الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1851 60 - حدثنا محمد بن خالد قال : حدثنا محمد بن موسى بن أعين قال : حدثنا أبي ، عن عمرو بن الحارث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن جعفر حدثه ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من مات وعليه صيام صام عنه وليه .

التالي السابق


مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين الإبهام الذي فيها .

ذكر رجاله : وهم ثمانية الأول : محمد بن خالد اختلف فيه ، فذكر أبو علي الجياني أن أبا نصر والحاكم قالا : هو الذهلي نسبة إلى جده ، فإنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد ، وقال ابن عدي : في شيوخ البخاري محمد بن خالد بن جبلة الرافعي ، وقال ابن عساكر : قيل : إن البخاري روى عنه ، وقال أبو نعيم في المستخرج : رواه يعني البخاري ، عن محمد بن خالد بن خلي ، عن محمد بن موسى بن أعين ، وكأنه منفرد بهذا القول ، وجزم الجوزقي بأنه الذهلي ؛ فإنه أخرجه عن أبي حامد بن الشرفي عنه ، وقال : أخرجه البخاري ، عن محمد بن يحيى ، وبذلك جزم الكلاباذي ، ووافقه المزي ، وهو الراجح ، وعلى هذا فقد نسبه البخاري هنا إلى جد أبيه لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن خلي على وزن علي . الثاني : محمد بن موسى بن أعين أبو يحيى الجزري . الثالث : أبوه موسى بن أعين الجزري ، أبو سعيد ، مات سنة خمس ، وقيل : سبع وتسعين ومائة . الرابع : عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري أبو أمية المؤدب . الخامس : عبيد الله بن أبي جعفر يسار الأموي القرشي . السادس : محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام . السابع : عروة بن الزبير . الثامن : عائشة رضي الله تعالى عنها ، وهذا الحديث من ثمانيات البخاري ، ومثل هذا قليل في الكتاب .

ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه نسبة الراوي إلى جده ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه رواية الراوي عن عمه ، وهو محمد بن جعفر يروي عن عمه عروة ، وفيه أن شيخه نيسابوري ، ومحمد بن موسى وأبوه حرانيان ، وعمرو بن الحارث وعبيد الله بن جعفر مصريان ، ومحمد بن جعفر وعروة مدنيان .

ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصوم ، عن هارون بن سعيد الأيلي ، وعن أحمد بن عيسى ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح ، عن ابن وهب ، وأخرجه النسائي فيه ، عن علي بن عثمان النفيلي ، وإسماعيل بن يعقوب الحرانيين .

ذكر معناه : قوله : " من مات " ، أي من المكلفين بقرينة قوله : " وعليه صيام " ، لأن كلمة " على " للإيجاب ، والواو فيه للحال . قوله : " صام عنه " ، أي عن الميت وليه ، واختلف المجيزون الصوم عن الميت في المراد بالولي ، فقيل : كل قريب ، وقيل : الوارث خاصة ، وقيل : عصبته ، وقال الكرماني : الصحيح أن المراد به القريب سواء كان عصبة أو وارثا أو غيرهما . انتهى . ولو صام عنه أجنبي قال في شرح المهذب : إن كان بإذن الولي صح ، وإلا فلا ، ولا يجب على الولي الصوم عنه ، بل يستحب وأطلق [ ص: 59 ] ابن حزم النقل عن الليث بن سعد ، وأبي ثور وداود أنه فرض على أوليائه هم أو بعضهم ، وبه صرح القاضي أبو الطيب الطبري في تعليقه بأن المراد منه الوجوب ، وجزم به النووي في الروضة من غير أن يعزوه إلى أحد ، وزاد في شرح المهذب فقال : إنه بلا خلاف ، وقال شيخنا زين الدين : هذا عجيب منه ثم قال : وحكى النووي في شرح مسلم عن أحد قولي الشافعي إنه يستحب لوليه أن يصوم عنه ثم قال : ولا يجب عليه .

ذكر ما يستفاد منه : احتج به أصحاب الحديث فأجازوا الصيام عن الميت ، وبه قال الشافعي في القديم وأبو ثور وطاوس والحسن والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان والليث بن سعد وداود الظاهري وابن حزم ، سواء كان عن صيام رمضان أو عن كفارة أو عن نذر ، ورجح البيهقي والنووي القول القديم للشافعي لصحة الأحاديث فيه ، وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم إنه الصحيح المختار الذي نعتقده ، وهو الذي صححه محققو أصحابه الجامعيين بين الفقه والحديث لقوة الأحاديث الصحيحة الصريحة ، ونقل البيهقي في الخلافيات من كان عليه صوم فلم يقضه مع القدرة عليه حتى مات صام عنه وليه أو أطعم عنه على قوله في القديم ، وهذا ظاهر أن القديم تخيير الولي بين الصيام والإطعام ، وبه صرح النووي في شرح مسلم . قلت : ليس القول القديم مذهبا له فإنه غسل كتبه القديمة وأشهد على نفسه بالرجوع عنها هكذا نقل ذلك عنه أصحابه .

ثم اعلم أن في هذا الباب اختلافا كثيرا وأقوالا الأول : ما ذكرناه الآن ، والثاني : هو أن يطعم الولي عن الميت كل يوم مسكينا مدا من قمح وهو قول الزهري ومالك والشافعي في الجديد ، وأنه لا يصوم أحد عن أحد ، وإنما يطعم عنه عند مالك إذا أوصى به ، والثالث : يطعم عنه كل يوم نصف صاع ، روي ذلك عن ابن عباس وهو قول سفيان الثوري ، والرابع : يطعم عنه عن كل يوم صاعا من غير البر ونصف صاع من البر وهو قول أبي حنيفة ، وهذا إذا أوصى به ، فإن لم يوص فلا يطعم عنه . الخامس : التفرقة بين صوم رمضان وبين صوم النذر فيصوم عنه وليه ما عليه من نذر ويطعم عنه ، عن كل يوم من رمضان مدا ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وحكاه النووي عن أبي عبيد أيضا ، والسادس : أنه لا يصوم عنه الأولياء إلا إذا لم يجدوا ما يطعم عنه ، وهو قول سعيد بن المسيب والأوزاعي.

وحجة أصحابنا الحنفية ومن تبعهم في هذا الباب في أن من مات وعليه صيام لا يصوم عنه أحد ، ولكنه إن أوصى به أطعم عنه وليه كل يوم مسكينا نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ما رواه النسائي " عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يصلي أحد عن أحد ولكن يطعم عنه " ، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا " قال القرطبي في شرح الموطأ : إسناده حسن . قلت : هذا الحديث رواه الترمذي ، وقال : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبثر بن القاسم ، عن أشعث ، عن محمد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، والصحيح عن ابن عمر موقوف ورواه ابن ماجه أيضا ، عن محمد بن يحيى ، عن قتيبة إلا أنه قال : عن محمد بن سيرين ، عن نافع وقال الحافظ المزي : وهو وهم ، وقال شيخنا : وقد شك عبثر في محمد هذا ، فلم يعرف من هو ، كما رواه ابن عدي في الكامل ، من رواية الوليد بن شجاع ، عن عبثر بن أبي زبيد ، عن الأشعث ، عن محمد لا يدري أبو زبيد ، عن محمد ، فذكر الحديث ، ثم قال ابن عدي بعده : ومحمد هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : وهذا الحديث لا أعلمه يرويه عن أشعث غير عبثر ورواه البيهقي من رواية يزيد بن هارون ، عن شريك ، عن محمد بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن نافع ، " عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقضه قال : يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر " قال : البيهقي : هذا خطأ من وجهين : أحدهما رفعه الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو من قول ابن عمر ، والآخر قوله : " نصف صاع " ، وإنما قال : " مدا من حنطة " ، وضعفه عبد الحق في أحكامه بأشعث وابن أبي ليلى .

وقال الدارقطني في علله : المحفوظ موقوف ، هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وقال البيهقي في المعرفة : لا يصح هذا الحديث ؛ فإن محمد بن أبي ليلى كثير الوهم ، ورواه أصحاب نافع ، عن نافع ، عن ابن عمر . قوله : قلت : رفع هذا الحديث قتيبة في رواية الترمذي ، عن عبثر [ ص: 60 ] ابن القاسم قال أحمد : صدوق ثقة ، وقال أبو داود : ثقة ثقة ، وروى له الجماعة وهو يروي عن الأشعث ، وهو ابن سوار الكندي الكوفي نص عليه المزي ، وثقه يحيى في روايته ، وروى له مسلم في المتابعات ، والأربعة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال العجلي : كان فقيها صاحب سنة صدوقا ، جائز الحديث ، روى له الأربعة فمثل هؤلاء إذا رفعوا الحديث لا ينكر عليهم ؛ لأن معهم زيادة علم ، مع أن القرطبي حسن إسناده .

وأما قول البيهقي : هذا خطأ ، فمجرد حط ودعوى من غير بيان وجه ذلك على أن ابن سيرين قد تابع ابن أبي ليلى على رفعه ، فلقائل أن يمنع الوقف ، وأما الجواب عن حديث الباب فقد قال مهنئ : سألت أحمد عن حديث عبيد الله بن أبي جعفر ، عن محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة مرفوعا : " من مات وعليه صيام " . فقال أبو عبد الله : ليس بمحفوظ ، وهذا من قبل عبيد الله بن أبي جعفر ، وهو منكر الأحاديث ، وكان فقيها ، وأما الحديث فليس هو فيه بذاك ، وقال البيهقي : ورأيت بعض أصحابنا ضعف حديث عائشة بما روي عن عمارة بن عمير ، عن امرأة ، عن عائشة في امرأة ماتت وعليها الصوم ، قالت : يطعم عنها قال : وروي من وجه آخر ، عن عائشة أنها قالت : لا تصوموا عن موتاكم ، وأطعموا عنهم ، ثم قال : وفيهما نظر ، ولم يزد عليه . قلت : قال الطحاوي : حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا عبيد بن حميد ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن عمرة بنت عبد الرحمن . " قلت لعائشة : إن أمي توفيت وعليها صيام رمضان ، أيصلح أن أقضي عنها ؟ فقالت : لا ، ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك " ، وهذا سند صحيح .

وقد أجمعوا على أنه لا يصلي أحد عن أحد ، فكذلك الصوم ؛ لأن كلا منهما عبادة بدنية ، وقال ابن القصار : لما لم يجز الصوم عن الشيخ الهرم في حياته ، فكذا بعد مماته ، فيرد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه ، وحكى ابن القصار أيضا في شرح البخاري ، عن المهلب أنه قال : لو جاز أن يصوم أحد عن أحد في الصوم لجاز أن يصلي الناس عن الناس ، فلو كان ذلك سائغا لجاز أن يؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمه أبي طالب ؛ لحرصه على إيمانه ، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يؤمن أحد عن أحد ، ولا يصلي أحد عن أحد ، فوجب أن يرد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه . قلت : فيه بعض غضاضة ، وترك محاسن الأدب ، ومصادمة الأخبار الثابتة فيه ، والأحسن فيه أن يسلك فيها ما سلكناه من الوجوه المذكورة .

ولنا قاعدة أخرى في مثل هذا الباب ، وهي أن الصحابي إذا روى شيئا ثم أفتى بخلافه ، فالعبرة لما رآه ، وقال بعضهم : الراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه ؛ لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد مستنده فيه لم يتحقق ، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده ، وإذا تحققت صحة الحديث لم يترك به المحقق للمظنون . انتهى . قلت : الاحتمال الذي ذكره باطل ؛ لأنه لا يليق بجلالة قدر الصحابي أن يخالف ما رواه من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأجل اجتهاده فيه ، وحاشا الصحابي أن يجتهد عند النص بخلافه ؛ لأنه مصادمة للنص ، وذا لا يقال في حق الصحابي ، وإنما فتواه بخلاف ما رواه إنما يكون لظهور نسخ عنده ، وقوله : ومستنده فيه لم يتحقق ، كلام واه ؛ لأنه لو لم يتحقق عنده ما يوجب ترك العمل به لما أفتى بخلافه ، وإلا يلزم نسبة الصحابي العدل الموثوق إلى العمل بخلاف ما رواه ، وقوله : وإذا تحققت إلى آخره ، يستلزم العمل بالأحاديث الصحيحة المنسوخة الثابت نسخها ، ولا يلزم العمل بحديث تحققت صحته ، ونسخه حديث آخر ، وقوله : " للمظنون " ، يعني لأجل المظنون ، قلنا : المظنون الذي يستند به هذا القائل هو المظنون عنده ، لا عند الصحابي الذي أفتى بخلاف ما روى ؛ لأن حاله يقتضي أن لا يترك الحديث الذي رواه بمجرد الظن . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث