الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب شهود الملائكة بدرا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

3800 وعن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب وقعت الفتنة الأولى يعني مقتل عثمان فلم تبق من أصحاب بدر أحدا ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ

التالي السابق


الحديث السادس والعشرون حديث جبير بن مطعم أيضا ، وهو موصول بالإسناد الذي قبله ، والمطعم هو والد جبير المذكور ، والمراد بالنتنى - جمع نتن وهو بالنون والمثناة - أسارى بدر من المشركين ، وقوله " ليتركنهم له " أي بغير فداء ، وبين ابن شاهين من وجه آخر السبب في ذلك وأن المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي ، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ذلك مبسوطة ، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل وفيه " أن المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح ، وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة . فبلغ ذلك قريشا فقالوا له : أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك " وقيل : المراد باليد المذكورة أنه كان من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل السيرة ، وروى الطبراني من طريق محمد بن صالح التمار عن الزهري عن محمد بن جبير عن أبيه قال : قال المطعم بن عدي لقريش : إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم ، فكونوا أكف الناس عنه " وذلك بعد الهجرة ثم مات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر وله بضع [ ص: 377 ] وتسعون سنة ، وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على ما صنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - . وروى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن علي قال : جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر فقال : خير أصحابك في الأسرى : إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم ، قالوا : الفداء ويقتل منا " . وأخرج مسلم هذه القصة مطولة من حديث عمر ذكر فيها السبب " هو أنه قال : ما ترون في هؤلاء الأسرى ؟ فقال أبو بكر : أرى أن نأخذ منهم فدية تكون قوة لنا ، وعسى الله أن يهديهم . فقال عمر : أرى أن تمكنا منهم فنضرب أعناقهم ، فإن هؤلاء أئمة الكفر . فهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر الحديث ، وفيه نزول قوله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض وقد تقدم نقل خلاف الأئمة في جواز فداء أسرى الكفار بالمال في باب فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها من كتاب الجهاد ، وقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب ؟ فقال بعضهم : كان رأي أبي بكر ؛ لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر ولما استقر الأمر عليه ، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة ، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة ، وأما العتاب على الأخذ ففيه إشارة إلى ذم من آثر شيئا من الدنيا على الآخرة ولو قل ، والله أعلم . الحديث السابع والعشرون

قوله : ( وقال الليث عن يحيى بن سعيد ) لم يقع لي هذا الأثر من طريق الليث ، وصله أبو نعيم في " المستخرج " من طريق أحمد بن حنبل " عن يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري " نحوه .

قوله : ( وقعت الفتنة الأولى ) يعني مقتل عثمان فلم تبق من أصحاب بدر أحدا ، أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة ، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص ، ومات قبل وقعة الحرة ببضع سنين ، وغفل من زعم أن قوله في الخبر " يعني مقتل عثمان " غلط مستندا إلى أن عليا وطلحة والزبير وغيرهم من البدريين عاشوا بعد عثمان زمانا ؛ لأنه ظن أن المراد أنهم قتلوا عند مقتل عثمان ، وليس ذلك مرادا ، وقد أخرج ابن أبي خيثمة هذا الأثر من وجه آخر عن يحيى بن سعيد بلفظ " وقعت فتنة الدار " الحديث ، وفتنة الدار هي مقتل عثمان ، وزعم الداودي أن المراد بالفتنة الأولى مقتل الحسين بن علي ، وهو خطأ فإن في زمن مقتل الحسين بن علي لم يكن أحد من البدريين موجودا .

قوله : ( ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة إلخ ) كانت الحرة في آخر زمن يزيد بن معاوية ، وسيأتي شيء من خبرها في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى .

قوله : ( ثم وقعت الثالثة ) كذا في الأصول ، ووقع في رواية ابن أبي خيثمة " ولو قد وقعت الثالثة " ورجحها الدمياطي بناء على أن يحيى بن سعيد قال ذلك قبل أن تقع الثالثة ، ولم يفسر الثالثة كما فسر غيرها ، وزعم الداودي أن المراد بها فتنة الأزارقة ، وفيه نظر لأن الذي يظهر أن يحيى بن سعيد أراد الفتن التي وقعت بالمدينة دون غيرها ، وقد وقعت فتنة الأزارقة عقب موت يزيد بن معاوية واستمرت أكثر من عشرين سنة . وذكر ابن التين أن مالكا روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال : " لم تترك الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا يوم قتل عثمان ويوم الحرة " قال مالك : " ونسيت الثالثة " قال ابن عبد الحكم : هو يوم خروج أبي حمزة الخارجي ، قلت : [ ص: 378 ] كان ذلك في خلافة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم سنة ثلاثين ومائة ، وكان ذلك قبل موت يحيى بن سعيد بمدة . ثم وجدت ما أخرجه الدارقطني في غرائب مالك بإسناد صحيح إليه عن يحيى بن سعيد نحو هذا الأثر وقال في آخره : " وإن وقعت الثالثة لم ترتفع وبالناس طباخ " وأخرجه ابن أبي خيثمة بلفظ " ولو وقعت " وهذا بخلاف الجزم بالثالثة في حديث الباب ، ويمكن بأن يكون يحيى بن سعيد قال هذا أولا ثم وقعت الفتنة الثالثة المذكورة وهو حي فقال ما نقله عنه الليث بن سعد ، وقوله : " طباخ " بفتح المهملة والموحدة الخفيفة وآخره معجمة أي قوة ، قال الخليل : أصل الطباخ السمن والقوة ، ويستعمل في العقل والخير ، قال حسان :


المال يغشى رجالا لا طباخ لهم كالسيل يغشى أصول الدندن البالي

.

انتهى . والدندن بكسر المهملتين وسكون النون الأولى ما اسود من النبات .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث