الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر

174 40 - حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال: حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث، فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت يعني الضرطة.

التالي السابق


أقول: إن كان البخاري أخرج هذا الحديث هاهنا للرد على أحد ممن هو معود بالرد عليه فغير مناسب; لأن حكم هذا الحديث مجمع عليه وليس فيه خلاف، وإن كان لأجل مطابقته لترجمة الباب فليس كذلك أيضا; لأنه داخل فيمن يرى الوضوء من المخرجين، وقال بعض الشراح: والبخاري ساقه لأجل تفسير أبي هريرة بالضرطة وهو إجماع، قلت: لم يتأمل هذا ما قاله; لأن الباب ما عقد له ولا له مناسبة هنا.

( بيان رجاله ) وهم أربعة كلهم قد ذكروا وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام بن شعبة وسعيد بن أبي سعيد المقبري بضم الباء وفتحها وقيل: بكسرها أيضا.

( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم مدنيون إلا آدم فإنه أيضا دخل المدينة .

( بيان المعنى والإعراب ) قوله: لا يزال العبد في صلاة أي في ثواب صلاة. وقوله: "في صلاة" خبر لا يزال. قوله: "ما كان في مسجد"، وفي رواية الكشميهني "ما دام في مسجد". قوله: "ينتظر" إما خبر للفعل الناقص، وإما حال "وفي المسجد" خبره، وإنما نكر الصلاة وعرف المسجد لأنه قصد بالتنكير التنويع; ليعلم أن المراد نوع صلاته التي ينتظرها مثلا لو كان في انتظار صلاة الظهر كان في صلاة الظهر، وفي انتظار العصر كان في صلاة العصر وهلم جرا، وأما تعريف المسجد فظاهر; لأن المراد به هو المسجد الذي هو فيه، وهذا الكلام فيه الإضمار تقديره لا يزال العبد في ثواب صلاة ينتظرها ما دام ينتظرها، والقرينة لفظ الانتظار، ولو كان يجري على ظاهره لم يكن له أن يتكلم، ولا أن يأتي بما لا يجوز في الصلاة.

قوله: ما لم يحدث أي ما لم يأت بالحدث، وكلمة ما مصدرية زمانية، والتقدير مدة دوام عدم الحدث كما في قوله تعالى: ما دمت ، أي مدة دوامي حيا فحذف الظرف وخلفته ما وصلتها.

قوله: "أعجمي" نسبة إلى الأعجم كذا قيل، وهو الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب، والعجم خلاف العرب، والواحد أعجمي، وقال ابن الأثير : كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. وقال الجوهري : لا تقل رجل أعجمي فتنسبه إلى نفسه، إلا أن يكون أعجم وأعجمي بمعنى، مثل دوار ودواري. قلت: فهم من كلامه أن الياء في أعجمي ليست للنسبة كما قال بعضهم، وإنما هي للمبالغة.

قوله: " فقال رجل " إلى آخره مدرج من سعيد .

( بيان استنباط الأحكام ) الأول فيه فضل انتظار الصلاة; لأن انتظار العبادة عبادة. الثاني فيه أن من يتعاطى أسباب [ ص: 54 ] الصلاة يسمى مصليا. الثالث فيه أن هذه الفضيلة المذكورة لمن لا يحدث.

وقوله: "ما لم يحدث" أعم من أن يكون فساء أو ضراطا أو غيرهما من نواقض الوضوء من المجمع عليه والمختلف فيه. وقال الكرماني : فإن قلت : الحدث ليس منحصرا في الضرطة. قلت: المراد الضرطة ونحوها من الفساء وسائر الخارجات من السبيلين، وإنما خصص بها لأن الغالب أن الخارج منهما في المسجد لا يزيد عليها، قلت: السؤال عام والجواب خاص، وينبغي أن يطابق الجواب السؤال، ولكن فهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن مقصود هذا السائل الحدث الخاص، وهو الذي يقع في المسجد حالة الانتظار. والعادة أن ذلك لا يكون إلا الضرطة، فوقع الجواب طبق السؤال، وإلا فأسباب النقض كثيرة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث