الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقرن في بيوتكن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 10 ] وقرن في بيوتكن

هذا أمر خصصن به وهو وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيرا لهن . وتقوية في حرمتهن ، فقرارهن في بيوتهن عبادة ، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبيء - صلى الله عليه وسلم - في خلالها يكسبها حرمة . وقد كان المسلمون لما ضاق عليهم المسجد النبوي يصلون الجمعة في بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث الموطأ . وهذا الحكم وجوب على أمهات المؤمنين وهو كمال لسائر النساء .

وقرأ نافع ، وعاصم ، وأبو جعفر بفتح القاف . ووجهها أبو عبيدة عن الكسائي ، والفراء ، والزجاج بأنها لغة أهل الحجاز في قر بمعنى : أقام واستقر ، يقولون : قررت في المكان بكسر الراء من باب علم فيجيء مضارعه بفتح الراء فأصل قرن اقررن فحذفت الراء الأولى للتخفيف من التضعيف وألقيت حركتها على القاف نظير قولهم : أحسن بمعنى أحسسن في قول أبي زبيد :


سوى أن الجياد من المطايا أحسن به فهن إليه شوس



وأنكر المازني ، وأبو حاتم أن تكون هذه لغة ، وزعم أن قررت بكسر الراء في الماضي لا يرد إلا في معنى قرة العين ، والقراءة حجة عليهما . والتزم النحاس قولهما وزعم أن تفسير الآية على هذه القراءة أنها من قرة العين وأن المعنى : واقررن عيونا في بيوتكن ، أي لكن في بيوتكن قرة فلا تتطلعن إلى ما جاوز ذلك ، أي فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن .

وقرأ بقية العشرة ( وقرن ) بكسر القاف . قال المبرد : هو من القرار ، أصله : اقررن بكسر الراء الأولى فحذفت تخفيفا ، وألقيت حركتها على القاف كما قالوا : ظلت ومست . وقال ابن عطية : يصح أن يكون قرن ، أي بكسر القاف أمرا من الوقار ، يقال : وقر فلان يقر والأمر منه قر للواحد ، وللنساء قرن مثل عدن ، أي فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن مع الإيماء إلى علة ذلك بأنه وقار لهن .

وقرأ الجمهور ( بيوتكن ) بكسر الباء . وقرأه ورش عن نافع ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر بضم الباء .

[ ص: 11 ] وإضافة البيوت إليهن لأنهن ساكنات بها ، أسكنهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - يميز بعضها عن بعض بالإضافة إلى ساكنة البيت ، يقولون : حجرة عائشة ، وبيت حفصة ، فهذه الإضافة كالإضافة إلى ضمير المطلقات في قوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن . وذلك أن زوج الرجل هي ربة بيته ، والعرب تدعو الزوجة البيت ، ولا يقتضي ذلك أنها ملك لهن لأن البيوت بناها النبيء - صلى الله عليه وسلم - تباعا تبعا لبناء المسجد ، ولذلك لما توفيت الأزواج كلهن أدخلت ساحة بيوتهن إلى المسجد في التوسعة التي وسعها الخليفة الوليد بن عبد الملك في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة ولم يعط عوضا لورثتهن .

وهذه الآية تقتضي وجوب مكث أزواج النبيء - صلى الله عليه وسلم - في بيوتهن وأن لا يخرجن إلا لضرورة ، وجاء في الحديث أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله أذن لكن أن تخرجن لحوائجكن يريد حاجات الإنسان .

ومحمل هذا الأمر على ملازمة بيوتهن فيما عدا ما يضطر فيه الخروج مثل موت الأبوين . وقد خرجت عائشة إلى بيت أبي بكر في مرضه الذي مات فيه كما دل عليه حديثه معها في عطيته التي كان أعطاها من ثمرة نخلة وقوله لها ( وإنما هو اليوم مال وارث ) رواه في الموطأ . وكن يخرجن للحج وفي بعض الغزوات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن مقر النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره قائم مقام بيوته في الحضر ، وأبت سودة أن تخرج إلى الحج والعمرة بعد ذلك . وكل ذلك مما يفيد إطلاق الأمر في قوله وقرن في بيوتكن .

ولذلك لما مات سعد بن أبي وقاص أمرت عائشة أن يمر عليها بجنازته في المسجد لتدعو له ، أي لتصلي عليه . رواه في الموطأ .

وقد أشكل على الناس خروج عائشة إلى البصرة في الفتنة التي تدعى : وقعة الجمل ، فلم يغير عليها ذلك كثير من جلة الصحابة منهم طلحة ، والزبير . وأنكر ذلك عليها بعضهم مثل : عمار بن ياسر ، ، وعلي بن أبي طالب ، ولكل نظر في الاجتهاد . والذي عليه المحققون مثل أبي بكر بن العربي أن ذلك كان منها عن اجتهاد فإنها رأت أن في خروجها إلى البصرة مصلحة للمسلمين لتسعى بين فريقي الفتنة [ ص: 12 ] بالصلح فإن الناس تعلقوا بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة ورجوا بركتها أن تخرج فتصلح بين الفريقين ، وظنوا أن الناس يستحيون منها فتأولت لخروجها مصلحة تفيد إطلاق القرار المأمور به في قوله تعالى وقرن في بيوتكن يكافئ الخروج للحج . وأخذت بقوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ورأت أن الأمر بالإصلاح يشملها وأمثالها ممن يرجون سماع الكلمة فكان ذلك منها عن اجتهاد . وقد أشار عليها جمع من الصحابة بذلك وخرجوا معها مثل طلحة ، والزبير وناهيك بهما . وهذا من مواقع اجتهاد الصحابة التي يجب علينا حملها على أحسن المخارج ونظن بها أحسن المذاهب كقولنا في تقاتلهم في صفين وكاد أن يصلح الأمر ولكن أفسده دعاة الفتنة ولم تشعر عائشة إلا والمقاتلة قد جرت بين فريقين من الصحابة يوم الجمل . ولا ينبغي تقلد كلام المؤرخين على علاته فإن فيهم من أهل الأهواء ومن تلقفوا الغث والسمين . وما يذكر عنها - رضي الله عنها - : أنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى يبتل خمارها فلا ثقة بصحة سنده ولو صح لكان محمله أنها أسفت لتلك الحوادث التي ألجأتها إلى الاجتهاد في تأويل الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث