الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { شهادة بينكم } وقد تقدم معنى ( شهيد ) في هذه السورة أيضا بعينها ، وبينا اختلاف أنواعها ، وقد وردت في كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة ، منها قوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قيل : معناه أحضروا .

ومنها قوله تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو } قضى .

ومنها شهد ، أي أقر ، كقوله : { والملائكة يشهدون } .

ومنها شهد بمعنى حكم ; قال تعالى : { وشهد شاهد من أهلها } .

ومنها شهد بمعنى حلف ، كما جاء في اللعان .

ومنها شهد بمعنى علم . كما قال : { ولا نكتم شهادة الله } أي علم الله .

ومنها شهد بمعنى وصى ، كقوله هاهنا : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } . انتهى كلامه .

وقد نقص موارد منه ، منها قوله : { وما شهدنا إلا بما علمنا } . [ ص: 236 ]

المسألة الرابعة : في ذلك تحقيق ذلك :

وهو أن بناء " شهد " موضوع للعبارة عما يعلم بدرك الحواس ، كما أن " غيب " موضوع للعبارة عما لم يدرك بها ولذلك قلنا : إن الباري تعالى وتقدس عالم الغيب والشهادة فمعنى شهدت : أدركت بحواسي ، أي علمت بهذه الطريق التي جعلها الله سبحانه طرقا لعلمي ، ثم ينقل مجازا إلى متعلقاته ، فمعنى شهد الله : علم مشاهدة ، وأخبر عما علم بكلامه ، وهذا يكون في المحدث ، فإذا ثبت هذا فقوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } أي أحضروا من يعلم لكم ما يشاهد من عقدكم .

وقوله : { شهد الله } أي علم وأخبر عن علمه ، وبين ما علم لنا حتى نتبينه . فأخبر عن حكمه ، فيرجع إلى علمه سبحانه عما يخبر عنه ، لارتباط الخبر والعلم . وشهد بمعنى حلف مثله ; لأنه أخبر عن حاله ، وقرن بخبره تعظيم الله سبحانه وتعالى .

وقوله : { ولا نكتم شهادة الله } يريد ما علمناه وعلمه الله معنا ، فإن صدق وإلا كان خبره عن علم الله كذبا ، والله سبحانه العالم الذي لا يجهل ، والصادق المتقدس عن الكذب .

وأما شهد بمعنى وصى فلا معنى له إلا على بعد لا يحتاج إليه .

وأما قوله تعالى : { شهادة بينكم } في هذه الآية فهي عند العلماء على ثلاثة أقوال : أحدها بمعنى حلف . والثاني : بمعنى حضر للتحمل . والثالث : بمعنى الأداء عند الحاكم . تقول : أشهد عندك ، أي حضرت لأؤدي عندك ما علمت ، وأداؤها بلفظ الشهادة بعيد لا درك عند العلماء لمعناه ، ولا يجزي غيره عنه .

المسألة الخامسة : قوله تعالى : { بينكم }

قال بعض علمائنا : معناه شهادة ما بينكم ، فحذفت ما ، وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، استعمل البين اسما على الحقيقة ، كما قال تعالى : { بل مكر الليل والنهار } . وأنشدوا

: تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفاحا وعني غيب عينيك منزوي

[ ص: 237 ] وأنشدوا :

وأهل خباء صالح ذات بينهم     قد احتربوا في عاجل أتى آجله

وتحقيق القول فيه أن " بين " في أصله مصدر قولك : بان يبين بينا أي فارق ما كان مجتمعا معه ، وانفصل عما كان متصلا به ، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : { ما أبين من حي فهو ميت } . المعنى ما فصل من أعضاء الحيوان عنه حال حياته فهو ميتة يعني لا يحل أكله ; واستعمل ظرفا على معنى الصدر ، وهو باب من أبواب النحو ، تقول : بين الدار والمسجد مسافة . ولو كانا مجتمعين لم يكن بينهما بين ، أي موضع خال منهما . وما كان الاجتماع على ضربين : اجتماع أجسام ، واجتماع معان ، وهي الأخلاق والأهواء جعل افتراق الأهواء كافتراق الأجسام ، واستعمل فيه " بين " الذي هو الافتراق فيهما جميعا .

والدليل عليه قول الله تعالى : { ومن بيننا وبينك حجاب } .

وعلى هذا يحمل قوله : بيني وبينه رحم ، أي ما افترقنا إلا عن أصل واحد . وبيني وبينه شركة أي افترقنا في كل شيء إلا عن جمع المال المخصوص .

فقال أهل الصناعة : هو مصدر في المعاني ، ظرف في الأجسام لما كانت ذوات مساحات محسوسات فرقا بينها وبين المعاني ، والكل في الحقيقة تباين وتباعد وفرقة .

ومنه قوله تعالى : { لقد تقطع بينكم } مرفوعا ومنصوبا .

المعنى : لقد تقطع تباعدكم وافتراقكم بحيث لا يكون له اتصال ; فإن الذي يبين على قسمين ، منه ما يرجى له اتصال ، ومنه ما لا يرجى له اتصال ، فيعبر عنه بالتقطع .

وقد جعل أهل الصناعة هنا " بين " للظرف ، وكثر ذلك حتى جعل اسما في الأهواء المتباينة ، مجازا يعبر به عنها ، وعليه يخرج : لقد تقطع بينكم على قراءة الرفع . المعنى : لقد تفرقت أهواؤكم وأخلاقكم . [ ص: 238 ]

وتارة تضاف بالكناية إليه فيقال : ذات البين . قال الله سبحانه : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } .

قال الشاعر :

وأهل خباء صالح ذات بينهم

كما تقدم .

ويقال : الأمر الذي بينكم ، وما بينكم مبهم ، معناه الأمر الذي فرقكم . فإذا ثبت هذا فمعنى قوله : { شهادة بينكم } ، أي شهادة اختلافكم وتنازعكم ; فتكون الشهادة مضافة إلى المصدر ، لا إلى الظرف ولا على تقدير محذوف . وهذه غاية البيان ، ولو هدي له من تكلم على الآية وما تخبط فيها ولا خلط معانيها .

المسألة السادسة : قوله تعالى : { إذا حضر أحدكم الموت } :

ولفظ { حضر } يعبر به عن الوجود مشاهدة ، وضده غاب ، وهو أيضا عبارة عن الوجود الذي لم يشاهد ، وقد يعبر بقولك : " غاب " عن المعدوم . والباري سبحانه عالم الغيب والشهادة ; أي عالم الموجود والمعدوم ؟ لأنه مثل الوجود في عدم المشاهدة .

وقد وردت هذه اللفظة عبارة عن الموت في كتاب الله حقيقة ، وهو في قوله تعالى : { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت } . وفي قوله : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون } فهو في هذين الموضعين حقيقة الوجود مشاهدة .

وأما ورودها مجازا فبأن يعبر عن حضور سببه بحضوره ، وهو المرض ، فيعبر عن المسبب بالسبب ، وهو أحد قسمي المجاز ، كما بيناه في غير موضع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث