الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى .

القسم لتأكيد الخبر ردا على زعم المشركين أن الوحي انقطع عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه لم يقم الليل بالقرآن بضع ليال ، فالتأكيد منصب على التعريض المعرض به لإبطال دعوى المشركين ، فالتأكيد تعريض بالمشركين ، وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يتردد في وقوع ما يخبره الله بوقوعه .

ومناسبة القسم بـ ( الضحى والليل ) أن الضحى وقت انبثاق نور الشمس فهو إيماء إلى تمثيل نزول الوحي وحصول الاهتداء به ، وأن الليل وقت قيام [ ص: 395 ] النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن وهو الوقت الذي كان يسمع فيه المشركون قراءته من بيوتهم القريبة من بيته أو من المسجد الحرام .

ولذلك قيد الليل بظرف ( إذا سجى ) . فلعل ذلك وقت قيام النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى : ( قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا ) .

والضحى تقدم بيانه عند قوله تعالى : ( والشمس وضحاها ) .

وكتب في المصحف ( والضحى ) بألف في صورة الياء مع أن أصل ألفه الواو ; لأنهم راعوا المناسبة مع أكثر الكلمات المختومة بألف في هذه السورة ، فإن أكثرها منقلبة الألف عن الياء ، ولأن الألف تجري فيها الإمالة في اللغات التي تميل الألف التي من شأنها أن لا تمال إذا وقعت مع ألف تمال للمناسبة كما قال ابن مالك في شرح كافيته .

ويقال : سجا الليل سجوا بفتح وسكون ، وسجوا بضمتين وتشديد الواو ، إذا امتد وطال مدة ظلامه مثل سجو المرء بالغطاء ، إذا غطي به جميع جسده ، وهو واوي ورسم في المصحف بألف في صورة الياء للوجه المتقدم في كتابة ( الضحى ) .

وجملة ( ما ودعك ربك ) إلخ ، جواب القسم ، وجواب القسم إذا كان جملة منفية لم تقترن باللام .

والتوديع : تحية من يريد السفر .

واستعير في الآية للمفارقة بعد الاتصال تشبيها بفراق المسافر في انقطاع الصلة حيث شبه انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإقامة ، والقرينة إسناد ذلك إلى الله الذي لا يتصل بالناس اتصالا معهودا .

وهذا نفي لأن يكون الله قطع عنه الوحي .

وقد عطف عليه ( وما قلى ) للإتيان على إبطال مقالتي المشركين إذ قال بعضهم : ودعه ربه ، وقال بعضهم : قلاه ربه ، يريدون التهكم .

وجملة ( وما قلى ) عطف على جملة جواب القسم ولها حكمها .

[ ص: 396 ] والقلي ( بفتح القاف مع سكون اللام ) والقلى ( بكسر القاف مع فتح اللام ) : البغض الشديد ، وسبب مقالة المشركين تقدم في صدر السورة .

والظاهر أن هذه السورة نزلت عقب فترة ثانية فتر فيها الوحي بعد الفترة التي نزلت إثرها سورة المدثر ، فعن ابن عباس وابن جريج " احتبس الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر يوما أو نحوها ، فقال المشركون : إن محمدا قد ودعه ربه وقلاه ، فنزلت الآية " .

واحتباس الوحي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقع مرتين :

أولاهما قبل نزول سورة المدثر أو المزمل ، أي : بعد نزول سورتين من القرآن أو ثلاث على الخلاف في الأسبق من سورتي المزمل والمدثر ، وتلك الفترة هي التي خشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قد انقطع عنه الوحي . وهي التي رأى عقبها جبريل على كرسي بين السماء والأرض كما تقدم في تفسير سورة المدثر ، وقد قيل : إن مدة انقطاع الوحي في الفترة الأولى كانت أربعين يوما ولم يشعر بها المشركون ; لأنها كانت في مبدأ نزول الوحي قبل أن يشيع الحديث بينهم فيه وقبل أن يقوم النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن ليلا .

وثانيتهما : فترة بعد نزول نحو من ثمان سور ، أي : السور التي نزلت بعد الفترة الأولى ، فتكون بعد تجمع عشر سور ، وبذلك تكون هذه السورة حادية عشرة فيتوافق ذلك مع عددها في ترتيب نزول السور .

والاختلاف في سبب نزول هذه السورة يدل على عدم وضوحه للرواة ، فالذي نظنه أن احتباس الوحي في هذه المرة كان لمدة نحو من اثني عشر يوما ، وأنه ما كان إلا للرفق بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - كي تستجم نفسه وتعتاد قوته تحمل أعباء الوحي ، إذ كانت الفترة الأولى أربعين يوما ثم كانت الثانية اثنى عشر يوما أو نحوها ، فيكون نزول سورة الضحى هو النزول الثالث ، وفي المرة الثالثة يحصل الارتياض في الأمور الشاقة ولذلك يكثر الأمر بتكرر بعض الأعمال ثلاثا ، وبهذا الوجه يجمع بين مختلف الأخبار في سبب نزول هذه السورة وسبب نزول سورة المدثر .

وحذف مفعول ( قلى ) لدلالة ( ودعك ) عليه كقوله تعالى : [ ص: 397 ] ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) وهو إيجاز لفظي لظهور المحذوف ومثله قوله : ( فآوى ) ، ( فهدى ) ، ( فأغنى ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث