الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1763 433 - حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج، فقال: اخرج معها.

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله: " اخرج معها"؛ لأنه يدل على جواز حج النساء وخروجهن إلى الحج مع زوج أو محرم.

(ذكر رجاله) وهم خمسة؛ الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي.

الثاني: حماد بن زيد.

الثالث: عمرو بن دينار.

الرابع: أبو معبد، بفتح الميم، واسمه نافذ.

الخامس: عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما.

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه بصريان، وأن عمرا مكي، ونافذا حجازي.

(ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد، عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد به، وفي النكاح عن علي بن عبد الله، عن سفيان به، ولم يذكر: " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، وأخرجه مسلم في الحج عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، كلاهما عن سفيان به، وعن ابن أبي عمر.

(ذكر ما يستفاد منه) فيه أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم، وعموم اللفظ يتناول عموم السفر، فيقتضي أن يحرم سفرها بدون ذي محرم معها، سواء كان سفرها قليلا أو كثيرا، للحج أو لغيره، وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وطاوس، والظاهرية، واحتج هؤلاء أيضا فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: " لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم" أخرجه الطحاوي، وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا - لا أدري كم قال- إلا ومعها ذو محرم"، وسيجيء الخلاف فيه مع الجواب عن هذا.

وفيه أن عموم لفظ: " ذي محرم" يتناول ذوي المحارم جميعها إلا أن مالكا كره سفرها مع ابن زوجها وإن كان ذا محرم منها؛ لفساد الناس، وأن المحرمية في هذا ليست في المراعاة كمحرمية النسب.

وفيه حرمة اختلاء المرأة مع الأحنبي، وهذا لا خلاف فيه، وفيه دلالة على أن حج الرجل مع امرأته إذا أرادت حجة الإسلام أولى من سفره إلى الغزوة؛ لقوله [ ص: 222 ] صلى الله عليه وسلم: " اخرج معها"؛ يعني إلى الحج مع كونه قد كتب في الغزو، وفيه دلالة على اشتراط المحرم في وجوب الحج على المرأة، ثم اختلفوا هل هو شرط الوجوب، أو شرط الأداء، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وفيه أن النساء كلهن سواء في منع المرأة عن السفر إلا مع ذي محرم، إلا ما نقل عن أبي الوليد الباجي أنه خصه بغير العجوز التي لا تشتهى، وقال ابن دقيق العيد: الذي قاله الباجي تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، يعني مراعاة الأمر الأغلب، وتعقب بأن لكل ساقطة لاقطة.

(فإن قلت): يمكن أن يحتج للباجي فيما قاله بحديث عدي بن حاتم مرفوعا: " يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها.." الحديث في البخاري.

(قلت): هذا يدل على وجوده لا على جوازه، وأجاب بعضهم عن هذا بأنه خبر في سياق المدح، ورفع منار الإسلام، فيحمل على الجواز.

(قلت): هذا إخبار من الشارع بقوة الإسلام، وكثرة أهله، ووقوع الأمن، فلا يستلزم ذلك الجواز. وقال ابن دقيق العيد: هذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا، فإن قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا عام في الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" عام في كل سفر، فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى الترجيح من خارج، وقد رجح المذهب الثاني بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، وفيه نظر؛ لكون النهي عاما في المساجد، فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر بحديث النهي.

وفيه ما قاله ابن المنير: يؤخذ من قوله: "إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا" أن ذلك كان في حجة الوداع، فيؤخذ منه أن الحج على التراخي؛ إذ لو كان على الفور لما تأخر الرجل مع رفقته الذين عينوا في تلك الغزوة، ورد بأنه ليس بلازم؛ لاحتمال أن يكونوا قد حجوا قبل ذلك مع من حج في سنة تسع مع أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

وفيه ما أخذه بعضهم بظاهر قوله: " اخرج معها" وجوب السفر على الزوج مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه كالولي في الحج عن المريض، فلو امتنع إلا بأجرة لزمها؛ لأنه من سبيلها، فصار في حقها كالمؤونة.

وفيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة، فإن الرجل لما عرض له الغزو والحج رجح الحج؛ لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها، بخلاف الغزو.

وفيه ما استدل به بعضهم على أنه ليس للزوج منع امرأته من الحج الفرض، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي.

(فإن قلت) روى الدارقطني من طريق إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا في امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها في الحج: ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها.

(قلت): هو محمول على حج التطوع عملا بالحديثين، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج إلى الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبا.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث