الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في التسمية في ابتداء الأكل والشرب والحمد بعدهما وآداب أخرى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ويسن أن يغض طرفه عن جليسه ويؤثر على نفسه المحتاج ويخلل أسنانه إن علق بها شيء قال في المستوعب : روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال ترك الخلال يوهن الأسنان ، وذكره بعضهم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشيخ عبد القادر يكره التخلل على الطعام ولا يتخلل بقصب [ ص: 182 ] ورمان وريحان وطرفاء ونحوها ، وكذا ذكر غير واحد أنه يخلل ما بين المواضع بعد الأكل قال صاحب النظم ، والق ذلك وهذا للخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا { من أكل فما تخلل فليلفظ ، ومن لاك بلسانه فليبلع من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج } . رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهم وفي إسناده حصين بن الحميري الحبراني عن أبي سعيد الخير ويقال أبو سعد وهما مجهولان فلهذا ضعفه غير واحد وصححه ابن حبان وغيره وضعفه أولى ، وقياس قول الأصحاب العمل به في الاستحباب كما قالوا بما فيه من المستجمر ، والمكتحل ، ولا يأكل ما يشرب عليه الخمر ، ولا مختلطا بحرام بلا ضرورة .

قال بعض أصحابنا ومن الآداب أن لا يأكل إلا مطمئنا وهذا خلاف أشهر التفسيرين فيما رواه من قول النبي صلى الله عليه وسلم { أما أنا فلا آكل متكئا } أي لا آكل أكل راغب في الدنيا متمكن بل آكل مستوفزا بحسب الحاجة وقد فسر ذلك بالتربع لما فيه من التجبر .

وعنه عليه السلام أنه قال { إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد ، وآكل كما يأكل العبد } وفسر الاتكاء بالميل على الجنب ، والاستناد إلى شيء وهذا هو المتبادر إلى الفهم عرفا وهو يضر من جهة الطب لتغير الأعضاء ، والمعدة عن الوضع الطبيعي ولا يصل الغذاء بسهولة .

وقال ابن هبيرة أكل الرجل متكئا يدل على استخفافه بنعمة الله فيما قدمه بين يديه من رزقه وفيما يراه الله من ذلك على تناوله ، ويخالف عوائد الناس عند أكلهم الطعام من الجلوس إلى أن يتكئ فإن هذا يجمع بين سوء الأدب ، والجهل واحتقار النعمة ، ولأنه إذا كان متكئا لا يصل الغذاء إلى قعر المعدة الذي هو محل الهضم فلذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ونبه على كراهته . [ ص: 183 ]

وعنه عليه السلام { أنه أكل مقعيا تمرا } وفي لفظ { يأكل منه أكلا ذريعا } وفي لفظ { حثيثا } روى ذلك مسلم من حديث أنس . " مقعيا " أي جالسا على أليته ناصبا ساقيه ، " وذريعا " " وحثيثا " أي مستعجلا لشغل آخر . وسبق في الفصل الأول أنه عليه السلام جثا قال إسحاق بن منصور قلت لأبي عبد الله تكره الأكل متكئا قال أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا آكل متكئا ؟ } قال في المستوعب . لا يأكل متكئا فقد نهي عنه وقال في موضع إن من آداب الأكل أن لا يأكل متكئا ولا منبطحا ولا يأكل إلا مطمئنا .

وعن ابن عمر رضي الله عنه { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل وهو منبطح على بطنه } وقال لم يسمعه جعفر بن برقان من الزهري وهو منكر ، ثم رواه من طريق آخر أنه بلغه عن الزهري .

وذكر مشايخ الحنفية أنه لا بأس الأكل متكئا ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل يوم خيبر متكئا كذا قالوا ، ولا يلقم جليسه ولا يفسح له إلا بإذن رب الطعام ، ذكره في الرعاية الكبرى .

وقال بعض أصحابنا من الأدب أن لا يلقم أحدا يأكل معه إلا بإذن مالك الطعام ، وهذا يدل على جواز ذلك عملا بالعادة ، والعرف في ذلك لكن الأدب ، والأولى الكف عن ذلك لما فيه من إساءة الأدب على صاحبه ، والإقدام على طعامه ببعض التصرف من غير إذن صريح وفي معنى ذلك تقديم بعض الضيفان ما لديه ونقله إلى البعض الآخر لكن لا ينبغي لفاعل ذلك أن يسقط حق جليسه من ذلك ، والقرينة تقوم مقام الإذن في ذلك قال أنس { دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فانطلقت معه فجيء بمرق فيها دباء فجعل يأكل من ذلك الدباء ويعجبه فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه ولا أطعمه قال أنس فما زلت أحب الدباء } رواه مسلم ، والبخاري ولم يقل ولا أطعمه .

وفيه أن خادم الكبير يتبعه في الدعوة كما هو في العرف وإن لم ينص عليه بخلاف غيره من زوجة وغيرها ، ولأنه قد يتوقف حضور الكبير عليه لتعلق مصلحته وحاجته به ، ، والداعي يرضى بذلك ويأذن فيه عادة وعرفا لا بغيره فاختص [ ص: 184 ] بالجواز لذلك ، وقد يقال كأنه مدعو لهذا المعنى وهذا متوجه واضح كما ترى ولم أجد من ذكره .

فإن قيل من المعلوم أن الداعي يأذن في ذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل يأذن لما ذكرنا وهو أمر مشترك لا لمعنى خاص ولهذا استأذن عليه السلام في غير خادمه ولم يستأذن في خادمه قط مع أنه خدمه مدة إقامته عليه السلام بالمدينة لا زمنا يسيرا وكان عليه السلام لا يمتنع من دعوة بلا عذر وخادمه ملازمه غالبا أو كثيرا والله أعلم .

وعن أبي مسعود الأنصاري قال : { كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب وكان له غلام لحام فقال لغلامه : ويحك اصنع لنا طعاما لخمسة نفر فإني أريد أن أدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة فاتبعهم رجل لم يدع فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع قال بل آذن له يا رسول الله } متفق عليه وليس في مسلم لم يدع ، فيه أن من دعي فتبعه رجل لا ينهاه ولا يأذن له ويلزمه إعلام صاحب الطعام ويستحب لصاحب الطعام أن يأذن له ما لم يكن في حضوره مفسدة .

وعن أنس ( رضي الله عنه ) { أن جارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيا كان طيب المرق صنع له طعاما ، ثم جاء يدعوه فقال : وهذه لعائشة فقال : لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فعاد يدعوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذه قال : لا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، ثم عاد يدعوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه قال نعم في الثالثة ، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله } رواه مسلم كره عليه السلام أن يختص عن عائشة بالطعام في هذه الحال لحاجتها في ذلك الوقت أو لمعنى يختص بهذه الحال ولأنه لم يكن حضورها معه في ذلك معتادا وقوله يتدافعان أي يمشي كل واحد في أثر الآخر .

وأما ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه من ذهابه هو عليه السلام وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما في حال الضرورة ، والفاقة إلى حديقة أبي الهيثم بن التيهان رضي الله عنه فلا يدل على جواز استتباع الإنسان [ ص: 185 ] إلى دار من يعلم رضاه بذلك ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مدعوا في تلك الحال ، والقضية قضية عين يحتمل أنهم علموا رضاه بذلك وهذا جائز ويحتمل أنهم أضياف في هذه الحال ولهذا قال أبو الهيثم الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ويحتمل أن فيه دلالة على استتباعه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم { قال لأبي بكر وعمر قوما فقاما فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت مرحبا وأهلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأين فلان ؟ قالت ذهب ليستعذب لنا من الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، ثم قال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال كلوا وأخذ المدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياك ، والحلوب فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم } .

وزاد الترمذي فقال النبي صلى الله عليه وسلم { هل لك خادم قال : لا قال : فإذا أتانا شيء فائتنا فأتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين فأتاه أبو الهيثم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهما قال يا نبي الله اختر لي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن المستشار مؤتمن خذ هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفا . فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول النبي صلى الله عليه وسلم فقالت امرأته : ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن نعتقه قال فهو عتيق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد وقي }

هذا حديث تضمن فوائد حسنة يحتاج إليها مفهومة منه فلهذا ذكرته والله أعلم ، ولكن في خبر جابر رضي الله عنه زمن الخندق { أنه صنع طعاما ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : فقلت طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال : كم هو ؟ فذكرت له قال كثير طيب ، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز حتى آتي قال قوموا فقام المهاجرون ، والأنصار ومن معهم قال : فقال ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة ، والتنور إذا أخذ منه [ ص: 186 ] ويقرب إلى أصحابه حتى شبعوا وبقي بقية قال كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة يعني يقول لامرأة جابر } رواه البخاري .

وفي الصحيحين قال جابر { فجئته فساررته فقلت يا رسول الله إنا قد ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير كان عندنا فتعال أنت في نفر معك فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا فحي هلا بكم وفيه فبصق فيهما وبارك . وفيه وهم ألف فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا ، وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو } .

وفي البخاري { أنه عرضت في الخندق كدية شديدة فجاءوا إليه فقال أنا نازل ، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم } .

ومثل معنى هذه القصة في استتباع المدعو إلى من يعلم رضاه حديث { أنس رضي الله عنه لما أرسله أبو طلحة يدعوه فقال لمن عنده : قوموا وفيه أنه كان عصب بطنه عن الجوع : وفيه أن أبا طلحة رآه في المسجد يتقلب ظهرا لبطن فظنه لجائعا ، وفيه أنه أذن لعشرة عشرة } .

وفي البخاري أن القوم كانوا ثمانين رجلا وفي مسلم ، والقوم سبعون رجلا أو ثمانون صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم وأرضاهم . وأخذ في شرح مسلم من حديث أنس السابق استحباب إيثار الضيفان بعضهم بعضا إذا لم يكره صاحب الطعام كذا قال . وعن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما { أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة } كذا في مسلم أي بتمام ثلاثة .

وفي البخاري : " ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس " أو كما قال ، وإن أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صليت العشاء ، ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعد ما ذهب من الليل ما شاء الله ، قالت امرأته : ما أحبسك عن [ ص: 187 ] أضيافك قال أوما عشيتهم ؟ قالت أبوا حتى تجيء أنت قد عرضوا عليهم فغلبوهم قال : فذهبت أنا فاختبأت فقال يا غنثر فجدع وسب وقال : كلوا لا هنيئا وقال : والله لا أطعمه أبدا قال : وايم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها قال : شبعنا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر ، ثم قال لامرأته يا أخت بني فراس ما هذا ؟ قالت : لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار ، فأكل منها أبو بكر وقال إنما كان ذلك من الشيطان يعني يمينه . وعنه أيضا قال { نزل علينا أضياف لنا وكان أبي يتحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل قال فانطلق قال يا عبد الرحمن افرغ من أضيافك قال فلما أمسيت جئنا بقراهم قال فأبوا قالوا حتى يجيء أبو منزلنا فيطعم معنا قال فقلت إنه رجل حديد وإنكم إن لم تفعلوا خفت أن يصيبني منه أذى قال فأبوا فلما جاء لم يبدأ بشيء أول منهم فقال فرغتم من أضيافكم ؟ قالوا لا والله ما فرغنا قال أولم آمر عبد الرحمن قال وتنحيت عنه فقال يا عبد الرحمن فتنحيت ، فقال يا غنثر أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي إلا أجبت قال فجئت فقلت والله ما لي ذنب ، هؤلاء أضيافك فسلهم قد أتيتهم بقراهم فأبوا أن يطعموا حتى تجيء قال فقال ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم قال : فقالأبو بكر والله لا أطعمه الليلة قال فقالوا والله لا نطعمه حتى تطعمه قال فما رأيت الشر كالليلة قط ، ويلكم ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم ، ثم قال إنما الأولى فمن الشيطان هلموا قراكم قال فجيء بالطعام فسمى فأكل وأكلوا قال فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بروا وحنثت ، وأخبره قال بل أنت أبرهم وأخيرهم قال ولم تبلغني كفارة } . رواهما مسلم ، والبخاري وليس فيه : " بروا وحنثت إلى آخره " . وفيه فحلفت المرأة لا تطعمه حتى يطعمه ، وليس عنده : حتى نعس وهي بفتح العين إنما عنده حتى تعشى . [ ص: 188 ]

فيه الاشتغال عن الضيف بشغل ومصلحة إذا كان له من يقوم به . وفيه أن الضيف لا يمتنع مما يريد المضيف مما يتعلق بقراه ولا يعترض عليه فإن علم أنه يتكلف مشقة حياء منه اعترض برفق ; لأنه قد يكون للمضيف غرض في ذلك فيشق عليه إظهاره ويشق عليه مخالفة الضيف وقد ذكر أبو زكريا النواوي ذلك عن العلماء .

وفيه السمر مع الضيف والأهل كما ترجم عليه البخاري وترجم أيضا ( باب في قول الضيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل ) وإنما امتنع أضياف أبي بكر لمصلحة ; لأنه قد لا يحصل له عشاء . وإنما اختبأ عبد الرحمن خوف خصام وشتم ، وغنثر الأشهر أنه بغين معجمة ومضمومة ، ثم نون ساكنة ، ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة وهو الثقيل ، وقيل الجاهل وقيل السفيه وقيل اللئيم وقيل هو ذباب أزرق .

ورواه بعضهم عنتر بعين مهملة وتاء مثناة مفتوحتين وهو الذباب الأزرق ، وقوله فجدع أي دعا بالجدع وهو قطع الأنف وغيره ، والسب الشتم .

وفيه الاختباء خوف أذى وإنه لا أذى بمثل هذا من الوالد . قوله : لا هنيئا إنما قاله غيظا بتركهم العشاء بسببه ، كذا في شرح مسلم فيؤخذ منه عدم المؤاخذة عما يحدث في حال الغيظ . ويتوجه أنه قال أدبا على مخالفة السنة وله نظائر كقوله عليه السلام للممتنع من الأكل بيمينه وقوله لا أستطيع قال { لا استطعت ما منعه إلا الكبر } .

وقوله { من سمعتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليه } وقول ابن عمر رضي الله عنهما للقائل في الجنازة استغفروا له : لا غفر الله لك . وقيل في قوله لا هنيئا إنما هو خبر أي لم يتهنوا به في وقته ، وفيه إثبات كرامات الأولياء خلافا للمعتزلة وقرة العين يراد بها المسرة فقيل مأخوذ من القرار ، لأن عينه تقر لحصول مراده فلا تستشرف لشيء ، وقيل مأخوذ من القر بضم القاف وهو البرد أي عينه باردة لسرورها يقال أقر الله عينه أي أبرد دمعته ; لأن دمعة الفرح باردة . ويقال في ضده أسخن الله عينه ، وفيه القسم بمخلوق قيل أرادت بقرة عينها النبي صلى الله عليه وسلم فأقسمت به ، وقوله لا وقرة عيني لا زائدة وقيل نافية أي لا شيء غير ما أقول وهو قرة عيني . [ ص: 189 ]

وقوله رجل حديد : أي قوي يغضب لذلك . قوله ألا تقبلون ؟ ألا بتخفيف اللام للتحضيض وافتتاح الكلام ، وقيل مشددة أي ما لكم لا تقبلون ؟ وأي شيء منعكم ؟ قوله أخيرهم هي لغة ، والأشهر خيرهم ، وفيه تقديم حنث المضيف لتأكد حق الضيف ، وقوله لم يبلغني كفارة أي قبل الحنث ، أما وجوبها فلا خلاف فيه ، كذا في شرح مسلم ، والمسألة مذكورة في الأيمان من الفقه .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني مجهود فأرسل إلى نسائه قلن كلهن : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء قال من يضيفه هذه الليلة رحمه الله ؟ فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته هل عندك شيء ؟ قالت لا إلا قوت صبياننا قال فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه قال فقعدوا فأكل الضيف فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة } متفق عليهما . وفيهما { وقربي للضيف ما عندك } قال فنزلت الآية .

وفي البخاري : { ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ندخر به شيئا }

وفيه { إذا أراد الضيف العشاء فنوميهم } . وفيه { أن من سئل شيئا قام به إن أمكنه وإلا سأل له } لكن ليس في الخبر سؤال معين ، وفيه ما كان عليه النبي من الزهد في الدنيا ، والتقلل منها ، وفيه الاحتيال ، والتلطف بإكرام الضيف على أحسن الوجوه ، والخبر محمول على أنه لم يكن بالأنصاري وأولاده حاجة إلى الأكل بحيث يحصل الضرر بتركه وإلا لوجب تقديمهم شرعا على حق الضيف وفيه الإيثار ممن لم يتضرر بأمور الدنيا قال في شرح مسلم أجمع العلماء على فضيلته وقد يكون ذلك سببا لحصول الكفاية مع حيازة الفضيلة .

ولهذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه { طعام الاثنين كاف الثلاثة وطعام الثلاثة كاف الأربعة } ولمسلم من حديث جابر { طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية } .

وفي البخاري من حديث أبي جحيفة { أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين سلمان [ ص: 190 ] وأبي الدرداء وأن سلمان زاره فصنع أبو الدرداء له طعاما وقال له كل فإني صائم ، فقال سلمان ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل } .

قال ابن هبيرة وليس هذا من آداب الضيف ولكنه قصد أن يرد عليه ما كان عليه من الإفراط في كثرة العبادة ، والإعراض عن النساء وغير ذلك قال وفيه استحباب زيارة الأخ أخاه فإن رآه على خير أعانه ، وإن رآه محتاجا إلى تقويم قومه ، قال وفيه جواز أن يؤاخى بين المؤمنين مع أن المؤمنين إخوة إلا أن هذا الإخاء لمعنى وهو أن النبي نظر بنور الأيمان إلى خشونة أبي الدرداء يصلح أن يضاف إليها علم سلمان وفقهه والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث