الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

5217 5537 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل، عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يريد أن يأكل. فقالوا: هو ضب يا رسول الله. فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: "لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر. [انظر:

5391 - مسلم: 1946 - فتح:9 \ 663]

التالي السابق


ذكر فيه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الضب لست آكله ولا أحرمه".

وحديث خالد بن الوليد أنه أكل بحضرته. الحديث بطوله سلف الكلام عليه، وهو مباح عند مالك والشافعي، وكرهه أبو حنيفة .

وحديث الباب صريح في الإباحة، وعلل بالعيافة.

وهذا الضب جاء أنه أهداه خالة ابن عباس أم حفيد أو حفيدة بنت الحارث بن حزن أخت ميمونة وكانت (بنجد تحت) رجل من بني جعفر.

[ ص: 538 ] وفي لفظ: "كلوا فإنه حلال" ، وفي آخر: "لا بأس به" ، وفي آخر: "لا آكله ولا أنهى عنه" .

ولأبي داود، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: فجاءوا بضبين مشويين على ثمامتين، فتبزق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له خالد: إخالك تقذره يا رسول الله. قال: "أجل" .

وفي "الموطأ" من حديث سليم بن يسار رفعه: "من أين لكم هذا؟ " يعني: ضبابا فيها بيض، فقالت: أهدته إلي أختي هزيلة، فقال: "كلا"، فقالا -يعني ابن عباس وخالته-: قال: "إني حضرني من الله حاضر -يريد: الملائكة- والضب له رائحة ثقيلة". فكره أذى الملائكة بذلك، ذكره أبو القاسم في "شرح الموطأ".

ولمسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا: "إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منها، فلست آكلها ولا أنهى عنها". قال أبو سعيد: فلما كان بعد ذلك قال عمر: إن الله تعالى لينفع به غير واحد وإنه لطعام عامة الرعاء، ولو كان عندي لطعمته، وإنما عافه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وفي حديث جابر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أدري" أو قال: "لعله من القرون التي مسخت" .

[ ص: 539 ] وعن ثابت بن وديعة عند أبي داود: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جيش فأصبنا ضبا، فشويت منها ضبا ووضعته بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخذ عودا فعد به أصابعه ثم قال: "أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي" فلم يأكل ولم ينه . وصح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه - عليه السلام - وجد ريح ضب فرخص لهم في أكله. وعن ابن المسيب قال عمر: ضب أحب إلي من دجاجة. وعن الشعبي أنه - عليه السلام - سئل عن الضب، فقال: "حلال لا بأس بأكله لكني أعافه" .

ولأبي داود عن ابن عمر بإسناد جيد أنه - عليه السلام - قال: "وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن"، فقام رجل من القوم فجاء به، فقال: "في أي شيء كان السمن؟ " قال: في عكة ضب. فقال "ارفعه" .

وعن عبد الرحمن بن شبل أنه - عليه السلام - نهى عن أكل لحم الضب .

وروى ابن أبي عاصم بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن حسنة قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلنا أرضا كثيرة الضباب فذبحنا، فبينما القدور تغلي بها إذ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أمة من بني إسرائيل فقدت، وإني أخاف أن يكون من هذا". فأكفأناها وإنا لجياع.

[ ص: 540 ] وعن أبي سعيد قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضب، قال: "اقلبوه". فقلبوه، فقال: "تاه سبط من بني إسرائيل حين غضب الله عليهم، فإن يكن فهو هذا" . وعن عائشة - رضي الله عنها -: أهدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ضب) فلم يأكل منه، فقلت: يا رسول الله، ألا نطعمه السؤال؟ فقال: "لا (تطعموا) السؤال ما لا تأكلون" فإن قلت: قد يحمل على الرداءة لا الحرمة، كما نهى عن الصدقة بالرديء.

قلت: ذاك عند القدرة على غيره دون ما إذا لم يكن عنده سواه أو كان نفر من طبعه دون طبع غيرهن والظاهر أن عائشة لم يكن عندها سواه. والأشبه أن تحمل الكراهة عند الحنفية على التنزيه لتتفق معاني الآثار وكما أسلفناه من أن المسخ لا يعقب.

قال ابن أبي عاصم: وفي الضب عن أبي مريم الكندي وعبد الرحمن بن شبل وسمرة وميمونة وخزيمة بن جزء.

قلت: حديث سمرة أخرجه الدارمي، ولفظه: "أمة من بني إسرائيل مسخت، فلا أدري أي الدواب مسخت".

ثم ساقه من حديث أبي هريرة مرفوعا قال: ومنها ألفاظ مختلفة على رجال شتى من الصحابة، لم يصحح أحد منهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحريمها، وأكثر من روى أنه أمسك عن أكلها عيافة.

[ ص: 541 ] وحديث عبد الرحمن بن حسنة يدل على النهي، إذ أمر أن تكفأ القدور بها .

وحديث ميمونة أخرجه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن أبي زياد بلفظ: "إنكما أهل نجد تأكلونها، وإنا أهل المدينة لا نأكلها".

ومن حديث الحارث عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه كره أكلها .

فصل:

قال ابن حزم: أكل الضب حلال ولم ير أبو حنيفة أكله.

روى أبو الزبير عن جابر - رضي الله عنه - أنه سئل عن الضب فقال: لا نطعمه. قال: وحديث عبد الرحمن بن شبل ففيه ضعفاء ومجهولون، وأما حديث عبد الرحمن بن حسنة فصحيح وحجة، إلا أنه منسوخ بلا شك; لأن فيه أنه - عليه السلام - إنما أمر بإكفاء القدور بالضباب خوف أن تكون من بقايا مسخ الأمة السالفة، هذا نص الحديث، فإن وجدنا عنه - عليه السلام - ما يؤمن من هذا الظن بيقين فقد ارتفعت الكراهة أو المنع في الضب فنظرنا في ذلك فوجدنا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود، قيل: يا رسول الله، القردة والخنازير مما مسخ؟ فقال: "إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك" فصح يقينا أن تلك المخافة منه في الضباب أن تكون مما مسخ قد ارتفعت وأنها ليس مما مسخ (ولا مما مسخ) شيء في صورتها فحلت.

[ ص: 542 ] وحديث ابن عباس في أكله بحضرة رسول الله نص على تحليله وهو الآخر الناسخ; لأن ابن عباس لم يجتمع -بلا شك- مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة إلا بعد انقضاء الفتح وحنين والطائف ولم يغز بعدها إلا تبوك، ولم تصبهم في تبوك مجاعة أصلا، فصح يقينا أن خبر ابن حسنة كان قبل هذا بلا مرية فارتفع الإشكال جملة وصحت إباحة عمر وغيره .

قلت: قوله: لأن ابن عباس. إلى آخره. قد يحتمل أنه كان لما تزوج ميمونة، ويحمل قوله: في بيت ميمونة، على موضع منها أي موضع كان.

وغزوة تبوك سماها الرب تعالى بالعسرة وقد أسلفنا عن عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن عمر في كراهة أكلها.

وقوله في حديث ابن شبل ما سلف من الطعن يرده أن أبا داود أخرجه عن محمد بن عوف الحمصي الإمام -وثقه الخلال ومسلمة والجياني- عن الحكم بن نافع -وهو ثقة عند أبي حاتم الرازي وابن معين والخليلي وابن حبان في "ثقاته" ، وأثنى عليه غيرهم- عن إسماعيل بن عياش -وقد قال جماعة: حديثه عن الشاميين صحيح، منهم يحيى بن معين والبخاري (والعلاء بن...) ويعقوب بن سفيان وأبو زرعة وأبو أحمد الحاكم والبرقي والساجي وابن حبان وابن عدي وحديثه هنا عن الشاميين وهو ضمضم بن زرعة بن ثوب

[ ص: 543 ] الحمصي الشامي
وثقه ابن حبان ، وقال الأونبي في "ثقاته": وثقه ابن نمير وغيره.

وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي: لا بأس به عن شريح بن عبيد الشامي الحمصي وهو ثقة عند النسائي ودحيم وابن حبان والعجلي ومحمد بن عوف، وابن خلفون عن أبي راشد الحبراني وهو ثقة عند العجلي وابن حبان والحاكم عن (شرحيل) وصحبته ثابتة بلا شك، فهذا إسناد لا ضعيف فيه ولا مجهول.

فصل:

قال الطبري عقب حديث خالد: قال به جماعة من السلف وأحلوا أكله، روي عن عمر وعائشة وابن مسعود.

وقال أبو سعيد الخدري: إن كان أحدنا ليهدى إليه الضب المكونة أحب إليه من أن تهدى له الدجاجة السمينة.

وروي عن ابن سيرين، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي، وقد سلف عن أبي حنيفة الكراهة ونقله الطبري عن الكوفيين أن أكلها

[ ص: 544 ] مكروه وليست بحرام، وروي عن أبي هريرة، وقال آخرون: حرام.

واعتلوا بحديث الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلنا أرضا كثيرة الضباب فذبحناها فبينما القدور تغلي .. الحديث وقد سلف، ثم ساق حديث عائشة السالف أيضا.

قالوا: الأخبار بالنهي عنها صحيحة، وقد روى عبد الرحمن الشامي عن الحارث، عن علي - رضي الله عنه - أنه نهى عن الضب، قال: والصواب في ذلك قول من قال إنه حلال; للخبر الصحيح عنه.

وتركه عباد كما قاله عمرو، ولم يأت خبر صحيح بتحريمه بل قال له عمر: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا".

وقد روى الثوري عن علقمة بن مرثد، عن [المغيرة] بن عبد الله اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن [ابن] مسعود أنه - عليه السلام - سألته أم حبيب : يا رسول الله، القردة والخنازير؟ .. الحديث، وقد سلف.

قال الطحاوي: فبين في هذا الحديث أن المسوخ لا يكون لها نسل ولا عقب فعلمنا بذلك أن الضب لو كان مسخا لم يبق .

وروي عن ابن عباس أنه قال: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب.

وأما حديث الأسود عن عائشة - رضي الله عنها - فلا حجة لهم فيه، ثم

[ ص: 545 ] ذكر ما أسلفناه من أنه أراد أن يكون مما يتقرب به إلى الله من خير الطعام، كما نهى أن يتصدق بالبسر والتمر الرديء، وفي ذلك نزلت ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون [البقرة: 267] وبقول مالك قال الطحاوي.

قال الطبري: وليس في الحديث أنه - عليه السلام - قطع أن الضب من المسوخ وإنما قال: أخشى أن تكون مسخت على صور هذه وخلقتها، لا أنها بعينها فكرهها; لشبهها في الخلقة والصورة، خلقا غضب الله عليه فغيره الله تعالى عن هيئته وصورته إلى صورتها، وعلى هذا التأويل يصح معنى قوله: إن المسخ لا يعقب.

ومعنى قول ابن عباس السالف إذ لم يمسخ الله تعالى خلقا من خلقه على صورة دابة من الدواب إلا كره إلى نبينا وأمته أكل لحم تلك الدابة أو حرمها كتحريمه عليهم لحوم الخنازير التي مسخت على صورتها أمة من اليهود، وكتحريمه لحوم القردة التي مسخت على صورتها فيهم أمة أخرى غير أن قوله: "أخشى أن تكون هذه" بيان واضح أنه لم يتبين أن الضب من نوع الأمة التي مسخت; ولذلك لم يحرمها (ولو) تبين له فيها ما تبين من القردة والخنازير لحرمها، ولكنه رأى خلقا مشكلا يشبه المسوخ فكرهه ولم يحرمه ولم يأته وحي من الله.

فصل:

قال غيره: وفيه من الفقه أنه يجوز للمرء أن يترك أكل ما هو حلال إذ لم يجر له بأكله عادة، ويكون في سعة من ذلك.

فصل:

معنى "أعافه": أكرهه، يقال: عافه الطعام يعافه عيافة وعيوفا: إذا كرهه.

[ ص: 546 ] والمحنوذ: المشوي، قال تعالى جاء بعجل حنيذ [هود: 69] أي: محنوذ، حنذت اللحم حنذا: شويته.

وقوله: (فاجتررته)، هو بالجيم والراء المكررة، وفي نسخة بالزاي.

فصل:

(الضب) بفتح الضاد: حيوان بري معروف.

قال الداودي: هو دويبة صغيرة فوق الحية في الغلظ والطول، وكان أهل المدينة يأكلونها وكانت عند أحدهم خيرا من دجاجة، وقد أسلفناه عن عمر وغيره، وعبارة صاحب "الغريبين": هي دويبة تشبه الورل يأكله العرب، وكذا نص عليه الجوهري أن الورل يشبه الضب أيضا . وهي لا ترد الماء، ومن عجائبه أن الذكر له ذكران والأنثى فرجان، ويشترك معه في هذه (الخصوصية) السقنقور وأن أسنانه لا تتبدل ولا يقلع منها شيء، يقال: إنها قطعة واحدة.

وأفاد ابن خالويه في كتاب "ليس": أنه يعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال: إنها تبول في كل أربعين يوما قطرة، وغير ذلك مما أوضحته في "لغات المنهاج" فراجعه منه.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث