الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1852 61 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، قال : حدثنا معاوية بن عمرو ، قال : حدثنا زائدة ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ؛ أفأقضيه عنها ؟ قال : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى .

التالي السابق


مطابقته للترجمة مثل مطابقة حديث عائشة لها .

ذكر رجاله : وهم سبعة الأول : محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى كان يقال له : صاعقة لجودة حفظه ، مات سنة خمس وخمسين ومائتين . الثاني : معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي ، مر في أول إقبال الإمام على الناس . الثالث : زائدة بن قدامة ، أبو الصلت الثقفي البكري . الرابع : سليمان الأعمش . الخامس : مسلم بلفظ اسم الفاعل من الإسلام البطين بفتح الباء الموحدة وكسر الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره نون ، وهو مسلم بن أبي عمران ، ويقال : ابن عمران يكنى أبا عبد الله . السادس : سعيد بن جبير . السابع : عبد الله بن عباس.

ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضع، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه ومعاوية بغداديان ، وأن زائدة ومن بعده كوفيون ، وفيه أن معاوية من قدماء شيوخ البخاري حدث عنه بغير واسطة في أواخر كتاب الجمعة ، وحدث عنه هنا وفي الجهاد وفي الصلاة بواسطة وكان طلب معاوية هذا للحديث وهو كبير ، وإلا فلو كان طلبه على قدر سنه لكان من أعلى شيخ البخاري وقد لقي البخاري جماعة من أصحاب زائدة المذكور .

ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الصوم أيضا ، عن أحمد بن عمر الوكيعي ، وعن أبي سعيد الأشج ، وعن إسحاق بن منصور وابن أبي خلف ، وعبد بن حميد ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور عن مسدد ، عن يحيى به ، وعن محمد بن العلاء ، عن أبي معاوية به ، وأخرجه الترمذي في الصوم عن أبي سعيد الأشج وأبي كريب ، وأخرجه النسائي فيه عن الأشج بإسناد مسلم ، وعن القاسم بن زكريا ، وعن قتيبة ، وعن الحسن بن منصور ، وعن عمرو بن يحيى ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن الأشج بإسناد مسلم .

ذكر معناه : قوله : " جاء رجل " لم يدر اسمه ، وكذا في رواية مسلم والنسائي من رواية زائدة ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير " عن ابن عباس جاء رجل " إلى آخره نحو رواية البخاري ، وزاد مسلم " فقال لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها فقال نعم " وفي رواية أخرى لمسلم من رواية عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس " أن امرأة أتت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقالت : إن أمي ماتت وعليها صوم شهر " الحديث وفي رواية أخرى لمسلم والنسائي من رواية عبيد الله بن عمرو الرقي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن الحكم ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر " . الحديث وفي رواية الترمذي ، عن الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ومسلم البطين ، عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد ، " عن ابن عباس قال : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين . قال : أرأيت لو كان على أختك دين ، أكنت تقضيه ؟ قالت : نعم ، قال : فحق الله أحق أن يقضى " .

قوله : " إن [ ص: 62 ] أمي " . خالف أبو خالد جميع من رواه فقال : " إن أختي " كما ذكرناه ، واختلف عن أبي بشر عن سعيد بن جبير فقال هشيم عنه : ذات قرابة لها ، وقال شعبة عنه : " إن أختها " أخرجهما أحمد ، وقال حماد عنه : ذات قرابة لها ؛ إما أختها ، وإما ابنتها . قوله : " وعليها صوم شهر " ، هكذا في أكثر الروايات ، وفي رواية أبي جرير : " خمسة عشر يوما " ، وفي رواية أبي خالد : " شهرين متتابعين " ، وروايته هذه تقتضي أن لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره ، فإنها محتملة إلا رواية زيد بن أبي أنيسة ، فقال : " إن عليها صوم نذر " ، وهذا ظاهر في أنه غير رمضان ، وبين أبو بشر في روايته سبب النذر ، فروى أحمد من طريق شعبة " عن أبي بشر أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهرا فماتت قبل أن تصوم ، فأتت أختها إلى النبي صلى الله عليه وسلم " ، الحديث . قوله : " أفأقضيه " ، الهمزة للاستفهام . قوله : " فدين الله " ، تقدير الكلام :حق العبد يقضى فحق الله أحق ، كما في الرواية الأخرى ، هكذا " فحق الله أحق " .

ذكر ما يستفاد منه : احتج به من ذكرناهم ممن احتج بحديث عائشة السابق في جواز الصوم عن الميت ، وجواب المانعين عن ذلك هو ما قاله ابن بطال : ابن عباس راويه ، وقد خالفه بفتواه ، فدل على نسخ ما رواه ، وتشبيهه صلى الله عليه وسلم بدين العباد حجة لنا ؛ لأنها قالت : " أفأقضيه عنها " ، وقال : " أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته" ، وإنما سألها " هل كنت تقضيه " ، لأنه لا يجب عليها أن تقضي دين أمها ، وقال ابن عبد الملك : فيه اضطراب عظيم يدل على وهم الرواة ، وبدون هذا يقبل الحديث ، وقال بعضهم ما ملخصه : إن الاضطراب لا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث ، ورد بأنه كيف لا يقدح والحال أن الاضطراب لا يكون إلا من الوهم كما مر ، أو هو مما يضعف الحديث ، وقال هذا القائل أيضا في دفع الاضطراب فيمن قال : إن السؤال وقع عن نذر فمنهم من فسره بالصوم ، ومنهم من فسره بالحج ، والذي يظهر أنهما قضيتان ، ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية ، وعن نذر الحج جهنية ، ورد عليه بقوله أيضا ، وقد قدمنا في أواخر الحج أن مسلما روى من حديث بريدة أن امرأة سألت عن الحج ، وعن الصوم معا ، فهذا يدل على اتحاد القضية .

وأما حديث بريدة ، فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية عبد الله بن عطاء ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : " بينما أنا جالس عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتته امرأة فقالت : إني تصدقت على أمي بجارية ، وإنها ماتت ، قال : فقال : وجب أجرك ، وردها عليك الميراث ، قالت : يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها ؟ قال : صومي عنها ، قالت : إنها لم تحج قط أفأحج عنها ؟ قال : حجي عنها " لفظ مسلم .

وقال القرطبي : إنما لم يقل مالك بحديث ابن عباس لأمور أحدها : أنه لم يجد عليه عمل أهل المدينة . الثاني : أنه حديث اختلف في إسناده ومتنه . الثالث : أنه رواه البزار وقال في آخره : لمن شاء ، وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به . الرابع : أنه معارض لقوله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها وقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى الخامس : أنه معارض لما أخرجه النسائي ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : " لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من طعام " . السادس : أنه معارض للقياس الجلي ، وهو أنه عبادة بدنية ، فلا مدخل للمال فيها ، ولا يفعل عمن وجبت عليه كالصلاة ، ولا ينقض هذا بالحج ؛ لأن للمال فيه مدخلا . انتهى .

وقد اعترض عليه في بعض الوجوه ، فمن ذلك في قوله : اختلف في إسناده ومتنه . قيل : هذا لا يضره ، فإن من أسنده أئمة ثقات ، وأجيب بأن الكلام ليس في الرواة ، والكلام في اختلاف المتن ؛ فإنه يورث الوهن ، ومنه في قوله : رواه البزار ، قيل : الذي زاده البزار من طريق ابن لهيعة ، ويحيى بن أيوب ، وحالهما معلوم ، وأجيب بما حالهما ، فابن لهيعة حدث عنه أحمد بحديث كثير ، وعنه من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه ، وروى عنه مثل سفيان الثوري وشعبة وعبد الله بن المبارك والليث بن سعد ، وهو من أقرانه ، وروى له مسلم مقرونا بعمرو بن الحارث ، وأبو داود ، والترمذي وابن ماجه ، وأما يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، فإن الجماعة رووا له ، ومنه في قوله : " إنه معارض لقوله تعالى " ، الآيات الثلاث . قيل : هذه في قوم إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام . وأجيب بأن [ ص: 63 ] العبرة لعموم اللفظ ، ومنه في قوله : " إنه معارض لما أخرجه النسائي " ، قيل : ما في الصحيح هو العمدة ، وأجيب بأن ما رواه النسائي أيضا صحيح ، فيدل على نسخ ذاك كما قلنا .

ومما يستفاد من الحديث المذكور أن قوله : " لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ " ، مشعر بأن ذلك على الندب إن طاعت به نفسه ؛ لأنه لا يجب على ولي الميت أن يؤدي من ماله عن الميت دينا بالاتفاق ، لكن من تبرع به انتفع به الميت ، وبرئت ذمته ، وقال ابن حزم : من مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة واجبة ، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم ، ولا إطعام في ذلك أصلا ، أوصى بذلك ، أو لم يوص به ، ويبدأ به على ديون الناس ، وفيه صحة القياس ، وفيه قضاء الدين عن الميت ، وقد أجمعت الأئمة عليه ، فإن مات وعليه دين لله ودين لآدمي قدم دين الله لقوله : " فدين الله أحق " ، وفيه ثلاثة أقوال للشافعي الأول : أصحها تقديم دين الله تعالى . الثاني : تقديم دين الآدمي . الثالث : هما سواء ، فيقسم بينهما .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث