الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والقمر والليل إذ أدبر

والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ( الواو المفتتح بها هذه الجملة واو القسم ، وهذا القسم يجوز أن يكون تذييلا لما قبله مؤكدا لما أفادته ( كلا ) من الإنكار والإبطال لمقالتهم في شأن عدة خزنة النار ، فتكون جملة ( إنها لإحدى الكبر ) تعليلا للإنكار الذي أفادته ( كلا ) ويكون ضمير ( إنها ) عائدا إلى ( سقر ) أي هي جديرة بأن يتذكر بها فلذلك كان من لم يتذكر بها حقيقا بالإنكار عليه وردعه .

وجملة القسم على هذا الوجه معترضة بين الجملة وتعليلها ، ويحتمل أن يكون القسم صدرا للكلام الذي بعده وجملة ( إنها لإحدى الكبر ) جواب القسم والضمير راجع إلى ( سقر ) ، أي أن سقر لأعظم الأهوال ، فلا تجزي في معاد ضمير ( إنها ) جميع الاحتمالات التي جرت في ضمير ( وما هي إلا ذكرى ) .

[ ص: 322 ] وهذه ثلاثة أيمان لزيادة التأكيد فإن التأكيد اللفظي إذا أكد بالتكرار يكرر ثلاث مرات غالبا ، أقسم بمخلوق عظيم ، وبحالين عظيمين من آثار قدرة الله تعالى .

ومناسبة القسم بالقمر وبالليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر أن هذه الثلاثة تظهر بها أنوار في خلال الظلام فناسبت حالي الهدى والضلال من قوله ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) ومن قوله ( وما هي إلا ذكرى للبشر ) ففي هذا القسم تلويح إلى تمثيل حال الفريقين من الناس عند نزول القرآن بحال اختراق النور في الظلمة .

وإدبار الليل : اقتراب تقضيه عند الفجر ، وإسفار الصبح : ابتداء ظهور ضوء الفجر .

وكل من ( إذ ) و ( إذا ) واقعان اسمي زمان منتصبان على الحال من الليل ومن الصبح ، أي أقسم به في هذه الحالة العجيبة الدالة على النظام المحكم المتشابه لمحو الله ظلمات الكفر بنور الإسلام ؛ قال تعالى ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) .

وقد أجريت جملة ( إنها لإحدى الكبر ) مجرى المثل .

ومعنى ( إحدى ) أنها المتوحدة المتميزة من بين الكبر في العظم لا نظيرة لها كما يقال : هو أحد الرجال لا يراد أنه واحد منهم ، بل يراد أنه متوحد فيهم بارز ظاهر ، كما تقدم في قوله ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) . وفي المثل " هذه إحدى حظيات لقمان " .

وقرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف إذ أدبر بسكون ذال ( إذ ) وبفتح همزة أدبر وإسكان داله ، أقسم بالليل في حالة إدباره التي مضت وهي حالة متجددة تمضي وتحضر وتستقبل ، فأي زمن اعتبر معها فهي حقيقة بأن يقسم بكونها فيه ، ولذلك أقسم بالصبح إذا أسفر مع اسم الزمن المستقبل . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والكسائي وأبو جعفر ( إذا دبر ) بفتح الذال المعجمة من ( إذا ) ، بعدها ألف ، وبفتح الدال المهملة من دبر على أنه فعل مضي مجرد ، يقال : دبر بمعنى أدبر ، ومنه وصفه بالدابر في قولهم : أمس الدابر ، كما يقال : قبل بمعنى أقبل ، فيكون القسم بالحالة [ ص: 323 ] المستقبلة من إدبار الليل بعد نزول الآية ، على وزان ( إذا أسفر ) في قراءة الجميع ، وكل ذلك مستقيم فقد حصل في قراءة نافع وموافقيه تفنن في القسم .

والكبر : جمع الكبرى في نوعها ، جمعوه هذا الجمع على غير قياس بابه ؛ لأن فعلى حقها أن تجمع جمع سلامة على كبريات ، وأما بنية فعل فإنها جمع تكسير لفعلة كغرفة وغرف ، لكنهم حملوا المؤنث بالألف على المؤنث بالهاء لأنهم تأولوه بمنزلة اسم للمصيبة العظيمة ولم يعتبروه الخصلة الموصوفة بالكبر ، أي أنثى الأكبر فلذلك جعلوا ألف التأنيث التي فيه بمنزلة هاء التأنيث فجمعوه كجمع المؤنث بالهاء من وزن فعلة ولم يفعلوا ذلك في أخواته مثل عظمى .

وانتصب نذيرا على الحال من ضمير ( إنها ) ، أي إنها لعظمى العظائم في حال إنذارها للبشر وكفى بها نذيرا .

والنذير : المنذر ، وأصله وصف بالمصدر لأن ( نذيرا ) جاء في المصادر كما جاء النكير ، والمصدر إذا وصف به أو أخبر به يلزم الإفراد والتذكير ، وقد كثر الوصف بـ ( النذير ) حتى صار بمنزلة الاسم للمنذر .

وقوله ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) بدل مفصل من مجمل من قوله للبشر ، وأعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كقوله تعالى ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ) ، وقوله ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم ) وقوله تعالى ( تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) . والمعنى : إنها نذير لمن شاء أن يتقدم إلى الإيمان والخير لينتذر بها ، ولمن شاء أن يتأخر عن الإيمان والخير فلا يرعوي بنذارتها لأن التقدم مشي إلى جهة الأمام فكأن المخاطب يمشي إلى جهة الداعي إلى الإيمان وهو كناية عن قبول ما يدعو إليه ، وبعكسه التأخر ، فحذف متعلق 0 ( يتقدم ) و ( يتأخر ) لظهوره من السياق .

ويجوز أن يقدر : لمن شاء أن يتقدم إليها ، أي إلى سقر بالإقدام على الأعمال التي تقدمه إليها ، أو يتأخر عنها بتجنب ما من شأنه أن يقربه منها .

وتعليق نذيرا بفعل المشيئة إنذار لمن لا يتذكر بأن عدم تذكره ناشئ عن عدم مشيئته فتبعته عليه لتفريطه على نحو قول المثل " يداك أوكتا وفوك نفخ " وقد تقدم في سورة المزمل قوله ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) .

[ ص: 324 ] وفي ضمير ( منكم ) التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن مقتضى الظاهر أن يقال : لمن شاء منهم ، أي من البشر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث