الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( أولياء الخيال وأولياء الطاغوت والشيطان )

ذلك ما فسرنا به الآيتين بشواهد مما في معناهما من الآيات ، والقرآن خير ما يفسر به القرآن وأصحه ، وكل ما خالفه وخرج عنه فهو باطل ، وعزرناه بأمثل ما روي من الأخبار والآثار فيهما ، فأولياء الله الذين يشهد لهم كتابه بالولاية له هم المؤمنون الصالحون المتقون ، ولكن اشتهر بين المسلمين بعد عصر السلف ما يدل على أن الأولياء عالم خيالي غير معقول ، لهم من الخصائص في عالم الغيب ، والتصرف في ملكوت السماوات والأرض ، فوق كل ما ورد في كتاب الله وأخبار رسوله الصادقة في أنبياء الله المرسلين ، بل فوق كل ما وصف به جميع الوثنيين آلهتهم وأربابهم التي اتخذوها من دون الله ، وينقلون مثل هذه الدعاوى عن بعض من اشتهروا بالولاية ممن لهم ذكر في التاريخ ، ومن لا ذكر لهم إلا في كتب الأدعياء الذين فتنوا المسلمين والمسلمات بهم ، ممن يسمون بالمتصوفة وأهل الطريق ، ينقلون عنهم ما يؤيدون به مزاعمهم الخرافية الشركية كما ترى فيما ننقله من الشواهد الآتية :

ولئن أنكر عليهم منكر ، واحتج عليهم بكتاب ربهم وحديث نبيهم مفسر أو محدث [ ص: 345 ] ليقولن هذا ضال مضل منكر للكرامات مخالف للقرآن وقرءوا عليه ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( 62 ) وهل هذه الآية إلا كقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( 2 : 62 ) وغيره مما أوردنا من الشواهد آنفا ، نعم إن هؤلاء المؤمنين الصالحين درجات أشرنا آنفا إلى أدناها وأعلاها ، وفصلنا القول فيهم في الكلام على حب الله ورسوله من تفسير ( 9 : 24 ) .

هذه الولاية الخيالية المبتدعة من محدثات الصوفية ألبسوها أولا ثوب الشريعة وجعلوا للشريعة مقابلا سموه الحقيقة ، ثم صاروا يلبسونها عليها لبسا ، ويبعدون بها عنها معنى وحسا بقدر ما يبعدون عن الاتباع ، ويوغلون في الابتداع ، واعتبر في ذلك بسيرة سلفهم الأولين كالحارث المحاسبي والسري السقطي ومنصور بن عمار والجنيد والشبلي وجمهور رجال رسالة القشيري ، ومثل أبي إسماعيل الهروي وسيرة من بعدهم ، فإن أكثر أولئك قد رووا الحديث وتفقهوا في الدين ، وكانوا يتحرون الاعتصام بالكتاب والسنة ، ويحذرون ويحذرون أتباعهم من البدع ، ويحثون على اتباع السلف ، من الصحابة والتابعين وأئمة آل البيت وحفاظ السنة وعلماء الأمصار كالأربعة وطبقتهم ، ولولا هذا لكان بينهم وبين غلاة متصوفة القرون الوسطى ومن بعدهم من المبتدعة والدجالين أصحاب الدعاوى العريضة والخرافات الشنيعة مثل ما بين صوفية البرهمية والإسلام ، وكتابهم ( الفيدا ) وكتابه القرآن .

أمرر ببصرك على طبقات الشعراني الكبرى ، فإنك لا ترى فيها فرقا كبيرا بين سيرة أئمة الحديث والفقه وأئمة التصوف في العبادة والتقوى والعلم والحكمة ثم انظر في سيرة من بعدهم من صوفية القرون الوسطى ثم قرن المؤلف وهو العاشر وتأمل ووازن تر في أولياء الشعراني المجانين والمجان والقذرين الذين تتناثر الحشرات من رءوسهم ولحاهم وثيابهم التي لا يغسلونها حتى تبلى أو في السنة مرة واحدة تجد ذلك البون الشاسع فيهم ، وهم مع ذلك يفضلون أنفسهم على الأنبياء ، ومنهم من يدعي الاتحاد بالله أو الألوهية .

تأمل ما كتبه في ترجمة الذين يسمونهم الأقطاب الأربعة ، فإنك لا تجد فيه لأحد منهم أنه كان ينفع الناس بعلوم الشرع إلا الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وتجد أن الشيخ أحمد الرفاعي كان يوبخه علماء عصره ، ويخاطبونه بلقب الدجال ويرمونه بالجمع بين النساء والرجال وأما الدسوقي فكتب عنه أنه كان يتكلم بالعجمي والسرياني والعبراني والزنجي وسائر لغات الطيور والوحوش ، ونقل عنه كتابا من هذه اللغات أرسله إلى أحد مريديه ، وهو خلط مخترع ليس منها في شيء وسلاما مثله أرسله مع أحد الحجاج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 346 ] منه قوله : ( ( موز الرموز ، عموز النهوز ، سلاحات أفق ، فردنانية امق ، شوامق اليرامق حيد وفرقيد وفرغاط الأسباط ، إلخ ، فما معنى هذا وأي فائدة للناس فيه ؟ .

ونقل عنه كلاما من المعهود من أمثاله الصوفية منه النافع والضار ، فمن الحق النافع ما معناه أنه لو لم تغلب عليهم الأحوال لما قالوا في التفسير إلا صحيح المأثور ، ومن الضار الذي أفسد على المصدقين بولاية هؤلاء الناس دينهم وهو مما نحن فيه قوله : وكان - رضي الله عنه - يقول : أنا موسى عليه السلام في مناجاته ، أنا علي - رضي الله عنه - في حملاته أنا كل ولي في الأرض خلقته بيدي ، ألبس منهم من شئت ، أنا في السماء شاهدت ربي وعلى الكرسي خاطبته أنا بيدي أبواب النار غلقتها ، وبيدي جنة الفردوس فتحتها ، من زارني أسكنته جنة الفردوس إلخ ، وقوله وهو في تفسير الآية :

( واعلم يا ولدي أن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون متصلون بالله ، وما كان ولي متصل بالله إلا وهو يناجي ربه كما كان موسى عليه السلام يناجي ربه ، وما من ولي إلا وهو يحمل على الكفار كما كان علي - رضي الله عنه - يحمل ، وقد كنت أنا وأولياء الله أشياخا في الأزل ، بين يدي قديم الأزل ، وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن الله عز وجل خلقني من نور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأمرني أن أخلع على جميع الأولياء بيدي فخلعت عليهم بيدي ، وقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا إبراهيم أنت نقيب عليهم فكنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخي عبد القادر خلفي وابن الرفاعي خلف عبد القادر ثم التفت إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لي : ( ( يا إبراهيم سر إلى مالك وقل له يغلق النيران ، وسر إلى رضوان وقل له يفتح الجنان ، ففعل مالك ما أمر به ، ورضوان ما أمر به ) ) إلخ وله ما هو أغرب منه .

وذكر الشعراني أنه أطال في هذا الكلام وهو من مقام الاستطالة ، تعطي الرتبة صاحبها أن ينطق بما ينطق به ، وقد سبقه إلى نحو ذلك الشيخ عبد القادر الجيلي - رضي الله عنه - وغيره فلا ينبغي مخالفته إلا بنص صريح ا ه .

ونقول : إن مثبت هذه الدعاوى المنكرة في عالم الغيب من شئون رب العالمين وملائكته وأكرم رسله وجنته وناره ، هو الذي يحتاج في إثباته إلى النص الصريح دون منكره فإنه يتبع الأصل ، والإجماع على أن شيئا من ذلك لا يثبت إلا بنص قطعي ، وسنذكر ما انتهت إليه هذه الدعاوى في إفساد الدين ، وإضلال الملايين من المسلمين .

جاء في كتب الرفاعية أن الشيخ أحمد الرفاعي مس بيده سمكة ، فأرادوا شيها بالنار فلم تؤثر فيها النار . فذكروا له ذلك فقال : وعدني العزيز أن كل ما لمسته يد هذا اللاش حميد لا تحرقه النار في الدنيا ولا في الآخرة ، وجاء فيها أن سيدي أحمد الرفاعي كان يميت ويحيي [ ص: 347 ] ويسعد ويشقي ، ويفقر ويغني ، وأنه وصل إلى مقام صارت السماوات السبع في رجله كالخلخال وفي البهجة الرفاعية أن سيدهم أحمد الرفاعي باع بستانا في الجنة لبعض الناس وذكر له حدودا أربعة . وقد نقلت هذا وما قبله في كتابي ( الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية ) .

وجاء في بعض كتب مناقب الشيخ عبد القادر الجيلي أنه مات بعض مريديه ، فشكت إليه أمه وبكت فرق لها فطار وراء ملك الموت في المساء وهو صاعد إلى السماء يحمل في زنبيل ما قبض من الأرواح في ذلك اليوم ، فطلب منه أن يعطيه روح مريده أو أن يردها إليه فامتنع ، فجذب الزنبيل منه فأفلت فسقط جميع ما كان فيه من الأرواح فذهبت كل روح إلى جسدها ، فصعد ملك الموت إلى ربه وشكا له ما فعله عبد القادر فأجابه الرب سبحانه بما امتنعنا من نقله ، إذ نقلنا هذه الخرافة في الجزء الأول من المجلد التاسع من المنار تنزيها وأدبا مع ربنا عز وجل .

ونقلنا ثم أن خطيبا خطب المسلمين في الهند ذاكرا مناقب الشيخ عبد القادر فقال إن حدأة خطفت قطعة لحم مما ذبح للشيخ عبد القادر في مولده - كما كانوا يذبحون للأصنام - فوقعت عظمتها في مقبرة فغفر الله تعالى لجميع من دفن فيها كرامة للشيخ عبد القادر ، ويا ويل من ينكر أمثال هذه الخرافات فيستهدف لرميه بمخالفة قوله تعالى ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( 10 : 62 ) وإنكار الكرامات وقول اللقاني :


وأثبتن للأوليا الكرامه ومن نفاها فانبذن كلامه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث