الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 231 ] عرض نفسه صلى الله عليه وسلم على القبائل

قال إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول : " هل من رجل يحملني إلى قومه ، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " . أخرجه أبو داود ، عن محمد بن كثير ، عن إسرائيل ، وهو على شرط البخاري .

وقال موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ، ويكلم كل شريف قوم ، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يئووه ويمنعوه ، ويقول : لا أكره أحدا منكم على شيء ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذاك ، ومن كره لم أكرهه ، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من الفتك ، حتى أبلغ رسالات ربي ، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء . فلم يقبله أحد ويقولون : قومه أعلم به ، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ، ولفظوه ، فكان ذلك مما ذخر الله للأنصار .

وتوفي أبو طالب وابتلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ما كان ، فعمد لثقيف بالطائف ، رجاء أن يئووه ، فوجد ثلاثة نفر منهم ، هم سادة ثقيف : عبد ياليل ، وحبيب ، ومسعود بنو عمرو ، فعرض عليهم نفسه ، وشكا إليهم البلاء ، وما انتهك منه قومه . فقال أحدهم : أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك قط . وقال الآخر : أعجز على الله أن يرسل غيرك . وقال الآخر : والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا ، والله لئن كنت رسول الله [ ص: 232 ] لأنت أعظم شرفا وحقا من أن أكلمك ، ولئن كنت تكذب على الله ، لأنت أشر من أن أكلمك . وتهزءوا به ، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به ، وقعدوا له صفين على طريقه ، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة ، ودموا رجليه ، فخلص منهم وهما تسيلان الدماء ، فعمد إلى حائط من حوائطهم ، واستظل في ظل سمرة حبلة منه ، وهو مكروب موجع ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة ، وشيبة أخوه ، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما ، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداسا ، وهو نصراني من أهل نينوى ، معه عنب ، فلما جاء عداس ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أي أرض أنت يا عداس ؟ قال : من أهل نينوى ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال : وما يدريك من يونس بن متى ؟ قال : أنا رسول الله ، والله أخبرني خبر يونس . فلما أخبره خر عداس ساجدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء ، فلما أبصر عتبة ، وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا ، فلما أتاهما قالا : ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ؟ قال : هذا رجل صالح ، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى ، فضحكا به ، وقالا : لا يفتنك عن نصرانيتك ، فإنه رجل خداع . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة .

وقال يونس بن يزيد ، عن الزهري ، أخبرني عروة ، أن عائشة حدثته ، أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد ؟ قال : ما لقيت من قومك كان أشد منه ، يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا هو جبريل ، [ ص: 233 ] فناداني " إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم " . ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك ، وأنا ملك الجبال ، قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت ، إن شئت يطبق عليهم الأخشبين . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أسرارهم أو قال : من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا . أخرجاه .

وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي قال : لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، عمد إلى نفر من ثقيف ، وهم يومئذ سادتهم ، وهم إخوة ثلاثة : عبد ياليل بن عمرو ، وأخواه مسعود ، وحبيب ، وعند أحدهم امرأة من قريش من جمح ، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ، فقال أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ، وقال الآخر : أما وجد الله من يرسله غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا أكلمك .

وذكره كما في حديث ابن شهاب ، وفيه زيادة وهي : فلما اطمأن صلى الله عليه وسلم قال فيما ذكر لي : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى [ ص: 234 ] ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك " .

وحدثني حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، قال : سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبي ، قال : إني لغلام شاب مع أبي بمنى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبائل من العرب ، يقول : يا بني فلان إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه ، وأن تؤمنوا وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به . قال : وخلفه رجل أحول وضيء ، له غديرتان ، عليه حلة عدنية ، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله قال : يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الحي من بني مالك بن أقيش ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه . فقلت لأبي : من هذا ؟ قال : هذا عمه عبد العزى أبو لهب .

وحدثني ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أتى كندة في منازلهم ، وفيهم سيد لهم يقال له مليح ، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ، فأبوا عليه .

وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين ، أنه أتى كلبا في منازلهم ، إلى بطن منهم يقال له بنو عبد الله ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، حتى إنه ليقول : يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم ، فدعاهم إلى الله فلم يقبلوا .

وحدثني بعض أصحابنا أنه أتى بني حنيفة في منازلهم ، ودعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا منهم .

[ ص: 235 ] وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : أرأيت إن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : " الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء " ، قال : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ؟ فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه .

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة ، عن أشياخ من قومه ، قالوا : قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا ، وكان سويد يسميه قومه فيهم ( الكامل ) لسنه وجلده وشعره ، فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى الله ، فقال سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما الذي معك ؟ قال : مجلة لقمان ، يعني : حكمة لقمان ، قال : اعرضها ، فعرضها عليه ، فقال : إن هذا الكلام حسن ، والذي معي أفضل منه ، قرآن أنزله الله علي ، فتلا عليه القرآن ، ودعاه إلى الإسلام ، فلم يبعد منه ، وقال : إن هذا لقول حسن . ثم انصرف فقدم المدينة على قومها ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج ، فكان رجال من قومه يقولون : إنا لنرى أنه قتل وهو مسلم ، وكان قتله يوم بعاث .

وقال البكائي ، عن ابن إسحاق ، قال : وسويد الذي يقول :


ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى مقالته بالغيب ساءك ما يفري     مقالته كالشهد ما كان شاهدا
وبالغيب مأثور على ثغرة النحر     يسرك باديه وتحت أديمه
تميمة غش تبتري عقب الظهر      [ ص: 236 ] تبين لك العينان ما هو كاتم
من الغل والبغضاء بالنظر الشزر     فرشني بخير طالما قد بريتني
وخير الموالي من يريش ولا يبري

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث