الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضائل المدينة وباب حرم المدينة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1768 439 - حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا ثابت بن يزيد قال: حدثنا عاصم أبو عبد الرحمن الأحول [ ص: 228 ] عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله: " المدينة حرم من كذا إلى كذا.

(ذكر رجاله) وهم أربعة؛ الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي.

الثاني: ثابت، بالثاء المثلثة في أوله، ابن يزيد، من الزيادة، مر في باب ميمنة المسجد.

الثالث: عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، وقد مر في باب الأذان.

الرابع: أنس بن مالك رضي الله عنه.

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه أن رواته كلهم بصريون، وفيه أن ثابتا يقال له: الأحول، وكذلك عاصم بن سليمان الأحول، وفيه عن أنس، وفي رواية عبد الواحد، عن عاصم.

قلت لأنس: وفي الاعتصام سألت أنسا، وكذلك في رواية مسلم، وفيه أنه من الرباعيات.

والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام، عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، وأخرجه مسلم في المناسك، عن عامر بن عمر، وعن زهير بن حرب.

(ذكر معناه) قوله: " المدينة حرم" ؛ أي: محرمة لا تنتهك حرمتها، قوله: " من كذا إلى كذا" هكذا جاء من غير بيان، وسيأتي في هذا الباب عن علي: ما بين عائر إلى كذا، وذكره في الجزية وغيرها بلفظ: عير، وهو جبل بالمدينة، وقال ابن المنير: قوله: من عير إلى كذا؛ سكت عن النهاية، وقد جاء في طريق آخر: " ما بين عير إلى ثور"، وقال: والظاهر أن البخاري أسقطها عمدا؛ لأن أهل المدينة ينكرون أن يكون بها جبل يسمى ثورا، وإنما ثور بمكة، فلما تحقق عند البخاري أنه وهم أسقطه، وذكر بقية الحديث وهو مقيد؛ يعني بقوله: " من عير إلى كذا" إذ البداءة يتعلق بها حكم فلا يترك لإشكال سنح في حكم النهاية. انتهى.

وقد أنكر مصعب الزهري وغيره هاتين الكلمتين؛ أعني عيرا وثورا، وقالوا: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وقال مصعب: عير بمكة، ومنهم من ترك مكانه بياضا إذا اعتقدوا الخطأ في ذكره، وقال أبو عبيد: كان الحديث: من عير إلى أحد.

(قلت): اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم: إلى ثور، وقال أبو عبيد: قوله: " ما بين عير إلى ثور" ؛ هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا عندهم يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث: "ما بين عير إلى أحد"، وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد، والطبراني، وقال عياض: لا معنى لإنكار عير بالمدينة، فإنه معروف، وفي المحكم والمثلث: عير: اسم جبل بقرب المدينة معروف.

وقال المحب الطبري في الأحكام بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له: ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض، وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك، قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته، وعدم بحثهم عنه، وذكر الشيخ قطب الدين الحلبي رحمه الله في شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل، فكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبيل صغير، فسألته عنه فقال: هذا يسمى ثورا، قال: فعلمت صحة الرواية.

وقال ابن قدامة: يحتمل أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم مقدار ما بين عير وثور، لا أنهما بعينهما في المدينة، أو سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجبلين اللذين نظر في المدينة عيرا وثورا تحرزا وارتجالا.

(قلت): العير بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وثور بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو، ويروى: ما بين عائر إلى كذا، بألف بعد العين. قوله: " لا يقطع شجرها" وفي رواية يزيد بن هارون: " لا يختلى خلاها"، وفي حديث جابر عند مسلم: " لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها". قوله: " ولا يحدث" بلفظ المعلوم والمجهول؛ أي: لا يعمل فيها عمل مخالف للكتاب والسنة، وزاد شعبة فيه، عن عاصم عند أبي عوانة: " أو آوى محدثا " وهذه الزيادة صحيحة، إلا أن عاصما لم يسمعها من أنس. قوله: " حدثا" هو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها، على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من [ ص: 229 ] نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه. قوله: " فعليه لعنة الله.." إلى آخره، هذا وعيد شديد لمن ارتكب هذا، قالوا: المراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه، والطرد عن الجنة؛ لأن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد، وليس هي كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد.

(ذكر ما يستفاد منه) احتج بهذا الحديث محمد بن أبي ذئب، والزهري، والشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: المدينة لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم، خلافا لابن أبي ذئب، فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي، وقال في القديم: من اصطاد في المدينة صيدا أخذ سلبه، ويروي فيه أثرا عن سعيد، وقال في الجديد بخلافه، وقال ابن نافع: سئل مالك عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهي، فقال: إنما نهي عن قطع سدر المدينة؛ لئلا توحش، وليبقى فيها شجرها، ويستأنس بذلك ويستظل به من هاجر إليها.

وقال ابن حزم: من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه؛ كل ما معه في حاله تلك، وتجريده إلا ما يستر عورته فقط؛ لما روى مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، جميعا عن العقدي، قال عبد: أخبرنا عبد الملك بن عمر، وقال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا، ويخبطه، فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم، ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرده عليهم.

وقال الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك لا لأنه لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة؛ ليستطيبوها ويألفوها، كما ذكرنا عن قريب، عن ابن نافع، سئل مالك عن قطع سدر المدينة.. إلى آخره؛ وذلك كمنعه صلى الله عليه وسلم من هدم آطام المدينة، وقال: إنها زينة المدينة على ما رواه الطحاوي، عن علي بن عبد الرحمن قال: حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا وهب بن جرير، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آطام المدينة أن تهدم"، وفي رواية: " لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة "، وهذا إسناد صحيح.

ورواه البزار في مسنده، والآطام: جمع أطم، بضم الهمزة والطاء، وهو بناء مرتفع، وأراد بآطام المدينة: أبنيتها المرتفعة، كالحصون، ثم ذكر الطحاوي دليلا على ذلك من حديث حميد الطويل، عن أنس قال: " كان لآل أبي طلحة ابن من أم سليم يقال له: أبو عمير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضاحكه إذا دخل، وكان له نغير، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أبا عمير حزينا، فقال: ما شأن أبي عمير؟ فقيل: يا رسول الله، مات نغيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عمير، ما فعل النغير!".

وأخرجه من أربع طرق، وأخرجه مسلم أيضا، حدثنا شيبان بن فروخ قال: حدثنا عبد الوارث، عن أبي التياح: " عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير - قال: وأحسبه قال: فطيما- قال: فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال: أبا عمير ما فعل النغير! قال: فكان يلعب به".

وأخرجه النسائي أيضا في "اليوم والليلة"، والبزار في مسنده، واسم أبي طلحة زيد بن أبي سهل الأنصاري، وأم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، واسمها سهلة، أو رميلة، أو مليكة. و"نغير"، بضم النون وفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، مصغر نغر، وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار، ويجمع على نغران، قال الطحاوي: فهذا قد كان بالمدينة، ولو كان حكم صيدها كحكم صيد مكة إذا لما أطلق له رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس النغير، ولا اللعب به، كما لا يطلق ذلك بمكة.

وقال بعضهم: احتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير، ونقل عنه ما ذكرناه، ثم قال: وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل. انتهى.

(قلت): لا تقوم الحجة بالاحتمال الذي لا ينشأ عن دليل، واعترضوا أيضا بأنه يجوز أن يكون من صيد الحل، ثم أدخله المدينة، ورد بأن صيد الحل إذا أدخل الحرم يجب عليه إرساله، فلا يرد علينا، ثم قال الطحاوي: فقال قائل: فقد يجوز أن يكون هذا الحديث بقناة، وذلك الموضع غير موضع الحرم، فلا حجة لكم في هذا الحديث، فنظرنا: هل نجد مما سوى هذا الحديث ما يدل على شيء من حكم صيد المدينة؟ فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، وفهد قد حدثانا، قالا: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، " عن مجاهد قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش، فإذا خرج لعب، واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس [ ص: 230 ] برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض، فلم يترمرم؛ كراهة أن يؤذيه "، فهذا بالمدينة في موضع قد دخل فيما حرم منها، وقد كانوا يؤوون فيه الوحوش، ويتخذونها، ويغلقون دونها الأبواب، وقد دل هذا أيضا على أن حكم المدينة في ذلك بخلاف حكم مكة.

(قلت): وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد أيضا في مسنده، والوحش واحد الوحوش، وهي حيوان البر.

قوله: " ربض" من الربوض، وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب، كبروك الجمل وحشوم الطير.

قوله: " لم يترمرم" من ترمرم؛ إذا حرك فاه للكلام، وهي بالراءين المهملتين.

وروى الطحاوي أيضا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، " عن سلمة بن الأكوع أنه كان يصيد ويأتي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من صيده فأبطأ عليه، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي حبسك؟ فقال: يا رسول الله، انتفى عنا الصيد، فصرنا نصيد ما بين تيت إلى قناة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما أنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت؛ فإني أحب العقيق" وأخرجه من ثلاث طرق، وأخرجه الطبراني أيضا، ثم قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل سلمة وهو بها على موضع الصيد، وذلك لا يحل بمكة، فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة.

قوله: " تيت" بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة أخرى، ويقال: تيت على وزن سيد، وقال الصاغاني: هو جبل قرب المدينة على بريد منها.

وأما الجواب عن حديث سعد بن أبي وقاص في أمر السلب؛ فهو أنه كان في وقت ما كانت العقوبات التي تجب بالمعاصي في الأموال، فمن ذلك ما روي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الزكاة أنه قال: من أداها طائعا فله أجرها، ومن لا.. أخذناها منه وشطر ماله، ثم نسخ ذلك في وقت نسخ الربا.

وقال ابن بطال: حديث سعد بن أبي وقاص في السلب لم يصح عند مالك ، ولا رأى العمل عليه بالمدينة.

ومن فوائد الحديث ما قاله القاضي عياض، فإنهم استدلوا بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لعنة الله" على أن ذلك من الكبائر؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة، وفيه أن المحدث والمروي له في الإثم سواء.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث