، حتى لو سمع بعض الأربعين بعض الأركان ثم انصرف وحضر غيره وأعادها له لا يكفي ، لأن كلا من الإسماعين لدون الأربعين فيقع لغوا . ونقل بالدرس عن فتاوى شيخ الإسلام ما يوافقه فليراجع ( قوله : بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما ) مفهومه أنه لا يضر الإسرار بغير الأركان . وينبغي أن محله إذا لم يطل به الفصل وإلا ضر لقطعه الموالاة كالسكوت ( قوله : والسماع بالقوة ) [ ص: 319 ] أي بحيث لو أصغى لسمع ومنه يؤخذ أن من نعس وقت الخطبة بحيث لا يسمع أصلا لا يعتد بحضوره ( قوله : لا بالفعل ) خلافا لحج ( قوله : وهو كما قال الإسنوي بعيد ) أي فلا فرق بين كونه أصم أو سميعا وهو المعتمد ( قوله : من اشتراط معرفة الخطيب ) أي معرفة معانيها كما يشعر به قوله كمن يؤم بالقوم إلخ فلا ينافي ما مر عن سم من أنه يأتي في اعتبار التمييز بين الأركان وغيرها هنا ما مر إلخ ( قوله : في ترك شيء من فرائضها لم يؤثر ) مفهومه أنه يؤثر إذا شك في أثناء الثانية بعد فراغ الأولى أو في الجلوس بينهما في ترك شيء من الأولى ، ويؤيده ما سيأتي فيما لو أحدث في أثناء الخطبة من الضرر وبقي ما لو علم ترك ركن ولم يدر هل هو من الأولى أم من الثانية ، هل تجب إعادتها أم إعادة الثانية فقط ؟ فيه نظر ، والأقرب أنه يجلس ثم يأتي بالخطبة الثانية لاحتمال أن يكون المتروك من الأولى فيكون جلوسه لغوا فتكمل بالثانية ويجعل مجموعهما خطبة واحدة فيجلس بعدها ويأتي بالثانية ، وبتقدير كون المتروك من الثانية فالجلوس بعدها لا يضر ، لأن غايته أنه جلوس في الخطبة وهو لا يضر ، وما يأتي به بعده تكرير لما أتى به من الخطبة الثانية واستدراك لما تركه منها ( قوله : ولا يرد عليه تفصيل القديم ) لم يأت له تفصيل في حكايته الآتية ، ولعله يقول : يحرم على الأربعين لا على من زاد عليهم ( قوله : لأنه مفهوم ) أي والمفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض به ( قوله : وأن رجلا ) هو سليك الغطفاني ، كذا بهامش عن خصائص الجمعة للسيوطي ( قوله : حب الله ورسوله ) هو بالنصب بتقدير أعددت ، ويجوز رفعه على أنه مبتدأ حذف خبره . والمعنى : حب الله ورسوله أعددته لها ، لكن الأول أولى لأن الجواب يقدر معه ما ذكر في السؤال ( قوله : والاحتمال يعمها ) أي [ ص: 320 ] يصيرها عامة ( قوله : لخبر مسلم : إذا قلت لصاحبك إلخ ) رواية البخاري { إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت } ولفظ رواية النسائي { من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا } ( قوله : أن يشتغل بالتلاوة والذكر ) أي بل ينبغي أن يقال : إن الأفضل له اشتغاله بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مقدما على التلاوة لغير سورة الكهف والذكر ، لأنها شعار اليوم ( قوله إذا سمع ذكره ) ظاهره أنه لا فرق بين سماعه من الخطيب ومن غيره ، وعبارة عميرة في آخر الفصل الآتي : ولمستمع الخطيب إذا ذكر النبي أن يرفع صوته بالصلاة عليه .

قال في شرح الروض : وقضية تعبيرهم هذا أنه مباح مستوي الطرفين ثم قال إنه خلاف الأولى محافظة على الاستماع ( قوله : خلاف الأولى ) قال حج : الرفع بها من غير مبالغة سنة ( قوله : ويسن إقبالهم ) [ فائدة ] لو كلم شافعي مالكيا وقت الخطبة فهل يحرم عليه كما لو لعب الشافعي مع الحنفي الشطرنج لإعانته له على المعصية أو لا الأقرب عدم الحرمة ، ويفرق بينهما بأن لعب الشطرنج لما لم يتأت إلا منهما كان الشافعي كالملجئ له ، بخلافه في مسألتنا فإنه حيث أجابه المالكي وتكلم معه كان اختياره لتمكنه من أن لا يجيبه ، ويؤخذ منه أنه لو كان إذا لم يجبه لحصل له منه ضرر لكون الشافعي المكلم أميرا أو ذا سطوة يحرم عليه ، لكن لا من جهة الكلام بل من جهة الإكراه على المعصية فليتأمل ( قوله : بوجوههم ) أي وإن لم ينظروا له ، وهل يسن النظر إليه أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني أخذا مما وجهوا به حرمة أذان المرأة يسن النظر للمؤذن دون غيره وبقي الخطيب هل يطلب منه النظر إليهم فيكره له تغميض عينيه وقت الخطبة أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول أخذا من قول المصنف الآتي : وأن يقبل عليهم المتبادر منه أنه ينظر إليهم ( قوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } ) [ تنبيه ] قال الراغب : الفرق بين الصمت والسكوت والإنصات والإصاخة أن الصمت أبلغ لأنه قد يستعمل فيما لا قوة فيه للنطق وفيما له قوة النطق ، ولهذا قيل لما لم يكن له نطق الصامت والسكوت لما له نطق فترك استعماله والإنصات سكوت مع استماع ، ومتى انفك أحدهما عن الآخر لم يكن له إنصات ، وعليه قوله تعالى { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } فقوله وأنصتوا بعد الاستماع ذكر خاص بعد عام ، والإصاخة : الاستماع [ ص: 321 ] إلى ما يصعب استماعه وإدراكه كالسب والصوت من مكان بعيد ا هـ مناوي عند قوله صلى الله عليه وسلم { الصمت زين للعالم وستر للجاهل } .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث