الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) روى مسلم في صحيحه والنسائي والبيهقي في سننهما ومخرجو التفسير المأثور عن ابن عباس أن النساء كن يطفن بالبيت عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتقول :


اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

وأخرج عبد بن حميد ، عن سعيد بن جبير قال : كان الناس يطوفون بالبيت عراة يقولون : لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها ، فجاءت امرأة فألقت ثيابها فطافت ووضعت يدها على قبلها وقالت : ( البيت ) فنزلت هذه الآية ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) [ ص: 338 ] إلى قوله ( والطيبات من الرزق ) والروايات في هذا المعنى كثيرة عن ابن عباس وتلاميذه وغيرهم من مفسري السلف ، وفي بعضها عنه أنهم كانوا يطوفون بالليل عراة وأكثرها مطلقة . وفي بعضها عنه : كانت العرب إذا حجوا فنزلوا في أدنى الحل نزعوا ثيابهم ووضعوا رداءهم ودخلوا مكة بغير رداء إلا أن يكون للرجل منهم صديق من الحمس فيعيره ثوبه ويطعمه من طعامه ، فأنزل الله ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) وفي رواية عن طاوس أنهم كانوا يضعون ثيابهم خارجا من المسجد ويدخلون ، فإذا دخل رجل وعليه ثيابه يضرب وتنزع عنه ثيابه فنزلت . وعن قتادة حكاية ذلك عن حي من اليمن ، والصواب أنه عام ، ولم يكن أحد من العرب يلبس ثيابه في الطواف إلا الحمس من قريش فإنهم كانوا يميزون أنفسهم على سائر الناس : يطوفون بثيابهم - وهذا حسن في نفسه دون الانفراد به - ويأتون البيت من ظهره لا من بابه إذا كانوا محرمين ، وقد أبطل هذا كتاب الله تعالى بقوله ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ( 2 : 189 ) ويقفون عند المشعر الحرام ( جبل قزح ) بمزدلفة لا في عرفات ويعللون هذا بأنهم أهل الحرم فلا يخرجون منه ، وعرفة خارج حد الحرم المعروف بالعلمين المنصوبين اللذين ينفر الحجاج من بينهما عند الدفع منها إلى المزدلفة ، ولذلك ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في حجة الوداع إلى الموقف كانت قريش لا تشك في أنه يقف عند المشعر الحرام بمن معه من قريش ويأمر الناس بأن يذهبوا إلى عرفة فيقفون فيها فخاب ظنهم ، وأبطل النبي صلى الله عليه وسلم امتيازهم وسن لهم ولغيرهم المساواة . وبدأ صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى إنه أبى أن يتخذ لنفسه مكانا في " منى " يستظل فيه من الشمس لما أرادوا عمله له . وقال " منى مناخ من سبق " رواه الترمذي ، وابن ماجه ، والحاكم ، عن عائشة بسند صحيح .

وجملة القول : أن الروايات في سبب نزول هاتين الآيتين قد روي مثلها في نزول ما قبلها من آيات اللباس كما تقدم مختصرا . والمعنى : أن هذه الآيات كلها نزلت مبطلة لتلك الضلالة الجاهلية الفاحشة ، ومقررة لوجوب اتخاذ الملابس للستر ولزينة التجمل وإظهار نعمة الله على عباده . قال عز وجل :

( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) يقال في هذا النداء ما قلنا في مثله قبله ونزيد أنه يشمل النساء بالتبع للرجال شرعا لا لغة ، ويدل على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جميع البشر . والظاهر أن هذه الوصايا مما أوصى الله تعالى به من سبق من الرسل وسنعود إلى [ ص: 339 ] هذا في تفسير آخرها ، والزينة : ما يزين الشيء أو الشخص ، فهي اسم من زانه يزينه زينا ، ضد شانه - أي عابه - يشينه شينا . وأخذها عبارة عن التزين لأنه إنما يحصل بأخذ ما يزين واستعماله ، والمراد بها هنا : الثياب الحسنة المعتادة ، بدليل القرينة والإضافة وسبب نزول الآيات - وإلا فأنواع الزينة في الدنيا كثيرة - ومنها المال والبنون - فلا يدخل فيها ما هو خاص بالنساء من الحلي والحلل التي يتحببن بها إلى أزواجهن وقد تكون شاغلة عن العبادة ، وأقل هذه الزينة ما يدفع عن المرء أقبح ما يشينه بين الناس وهو ما يستر عورته ، وقد اقتصر بعضهم على هذا لأجل جعل الأمر للوجوب ، وإنما يجب لصحة الصلاة والطواف ستر العورة فقط على ما جرى عليه جمهور الفقهاء على اختلافهم في تحديد العورة وقالوا : إن ما زاد على ذلك من التجمل بزينة اللباس اللائق عند الصلاة - ولا سيما صلاة الجمعة والجماعة - وفي العيدين سنة لا واجب ، ولكن إطلاق الأمر يدل على وجوب الزينة للعبادة عند كل مسجد بحسب عرف الناس في تزينهم المعتدل في المجامع والمحافل ، ليكون المؤمن عند عبادة الله تعالى مع عباده المؤمنين في أجمل حالة لائقة به لا تكلف فيها ولا إسراف ، فمن قدر بلا تكلف على عمامة وإزار ورداء ، أو ما في معناها من قلنسوة وجبة وقباء ، لا يكون متمثلا للأمر بالزينة إذا اقتصر على إزار يستر العورة فقط ( وهي عند بعض الأئمة السوءتان فقط وعند الجمهور ما بين السرة والركبة ) للرجل وما عدا الوجه والكفين للمرأة وإن صحت صلاته ، فإن المقام ليس مقام بيان شروط صحة الصلاة بل هو أوسع من ذلك ، ومن العلماء من يقول : إن ستر العورة في الصلاة واجب لا شرط لصحتها . وإن فيما ورد من الأخبار والآثار في المسألة ما يدل على ما قلنا ، حتى جعلت النعال من الزينة وهي كذلك وإن تركها جميع المسلمين في المساجد ، لأنهم يفرشونها كما يفرشون بيوتهم بالحصر أو بالبسط والطنافس .

أخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا صلى أحدكم ( أي أراد الصلاة ) فليلبس ثوبيه فإن الله عز وجل أحق من تزين له ، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود " وأخرج الشافعي ، وأحمد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، والبيهقي ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " وأخرج أبو داود والبيهقي عن بريدة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في لحاف ( ثوب يلتحف به ) واحد لا يتوشح به : ونهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء ، وأخرج ابن عدي ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذوا زينة الصلاة - قالوا : وما زينة الصلاة ؟ قال : البسوا نعالكم فصلوا فيها " وأخرج [ ص: 340 ] العقيلي ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، وابن عساكر عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) قال : " صلوا في نعالكم " وفي معنى هذين الحديثين بضعة أحاديث أخرى ضعيفة يؤيدها ما أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس أنه سئل : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ؟ قال : نعم . وأخرج أحمد والشيخان وغير الترمذي من أصحاب السنن عن أبي هريرة أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال : " أولكلكم ثوبان ؟ زاد البخاري في رواية . ثم سأل رجل عمر فقال : إذا وسع الله فأوسعوا . جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . قال وأحسبه قال : في تبان ورداء ، وذكروا في هذا السؤال أن سببه ما رواه عبد الرزاق أن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود اختلفا فقال أبي : الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة وقال ابن مسعود . إنما كان ذلك وفي الثياب قلة - فقام عمر على المنبر فقال : القول ما قال أبي ولم يأل ابن مسعود - أي لم يقصر - وروي عن الحسن السبط عليه السلام والرضوان أنه كان إذا قام للصلاة لبس أجود ثيابه ، فسئل عن ذلك فقال : إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وهو يقول : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .

والمأخوذ من جملة هذه الروايات وغيرها ما حققه وفصله عمر رضي الله عنه ، وهو أن الأمر يختلف باختلاف حال الإنسان في السعة والضيق كالنفقة ، قال تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) ( 65 : 7 ) فمن عنده ثوب واحد يستر جميع بدنه فليستر به جميع بدنه ويصل به - فإن لم يستر إلا العورة كلها أو العورة المغلظة - وهي السوءتان - فليستر به ما يستره ، ومن وجد ثوبين مهما يكن نوعهما أو أكثر فليصل بهما ، والخلاصة أنه يطلب أن يكون في أوسط حال حسنة يقدر عليها ، وقد عد الفقهاء من أعذار ترك الجمعة والجماعة فقد الرجل للثياب اللائقة به بين أمثاله حتى العمامة للعالم .

هذا الأمر بالزينة عند كل مسجد - لا المسجد الحرام وحده - أصل من أصول الإصلاح الدينية والمدنية يعرف بعض قيمته مما روي في سبب نزول هذه الآيات ، وإنما يعرفها حق المعرفة من قرأ تواريخ الأمم والملل ، وعلم أن أكثر المتوحشين الذين يعيشون في الحرجات والغابات أفرادا وجماعات يأوون إلى الكهوف والمغارات ، والقبائل الكثيرة الوثنية [ ص: 341 ] في بعض جزائر البحار وجبال إفريقية ، كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا ، وأن الإسلام ما وصل إلى قوم منهم إلا وعلمهم لبس الثياب بإيجابه للستر وللزينة إيجابا شرعيا ، ولما أسرف بعض دعاة النصرانية الأوربيين في الطعن في الإسلام لتنفير أهله منه وتحويلهم إلى ملتهم ، ولتحريض أوربة عليهم ، رد عليهم بعض المنصفين منهم ، فذكر في رده أن لانتشار الإسلام في إفريقية منه على أوربة بنشره للمدنية في أهلها بحملهم على ترك العري وإيجابه لبس الثياب الذي كان سببا لرواج تجارة النسيج الأوربية فيهم . بل أقول : إن بعض الأمم الوثنية ذات الحضارة والعلوم والفنون كان يغلب فيها معيشة العري ، حتى إذا ما اهتدى بعضهم بالإسلام صاروا يلبسون ويتجملون ثم صاروا يصنعون الثياب ، وقلدهم جيرانهم من الوثنيين بعض التقليد ، وهذه بلاد الهند على ارتقاء حضارة الوثنيين فيها قديما وحديثا لا يزال ألوف الألوف من نسائهم ورجالهم عراة أو أنصاف أو أرباع عراة ، فترى بعض رجالهم في معاهد تجارتهم وصناعتهم بين عار لا يستر إلا السوءتين - ويسمونهما " سبيلين " وهي الكلمة العربية التي يستعملها الفقهاء في باب نواقض الوضوء - أو ساتر لنصفه الأسفل فقط ، وامرأة مكشوفة البطن والفخذين أو النصف الأعلى من الجسم كله أو بعضه . وقد اعترف بعض علمائهم المنصفين بأن المسلمين هم الذين علموهم لبس الثياب والأكل في الأواني . ولا يزال أكثر فقرائهم يضعون طعامهم على ورق الشجر ويأكلون منه ، ولكنه خير من كثير من سائر الوثنيين سترا وزينة لأن المسلمين كانوا حكامهم ، وقد كانوا ولا يزالون من أرقى مسلمي الأرض علما وعملا وتأثيرا في وثني بلادهم . وأما المسلمون في بلاد الشرق التي يغلب عليها الجهل فهم أقرب إلى الوثنية منهم إلى الإسلام في اللباس وكثير من الأعمال الدينية ، ومنهم نساء مسلمي ( سيام ) اللاتي لا يرين في أنفسهن عورة سوى السوءتين كما تقدم آنفا فحيث يقوى الإسلام يكون الستر والزينة اللائقة بكرامة البشر ورقيهم .

فمن عرف مثل هذا عرف قيمة هذا الأصل الإصلاحي في الإسلام ، ولولا أن جعل هذا الدين المدني الأعلى أخذ الزينة من شرع الله - يعني أوجبه على عباده - لما نقل أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية الفاحشة إلى الحضارة الراقية ، وإنما يجهل هذا الفضل له من يجهل التاريخ وإن كان من أهله ، بل لا يبعد أن يوجد في متحذلقة المتفرنجين منهم من يجلس في ملهى أو مقهى أو حانة متكئا مميلا طربوشه على رأسه يقول : ما معنى جعل أخذ زينة الناس من أمور الدين ، وهو من لوازم البشر لا يحتاجون فيه إلى وحي إلهي ولا شرع ديني ؟ وقد يقول مثل هذا في قوله تعالى :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث