الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

118 59 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، [ ص: 181 ] عن أبي هريرة قال : إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ، ثم يتلو : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله : الرحيم إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة في قوله " ويحفظ ما لا يحفظون " ، وقوله " أكثر أبو هريرة " ; لأن الإكثار لا يكون إلا عن حفظ .

بيان رجاله :

وهم خمسة :

قد ذكروا كلهم ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، وقالوا : يجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا كان المراد تعريفه لا نقصه كما يجوز جرحهم للحاجة .

بيان لطائف إسناده :

منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :

أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن إبراهيم ، وفي الاعتصام عن علي عن سفيان . وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة وأبي بكر وزهير عن سفيان ، وعن عبد الله بن جعفر ، عن يحيى ، عن مالك ، وعن عبد الرزاق ، عن معمر ، كلهم عن الزهري ، وله طرق من غير رواية الأعرج . وأخرجه النسائي في العلم عن محمد بن منصور ، عن سفيان به ، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن إسحاق بن عيسى ، عن مالك به . وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أبي مروان العثماني ، عن إبراهيم بن سعد به مختصرا .

بيان اللغات والإعراب

قوله " إن الناس " مقول قال ، وقوله " يقولون " جملة في محل الرفع خبر إن ، قوله “ أكثر أبو هريرة " جملة من الفعل والفاعل مقول يقولون ، قوله “ ولولا آيتان " مقول قال لا مقول يقولون ، وحذف اللام من جواب لولا وهو جائز ، والأصل : لولا آيتان موجودتان في كتاب الله لما حدثت .

قوله " حديثا " نصب على المفعولية ، قوله “ ثم يتلو " مقول الأعرج ، وفي بعض النسخ : ثم تلا ، قوله “ إن إخواننا " استئناف كالتعليل للإكثار كأن سائلا سأل : لم كان أبو هريرة مكثرا دون غيره من الصحابة ؟ فأجاب بقوله : لأن إخواننا كذا وكذا ، فلأجل ذلك ترك العاطف بين الجملتين .

قوله " من المهاجرين " كلمة من بيانية ، قوله “ كان يشغلهم الصفق " جملة في محل الرفع ; لأنها خبر إن ، وقوله " يشغلهم " من باب شغل يشغل كفتح يفتح بفتح عين الفعل فيهما من الشغل ، ويقال : بضم حرف المضارعة من الإشغال ، وهو غريب .

وفي العباب : يقال : شغلته أشغله ، وقال ابن دريد : لا يقال أشغلته ، وقال ابن فارس : لا يكادون يقولون أشغلت ، وهو جائز .

وقال الليث : اشتغلت أنا ، والفعل اللازم اشتغل ، وقال أبو حاتم وابن دريد : لا يقال اشتغل ، وقال ابن فارس في المقاييس جاء عنهم اشتغل فلان بالشيء ، وهو مشتغل ، وقوله " الصفق " بالرفع فاعل يشغل ، وهو بفتح الصاد كناية عن التبايع ، يقال : صفقت له بالبيع صفقا ، أي ضربت يدي على يده للعقد .

قال الهروي : يقال : أصفق القوم على الأمر وصفقوا بالبيع والبيعة ، وقال غيره : أصله من تصفيق الأيدي بعضها على بعض من المتبايعين ، أي عاقدي البيعة عند عقدهم ، والسوق يؤنث ويذكر ، سميت به لقيام الناس فيها على سوقهم .

قوله " بشبع بطنه " بالباء الموحدة في رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره : لشبع بطنه باللام ، وهو الثابت في غير البخاري أيضا وكلاهما للتعليل أي لأجل شبع بطنه ، وروي ليشبع بطنه بلام كي ، ويشبع بصيغة المضارع المنصوب ، والشبع بكسر الشين وفتح الباء الموحدة .

وفي العباب : الشبع مثال عنب ، والشبع بالفتح ، وهذه عن ابن عباد نقيض الجوع ، يقال : شبعت خبزا ولحما ، ومن خبز ولحم شبعا ، وهو من مصادر الطبايع ، وقال ابن دريد : الشبع والشبع بإسكان الباء وتحريكها ، وقال غيره : الشبع بالإسكان اسم ما أشبعك من شيء ، وفي الحديث : " آجر موسى صلى الله عليه وسلم نفسه من شعيب صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه وعفة فرجه " ، قوله “ ما لا يحضرون " في محل النصب على أنه مفعول يحضر ، وكذلك قوله “ ما لا يحفظون " مفعول يحفظ .

[ ص: 182 ] بيان المعاني :

قوله " أكثر أبو هريرة " أي من رواية الحديث ، وهو من باب حكاية كلام الناس أو وضع المظهر موضع المضمر ; إذ حق الظاهر أن يقول : أكثرت . وفي رواية البخاري في البيوع من طريق شعيب ، عن الزهري : " أكثر أبو هريرة من الحديث " ، وفي روايته فيه : وفي المزارعة من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري هنا زيادة وهي : " ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه " ، وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار .

قوله " لولا آيتان " المراد من الآيتين : إن الذين يكتمون إلى آخر الآيتين ، والمعنى : لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم أصلا ، لكن لما كان الكتمان حراما وجب الإظهار والتبليغ ; فلهذا حصل مني الإكثار لكثرة ما عندي منه ، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله " إن إخواننا " إلى آخره .

قوله " ثم يتلو " ، أي قال الأعرج : ثم يتلو أبو هريرة ، وذكر بلفظ المضارع استحضارا لصورة التلاوة كأنه فيها .

قوله " إن إخواننا " الإخوان جمع أخ ، وهذا يدل على أن أصل أخ أخو بالتحريك ، ويجمع أيضا على آخاء ; مثل : آباء ، والذاهب منه واو ، وعلى إخوة وأخوة بالضم عن الفراء ، وفيه سؤالان : الأول : كان حق الظاهر أن يقول : إن إخوانه ليرجع الضمير إلى أبي هريرة ، وأجيب بأنه عدل عنه لغرض الالتفات ، وهو فن من محاسن الكلام .

الثاني : قال : إخواننا ولم يقل إخواني ، وأجيب لأنه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة ، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب ، والمراد من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ومن الأنصار أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله - عليه الصلاة والسلام ونصروه بأنفسهم وأموالهم .

قوله " العمل في أموالهم " يريد به الزراعة والعمل في الغيطان ، وفي رواية مسلم : " كان يشغلهم عمل أرضهم " ، وفي رواية ابن سعد " كان يشغلهم القيام على أراضيهم " .

قوله " وإن أبا هريرة " فيه التفات أيضا ; لأن حق الظاهر أن يقول : وإني ، قوله “ بشبع بطنه " يعني أنه كان يلازم قانعا بالقوت لا مشتغلا بالتجارة ولا بالزارعة ، وفي رواية البخاري في البيوع : " كنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة " .

قوله " ويحضر " بالرفع عطفا على قوله " يلزم " ، ويجوز بالنصب أيضا على رواية من روى : ليشبع بطنه بلام كي ، و” يشبع " بصورة المضارع إن صحت هذه الرواية .

قوله " ما لا يحضرون " أي من أحوال الرسول عليه الصلاة والسلام ، و” يحفظ ما لا يحفظون " من أقواله ، وهذا إشارة إلى المسموعات وذاك إشارة إلى المشاهدات ، لا يقال : هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة : " ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب " ; لأنا نقول : إن عبد الله كان أكثر تحملا ، وأبو هريرة كان أكثر رواية ، فإن قلت : كيف يكون الأكثر تحملا وهو داخل تحت عموم المهاجرين . قلت : هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها ، وأبو هريرة أكثر من جهة مطلق السماع .

بيان استنباط الأحكام

فيه حفظ العلم والمواظبة على طلبه ، وفيه فضيلة أبي هريرة وفضل التقلل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال ، وفيه جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك وأمن الإعجاب ، وفيه جواز إكثار الأحاديث وجواز التجارة والعمل وجواز الاقتصار على الشبع ، وقد تكون مندوبات ، وقد تكون واجبات بحسب الأشخاص والأوقات .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث