الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صوم يوم الجمعة فإذا أصبح صائما يوم الجمعة فعليه أن يفطر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1883 92 - حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عبد الحميد بن جبير ، عن محمد بن عباد قال : سألت جابرا رضي الله عنه : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة ؟ قال : نعم زاد غير أبي عاصم : أن ينفرد بصوم .

التالي السابق


مطابقته للترجمة من حيث إن صوم يوم الجمعة منفردا مكروه ؛ لأنه منهي عنه ، والترجمة تتضمن معنى الحديث .

ذكر رجاله ، وهم خمسة :

الأول : أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد .

الثاني : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج .

الثالث : عبد الحميد بن جبير مصغر الجبر ابن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله الحجبي .

الرابع : محمد بن عباد بفتح العين وتشديد الباء الموحدة المخزومي .

الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه .

ذكر لطائف إسناده :

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه السؤال . وفيه القول في موضع واحد . وفيه أن رواة ما خلا شيخه مكيون . وفيه عبد الحميد ، وهو تابعي صغير روى عن عمته صفية بنت شيبة ، قال بعضهم : هي من صغار الصحابة .

قلت : قال ابن الأثير : اختلف في صحبتها ، وقال الدارقطني : لا تصح لها رؤية . وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . وفيه أن عبد الحميد ليس له في البخاري إلا ثلاثة أحاديث : هذا ، وآخر في بدء الخلق ، وآخر في الأدب . وفيه رواية ابن جريج ، عن عبد الحميد ، وفي رواية عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني عبد الحميد ، وابن جريج ربما رواه عن محمد بن عباد نفسه ، ولم يذكر عبد الحميد ، كذلك أخرجه النسائي قال : أخبرنا عمرو بن علي قال : حدثنا يحيى قال : حدثنا ابن جريج قال : أخبرني محمد بن عباد بن جعفر قال : قلت لجابر : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم ؟ قال : إي ورب الكعبة .

وروى النسائي أيضا ، عن ابن جريج ، عن عبد الحميد بن جبير ، عن محمد بن عباد .

ذكر من أخرجه غيره :

أخرجه مسلم أيضا في الصوم ، عن عمرو الناقد ، وعن محمد بن رافع ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، وعن يوسف بن سعيد ، وعن عمرو بن علي ، وعن سليمان بن سالم ، وعن أحمد بن عثمان ، وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن هشام بن عمار .

ذكر معناه :

قوله ( سألت جابرا ) وفي رواية مسلم : سألت جابر بن عبد الله ، وهو يطوف بالبيت : أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة ؟ فقال : نعم ، ورب الكعبة .

قوله ( زاد غير أبي عاصم ) أي : قال البخاري : زاد غيره من الشيوخ [ ص: 104 ] لفظ ( أن ينفرد بصومه ) أي : بصوم يوم الجمعة ، وفي رواية الكشميهني : ( أن ينفرد بصوم ) ، وغير أبي عاصم هو يحيى بن سعيد القطان ، وقال النسائي : حدثنا عمرو بن علي ، عن يحيى ، عن ابن جريج ، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر قال : قلت لجابر : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم ؟ قال : إي ورب الكعبة .

وروى النسائي أيضا من طريق النضر بن شميل ، ولفظه أن جابرا سئل عن صوم يوم الجمعة ، فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرد .

وروى أيضا من طريق حفص بن غياث ، ولفظه : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة منفردا .

وروى النسائي أيضا من حديث سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة ، وهي صائمة ، فقال لها : أصمت أمس ؟ قالت : لا ، قال : أتريدين أن تصومي غدا ؟ قالت : لا ، قال : فأفطري .

وروى النسائي أيضا من حديث محمد بن سيرين ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا الدرداء لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام ، ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي . وابن سيرين لم يسمع من أبي الدرداء ، وقد اختلف فيه على ابن سيرين ، فقيل : هكذا ، وقيل : عن هشام، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة .

وروى أحمد عن ابن عباس بلفظ : لا تصوموا يوم الجمعة ، وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله ، وثقه ابن معين ، وضعفه الجمهور .

وروى الطبراني في ( الكبير ) من حديث بشير بن الخصاصية بلفظ : لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها . ورجاله ثقات .

وروى الطبراني أيضا من رواية صالح بن جبلة ، عن أنس ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من صام الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له في الجنة قصرا من لؤلؤ وياقوت وزبرجد ، وكتب له براءة من النار . وصالح بن جبلة ضعفه الأزدي ، ففي هذا صوم يوم الجمعة مع يوم قبله .

وروى البزار من حديث عامر بن لدين بلفظ : إن يوم الجمعة فلا تصوموه إلا أن تصوموا يوما قبله أو بعده .

وروى النسائي من رواية حذيفة البارقي ، عن جنادة الأزدي : أنهم دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية نفر ، وهو ثامنهم ، فقرب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما يوم جمعة قال : كلوا ، قالوا : صيام ، قال : صمتم أمس ؟ قالوا : لا ، قال : فصائمون غدا ؟ قالوا : لا ، قال : فأفطروا .

فإن قلت : يعارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي من حديث عاصم ، عن زر ، عن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل غرة شهر ثلاثة أيام ، وقلما كان يفطر يوم الجمعة . وقال : حديث حسن غريب ، ورواه النسائي أيضا ، وما رواه ابن أبي شيبة ، حدثنا حفص ، حدثنا ليث ، عن عمير بن أبي عمير ، عن ابن عمر قال : ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مفطرا يوم جمعة قط . وما أخرجه أيضا عن حفص ، عن ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : ما رأيته مفطرا يوم جمعة قط .

قلت : لا نسلم هذه المعارضة ؛ لأنه لا دلالة فيها على أنه صلى الله عليه وسلم صام يوم الجمعة وحده ، فنهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة في هذه الأحاديث يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده ، بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده ، وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلا بنص صريح صحيح ، فحينئذ يكون نسخا أو تخصيصا ، وكل واحد منهما منتف .

وأما حكم المسألة فاختلفوا في صوم يوم الجمعة على خمسة أقوال :

أحدها : كراهته مطلقا ، وهو قول النخعي ، والشعبي ، والزهري ، ومجاهد ، وقد روي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه ، وقد حكى أبو عمر عن أحمد وإسحاق كراهته مطلقا ، ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه ، عن علي ، وأبي هريرة وسلمان ، وأبي ذر رضي الله تعالى عنهم ، وشبهوه بيوم العيد ، ففي الحديث الصحيح : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إن هذا يوم جعله الله عيدا .

وروى النسائي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : لا صيام يوم عيد .

القول الثاني : إباحته مطلقا من غير كراهة ، وروي ذلك عن ابن عباس ، ومحمد بن المنكدر ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وقال مالك : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ، ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة ، قال : وصيامه حسن .

القول الثالث : أنه يكره إفراده بالصوم ، فإن صام يوما قبله أو بعده لم يكره ، وهو قول أبي هريرة ، ومحمد بن سيرين ، وطاوس ، وأبي يوسف ، وفي كتاب الطراز : واختاره ابن المنذر ، واختلف عن الشافعي ، فحكى المزني عنه جوازه ، وحكى أبو حامد في تعليقه عنه كراهته ، وكذا حكاه ابن الصباغ عن تعليق أبي حامد ، وهذا هو الصحيح الذي يدل عليه حديث أبي هريرة ، وبه جزم الرافعي ، والنووي في الروضة ، وقال [ ص: 105 ] في شرح مسلم : إنه قال به جمهور أصحاب الشافعي ، وممن صححه من المالكية ابن العربي ، فقال : وبكراهته يقول الشافعي ، وهو الصحيح .

القول الرابع : ما حكاه القاضي ، عن الداودي أن النهي إنما هو عن تحريه واقتصاصه دون غيره ، فإنه متى صام مع صومه يوما غيره فقد خرج عن النهي ؛ لأن ذلك اليوم قبله أو بعده ، إذ لم يقل اليوم الذي يليه ، قال القاضي عياض : وقد يرجح ما قاله قوله في الحديث الآخر : لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، ولا ليلته بقيام من بين الليالي .

قلت : وهذا ضعيف جدا ، ويرده حديث جويرية في صحيح البخاري ، وقوله لها : أصمت أمس ؟ قالت : لا ، قال : تصومين غدا ؟ قالت : لا ، قال : فأفطري ، فهو صريح في أن المراد بما قبله يوم الخميس ، وبما بعده يوم السبت .

القول الخامس : أنه يحرم صوم يوم الجمعة إلا لمن صام يوما قبله أو يوما بعده أو وافق عادته بأن كان يصوم يوما ويفطر يوما ، فوافق يوم الجمعة صيامه ، وهو قول ابن حزم لظواهر الأحاديث الواردة في النهي عن تخصيصه بالصوم ، وقال بعضهم : واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وقلما كان يفطر يوم الجمعة . قال : وليس فيه حجة ؛ لأنه يحتمل أن يريد : كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها .

قلت : هذا الحديث رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن ، ورواه النسائي أيضا ، وصححه ابن حبان ، وابن عبد البر ، وابن حزم ، والعجب من هذا القائل يترك ما يدل عليه ظاهر الحديث ، ويدفع حجيته بالاحتمال الناشئ عن غير دليل ، الذي لا يعتبر ولا يعمل به ، وهذا كله عسف ومكابرة .

ثم اعلم أنهم اختلفوا أيضا في الحكمة في النهي عن صوم يوم الجمعة مفردا على أقوال :

الأول : ما قاله النووي عن العلماء : أنه يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل ، والتبكير إلى الصلاة ، وانتظارها ، واستماع الخطبة ، وإكثار الذكر بعدها لقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وغير ذلك من العبادات في يومها ، فاستحب الفطر فيه ليكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها ، والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة . قال : وهو نظير الحاج يوم عرفة ، فإن السنة له الفطر ، ثم قال النووي : فإن قيل : لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى ، ثم أجاب عن ذلك : بأنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه . انتهى .

قلت : فيه نظر إذ جبر ما فاته من أعمال يوم الجمعة بصوم يوم آخر لا تختص بكون الصوم قبله بيوم أو بعده بيوم ، بل صوم يوم الاثنين أفضل من صوم يوم السبت .

الثاني : هو كونه يوم عيد ، والعيد لا صيام فيه ، واعترض على هذا بالإذن بصيامه مع غيره ، ورد بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة ، ألا ترى أنه لا يجوز صومه مع يوم قبله ويوم بعده .

الثالث : لأجل خوف المبالغة في تعظيمه ، فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت ، واعترض عليه بثبوت تعظيمه بغير الصيام ، وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام ، فلو كان الملحوظ موافقتهم لتحتم صومه ؛ لأنهم لا يصومون .

وروى النسائي من حديث أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس ، وكان يقول : إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم . وأخرجه ابن حبان ، وصححه .

الرابع : خوف اعتقاد وجوبه ، واعترض عليه بصوم الاثنين والخميس .

الخامس : خشية أن يفرض عليهم كما خشي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قيام الليل ، قيل : هو منتقض بإجازة صومه مع غيره ، ولأنه لو كان ذلك لجاز بعده صلى الله عليه وسلم لارتفاع السبب .

السادس : مخالفة النصارى ؛ لأنه لا يجب عليهم صومه ، ونحن مأمورون بمخالفتهم ، نقله القمولي ، قال بعضهم : وهو ضعيف ، ولم يبين وجهه .

قيل : أقوى الأقوال وأولاها بالصواب ما ورد فيه صريحا حديثان : أحدهما ما رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين ، عن أبي هريرة مرفوعا : يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده ، والثاني : ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال : من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ، ولا يصم يوم الجمعة ، فإنه يوم طعام وشراب وذكر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث