الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

3802 [ 1926 ] وعنه، قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة، قال أسامة: وأنا أشك - على حجر - فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، وهو زوج أم سليم بنت ملحان، فقلت: يا أبتاه، قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كسر من خبز، وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء أحد معه قل عنهم، وساق الحديث.

وفي أخرى: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة. قال: فعاد كما كان. فقال: دونكم هذا.

رواه مسلم (2040) (143). [ ص: 310 ]

التالي السابق


[ ص: 310 ] و(قوله في حديث أنس : فأخرجت أقراصا من شعير، فلفته بالخمار ثم أرسلت بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) وفي الرواية الأخرى: ( إن أبا طلحة أمر أم سليم أن تصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما لنفسه خاصة ) وفي أخرى: ( إن أبا طلحة قال لأم سليم : هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كسر وتمرات، فإن جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده أشبعناه، وإن جاء أحد معه قل عنهم ).

قلت: وهذه روايات مختلفة، فإن كان وقع ذلك مرات فلا إشكال، وإن كان مرة واحدة كان ذلك اضطرابا، غير أنه يمكن الجمع بين تلك الألفاظ، ويرتفع الاضطراب، لكن على تكلف وبعد.

و(قوله: فدسته تحت ثوبي ) كذا في كتاب مسلم عند سائر رواته، وفي "الموطأ": تحت يدي. أي: إبطي. والدس: وضع الشيء في خفية ولطافة.

و(قوله: وردتني ببعضه ) يعني به: أنها جعلت الطرف الثاني من الخمار عليه كالرداء.

[ ص: 311 ] و(قول أبي طلحة لأم سليم : قد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس وليس عندنا ما نطعمهم ) قول على مقتضى العادة. و(جواب أم سليم بقولها: الله ورسوله أعلم ) قول أخرجه النظر إلى إمكان خرق العادة، ورجاء بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالذي كان.

و(العكة): وعاء صغير من جلد يجعل فيه السمن، والنحي أكبر منه. و(أدمته) بمد الألف وقصرها; أي: جعلت السمن في الخبز وهو الأدم، فصار الخبز مأدوما.

و(قوله: ليتحلق عشرة عشرة ) فيه دليل على استحباب اجتماع هذا العدد على جفنة واحدة عند كثرة الناس، لكن هذا إذا لم تحمل الجفنة أكثر من ذلك، فلو كانت كجفنة الركب لأكل عليها أكثر من هذا العدد.

و(قوله: فأكلوا حتى شبعوا ) دليل على جواز الشبع، خلافا لمن كرهه [ ص: 312 ] مطلقا. وهم قوم من المتصوفة، لكن الذي يكره منه ما يزيد على الاعتدال، وهو الأكل بكل البطن، حتى لا يترك للماء ولا للنفس مساغا . وقد ينتهي هذا إلى تجاوز الحد، فيحكم عليه بالتحريم كما تقدم.

وكونه - صلى الله عليه وسلم - أكل بعدهم; إنما كان ذلك لأنه هو أطعمهم ببركة دعائه، فكان آخرهم أكلا، كما قال في الشراب: (ساقي القوم آخرهم شربا). وأيضا: فليحصل على درجة الإيثار; فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان [ ص: 313 ] أشدهم جوعا; لأنه كان قد شد على بطنه بحجرين، ومع ذلك فقدمهم عليه وآثرهم بالأكل قبله.

وشد البطن بالحجر يسكن سورة الجوع، وذلك: أنه يلصق البطن بالأمعاء، والأمعاء بالبطن، فتلتصق المعدة بعضها بالبعض، فيقل الجوع. وقيل: إنما يفعل ذلك ليقوى من الضعف الذي يجده بسبب الجوع. والأول أبين. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث