الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

4459 [ ص: 60 ] 257 - حدثنا الصلت بن محمد ، حدثنا مهدي بن ميمون ، حدثنا محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ، قال له آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه ، وأنزل عليك التوراة ، قال : نعم ، قال : فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني ، قال : نعم ، فحج آدم موسى ، واليم : البحر .

التالي السابق


مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : "أنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه" تفهم بالتأمل ، والصلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وبالتاء المثناة من فوق ابن محمد بن عبد الرحمن الخاركي بالخاء المعجمة والراء البصري وهو من أفراده .

والحديث من أفراده أيضا من هذا الوجه ، وقال الدارقطني : رواه أبو هلال الراسبي ، عن أبي هريرة فوقفه ، وكان كثيرا ما يتوقى رفعه ، ولما رواه هدبة ، عن مهدي رفعه مرة ، ثم رجع عن رفعه فوقفه ، ومضى هذا الحديث أيضا في كتاب الأنبياء في باب وفاة موسى ، فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة إلى آخره ، وسيأتي أيضا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، وأخرجه أيضا من حديث أبي سعيد ، وأخرجه مسلم بألفاظ منها : فقال موسى : يا آدم ، أنت أبونا ، أخرجتنا من الجنة ، ومنها : قبل أن يخلقني بأربعين سنة ، ومنها : أنت الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ، ومنها : هل وجدت فيها يعني في التوراة : وعصى آدم ربه فغوى ، قال : نعم .

قوله : "التقى آدم وموسى عليهما السلام" ، وفي لفظ ابن مردويه : فلقيه موسى فقال له ، وفي لفظ للبخاري : احتج آدم وموسى عليهما السلام ، وفي حديث عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى قال : يا رب ، أرنا أبانا الذي أخرجنا ونفسه من الجنة ، فأراه آدم عليه السلام ، فقال : أنت أبونا ؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وأسجد لك ملائكته ؟ قال : نعم ، قال : فما حملك على أن أخرجتنا من الجنة ؟ فقال له آدم : من أنت ؟ قال : موسى ، قال : نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من غير رسول من خلقه ؟ قال : نعم ، قال : أما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق ؟ قال : نعم ، قال : ففيم تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء ؟ قيل : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند ذلك فحج آدم موسى ، فإن قلت : التقاؤهما في أين كان ؟ أكان بالأرواح فقط ؟ أو بالأرواح والأجسام ؟ قلت : قال القابسي : التقت أرواحهما في السماء ، وقيل : يجوز أن يكون ذلك يوم القيامة ، وقال عياض : يجوز أن يحمل على ظاهره ، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما ، وقد ثبت في حديث الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات ، وفي بيت المقدس ، وصلى بهم فلا يبعد أن الله عز وجل أحياهم كما أحيى الشهداء ، ويحتمل أن يكون جرى ذلك في حياة موسى عليه الصلاة والسلام لحديث عمر : أرنا أبانا ، وقد مر الآن ، وقال ابن الجوزي : يجوز أن يكون المراد شرح حال بضرب مثل لو اجتمعا لقالا ، فإن قلت : ما وجه اختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بهذا دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ قلت : لأنه أول من جاء بالتكاليف ، قوله : "أنت الذي أشقيت الناس" من الشقاوة ، وهي ضد السعادة ، وفي لفظ لمسلم : يا آدم ، أنت أبونا ، خيبتنا ، أي أوقعتنا في الخيبة ، وهي الحرمان والخسران ، وقد خاب يخيب ويخوب معناه كنت سبب خيبتنا ، وفيه جواز إطلاق نسبة الشيء على من تسبب فيه ، قوله : "من الجنة" المراد بالجنة التي أخرج منها آدم عليه الصلاة والسلام جنة الخلد ، وجنة الفردوس التي هي دار الجزاء في الآخرة ، وجنة الفردوس وغيرها التي هي دار البقاء ، وهي كانت موجودة قبل آدم عليه الصلاة والسلام ، وهو مذهب أهل الحق ، قوله : "اصطفاك الله" أي أخصك الله بذلك ، ويقال : جعلك خالصا صافيا عن شائبة ما لا يليق بك ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما قوله : وأنزل عليك التوراة فيها تبيان كل شيء من الإخبار بالغيوب والقصص والحلال والحرام والمواعظ وغير ذلك ، قوله : "فوجدتها" ، ويروى : فوجدته ، الضمير بالتأنيث والتذكير يرجع إلى التوراة بالتأنيث باعتبار اللفظ ، والتذكير باعتبار المعنى وهو الكتاب ، قوله : "كتب علي" ليس المراد أنه ألزمه إياه وأوجبه عليه ، فلم يكن له في تناول الشجرة [ ص: 61 ] كسب واختيار ، وإنما المعنى أن الله أثبته في أم الكتاب قبل كونه وحكم بأن ذلك كائن لا محالة لعلمه السابق ، فهل يجوز أن يصدر عني خلاف علم الله ، فكيف تغفل عن العلم السابق ، وتذكر الكسب الذي هو السبب ، وتنسى الأصل الذي هو القدر ، قوله : "فحج آدم موسى عليهما السلام" هكذا الرواية برفع آدم على الفاعلية في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلين والرواة والشراح أي غلبه بالحجة ، وظهر عليه بها ، وموسى عليه الصلاة والسلام مال في لومه إلى الكسب ، وآدم عليه الصلاة والسلام مال إلى القدر ، وكلاهما حق لا يبطل أحدهما صاحبه ، ومتى قضي للقدر على الكسب أخرج إلى مذهب القدرية ، أو للكسب على القدر أخرج إلى مذهب الجبرية ، وإنما وقعت الغلبة لآدم عليه الصلاة والسلام من وجهين أحدهما : أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا فيما قضي عليه إلا أن يأذن الشرع بلومه فيكون الشرع هو اللائم ، الثاني : أن الفعل اجتمع فيه القدر والكسب والتوبة تمحو أثر الكسب ، فلما تيب عليه لم يبق إلا القدر ، والقدر لا يتوجه إليه لوم ، قوله : "واليم البحر" إنما أورد هذا في آخر الحديث إشارة إلى تفسير ما وقع في كتاب الله تعالى من قوله : فاقذفيه في اليم وفسر بأن المراد من اليم هو البحر ، وقال الثعلبي : اليم نهر النيل ، قيل : وموضع ذكر هذا في الباب الآتي ، وذكره هنا ليس بموجه ، قلت : المراد باليم في الباب الآتي هو بحر القلزم ، والذي ذكره هنا هو النيل ، أطلق عليه البحر لتبحره أيام الزيادة ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث