الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 79 ] ثم دخلت سنة ست عشرة وستمائة

فيها أمر الشيخ محيي الدين بن الجوزي محتسب بغداد بإزالة المنكرات وكسر الملاهي ، ففعل ذلك هذه السنة ، ولله الحمد والمنة .

ظهور جنكزخان وجنوده وعبورهم نهر جيحون

وفيها عبرت التتار نهر جيحون صحبة ملكهم جنكزخان من بلادهم ، وكانوا يسكنون جبال طمغاج من أرض الصين ، ولغتهم مخالفة للغة سائر التتار ، وهم من أشجعهم وأصبرهم على القتال ، وسبب دخولهم نهر جيحون أن جنكزخان بعث تجارا له ، ومعهم أموال كثيرة إلى بلاد خوارزم شاه يتبضعون له ثيابا للكسوة ، فكتب نائبها إلى خوارزم شاه يذكر له ما معهم من كثرة الأموال ، فأرسل إليه بقتلهم ، وبأخذ ما معهم ، ففعل ذلك ، فغضب عند ذلك جنكزخان وأرسل يتهدد خوارزم شاه ، فأشار من أشار على خوارزم شاه بالمسير إليهم ، فسار إليهم وهم في شغل بقتال كشلي خان ، فنهب خوارزم شاه أموالهم ، وسبى ذراريهم وأطفالهم ، فأقبلوا إليه محروبين ، فاقتتلوا معه أربعة أيام قتالا لم يسمع بمثله ، أولئك يقاتلون عن حريمهم ، والمسلمون عن أنفسهم ، يعلمون أنهم متى ولوا استأصلوهم ، فقتل من [ ص: 80 ] الفريقين خلق كثير ، حتى إن الخيول كانت تزلق في الدماء ، وكان جملة من قتل من المسلمين نحوا من عشرين ألفا ، ومن التتار أضعاف ذلك ، ثم تحاجز الفريقان ، وولى كل منهم إلى بلاده ، ولجأ خوارزم شاه وأصحابه إلى بخارى وسمرقند ، فحصنها وبالغ في كثرة من ترك فيها من المقاتلة ، ورجع إلى بلاده ليجهز الجيوش الكثيرة ، فقصدت التتار بخارى وبها عشرون ألف مقاتل ، فحاصرها جنكزخان ثلاثة أيام ، فطلب منه أهلها الأمان فأمنهم ، ودخلها فأحسن السيرة فيهم مكرا وخديعة ، وامتنعت عليه القلعة ، فحاصرها واستعمل أهل البلد في طم خندقها ، وكان التتار يأتون بالمنابر والربعات ، فيطرحونها في الخندق يطمونه بها ، ففتحها قسرا في عشرة أيام ، فقتل من كان بها ، ثم عاد إلى البلد فاصطفى أموال تجارها ، وأباحها لجنده ، فقتلوا من أهلها خلقا لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، وأسروا الذرية والنساء ، وفعلوا معهن الفواحش بحضرة أهليهن ، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل ، ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب ، وكثر البكاء والضجيج بالبلد ، ثم ألقت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها ، فاحترقت حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها ، ثم كروا راجعين عنها قاصدين سمرقند ، فكان من أمرهم . فيها ما سيأتي ذكره في السنة الآتية .

وفي مستهل هذه السنة خرب سور بيت المقدس - عمره الله بذكره - [ ص: 81 ] أمر بذلك المعظم خوفا من استيلاء الفرنج عليه ، بعد مشورة من أشار بذلك ، فإن الفرنج إذا تمكنوا من ذلك جعلوه وسيلة إلى أخذ الشام جميعه ، فشرع في تخريب السور في أول يوم المحرم ، فهرب منه أهله خوفا من الفرنج أن يهجموا عليهم ليلا أو نهارا ، وتركوا أموالهم وأثاثهم ، وتمزقوا في البلاد كل ممزق ، حتى قيل : إنه أبيع القنطار من الزيت بعشرة دراهم ، ورطل النحاس بنصف درهم ، وضج الناس وابتهلوا إلى الله عز وجل عند الصخرة وفي الأقصى . وقال بعضهم يهجو المعظم في ذلك :


في رجب حلل المحرم وأخرب القدس في المحرم

وفيها استحوذت الفرنج ، لعنهم الله ، على مدينة دمياط ، ودخلوها بالأمان ، فغدروا بأهلها ، وقتلوا رجالها ، وسبوا نساءها وأطفالها ، وفجروا بالنساء ، وبعثوا بمنبر الجامع والربعات ورءوس القتلى إلى الجزائر ، وجعلوا الجامع كنيسة ولو شاء ربك ما فعلوه " الأنعام : 112 " .

وفيها تغيظ السلطان المعظم على القاضي زكي الدين بن محيي الدين بن الزكي قاضي البلد . وسببه أن عمته ست الشام بنت أيوب كانت قد مرضت في دارها التي جعلتها بعدها مدرسة ، فأرسلت إلى القاضي لتوصي إليه ، فذهب إليها [ ص: 82 ] بشهود معه ، فكتب الوصية كما قالت ، فقال المعظم : يذهب إلى عمتي بغير إذني ، ويسمع هو والشهود كلامها! واتفق أن القاضي طلب من جابي العزيزية حسابها ، وضربه بين يديه بالمقارع ، وكان المعظم يبغض هذا القاضي من أيام أبيه العادل ، فعند ذلك أرسل المعظم إلى القاضي ببقجة فيها قباء وكلوتة; القباء أبيض والكلوتة صفراء . وقيل : بل كانا حمراوين مدرنين ، وحلف الرسول عن السلطان ليلبسنهما ويحكم بين الخصوم فيهما ، وكان من لطف الله أن جاءته الرسالة بهذا ، وهو في دهليز داره التي بباب البريد وهو منتصب للحكم ، فلم يقدر إلا أن لبسهما ، وحكم فيهما ، ثم دخل داره ، واستقبل مرض موته وكانت وفاته في صفر من السنة الآتية بعدها ، وكان الشرف بن عنين الزرعي الشاعر قد أظهر النسك والتعبد ، ويقال : إنه اعتكف بالجامع أيضا . فأرسل إليه المعظم بخمر ونرد ليشتغل بهما ، فكتب إليه ابن عنين :


يا أيها الملك المعظم سنة     أحدثتها تبقى على الآباد
تجري الملوك على طريقك بعدها     خلع القضاة وتحفة الزهاد

وقد كان نواب ابن الزكي أربعة; شمس الدين بن الشيرازي إمام مشهد علي ، كان يحكم به في الشباك ، وربما برز إلى طرف الرواق تجاه البلاطة السوداء ، وشمس الدين بن سني الدولة ، كان يحكم في الشباك الذي في [ ص: 83 ] الكلاسة تجاه تربة الملك صلاح الدين عند باب الغزالية ، وجمال الدين المصري وكيل بيت المال ، كان يحكم في الشباك الكمالي بمشهد عثمان ، وشرف الدين الموصلي الحنفي كان يحكم بالمدرسة الطرخانية بجيرون . والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث