الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( إيضاح لتفسير الآيات وبلاغتها والاستنباط منها ) .

قال الرازي بعد تفسير الآية الثانية : اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعرابا ونظما وحكما ، وروى الواحدي رحمه الله في البسيط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام " اهـ .

وأورد الآلوسي في روح المعاني عبارة الرازي عن المفسرين دون رواية الواحدي عن عمر ، ثم نقل مثلها عن السعد التفتازاني وعن الطبرسي في الآيتين لا الثانية فقط وقال : إن الطبرسي افتخر بما أتى فيه ولم يأت بشيء .

أقول : نحن لا يروعنا ما يراه المفسرون من الصعوبة في إعراب بعض الآيات أو في حكمها; لأن لهم مذاهب في النحو والفقه يزينون بها القرآن فلا يفهمونه إلا منها . والقرآن فوق النحو والفقه والمذاهب كلها ، فهو أصل الأصول ، فما وافقه فهو مقبول وما خالفه فهو مردود مرذول ، وإنما يهمنا ما يقوله علماء الصحابة والتابعين فيه فهو العون الأكبر [ ص: 188 ] لنا على فهمه ، ولم يرو عن أحد منهم ما يدل على وجدان شيء من الصعوبة في عبارة الآيتين . وما نقله الواحدي عن عمر رضي الله عنه في آية ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) ( فليس مما يؤيد ما نقل عن المفسرين من استصعابها . بل معناه أن أحكامها أشد من سائر أحكام السورة ، ولعله يعني بذلك ما فيها من التضييق في رد أيمان بعد أيمان وإظهار فضائح من كذب وخان . قال في حقيقة الأساس : عضلت على فلان ضيقت عليه أمره وحلت بينه وبين ما يريد . ومنه النهي عن عضل النساء أي منعهن من الزواج .

ولكن أصحاب المذاهب الفقهية اضطربوا في عدة أحكام من أحكامها لمجيئها مخالفة لأقيستهم ولما عليه العمل بثبوته في سائر الأحكام منها حلف الشاهد اليمين ، ومنها شهادة غير المسلم فيما هو خاص بالمسلمين ، ومنها العمل بيمين المدعي ، وقد اجتهدوا في تخريج كل مسألة من تلك المسائل على الثابت عندهم كما تراه قريبا . حتى ادعوا في بعضها النسخ . ورووه عن بعض الصحابة بسند لم يصح ، فلهذا رأينا بعد تفسير الآيتين بما يفهم من ظاهر اللفظ بالاختصار أن نفصل ما اشتملتا عليه من الفوائد والأحكام; ليظهر حتى للضعيف في علم العربية ما فيهما من إعجاز الإيجاز ، وما جنته المذاهب النحوية والفقهية على كثير من العلماء ، حتى قال ما قال في الآيتين أشهرهم بسعة الاطلاع أو بالدقة والذكاء .

أما دعوى النسخ ، فقد علم مما سلف ومما سيأتي قريبا ما عليه المحققون من أنه ليس في سورة المائدة منسوخ ، وقد حرر المسألة الحافظ ابن كثير في تفسيره فقال :

" ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير حدثني يعقوب حدثنا هشيم قال : أخبرنا زكريا عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقا قال : فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب . قال : فقدما الكوفة فأتيا الأشعري يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فأخبراه وقدما الكوفة بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصية الرجل وتركته قال فأمضى شهادتهما . ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي داود الطيالسي عن شعبة عن مغيرة الأزرق عن الشعبي أن أبا موسى قضى به . وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري فقوله : " هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " الظاهر والله أعلم أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء ، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان سنة تسع من الهجرة ، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام والله أعلم " . [ ص: 189 ] ثم قال الحافظ ابن كثير بعد أن أورد السدي في الآية الأولى :

" قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه : كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ففتح الصحيفة ، فأنكر أهل الميت وخوفوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر ، فقلت : إنهما لا يباليان صلاة العصر ، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما ، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله ( لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) أن صاحبهما لبهذا أوصى وأن هذه لتركته . فيقول لهما الإمام أي الحاكم قبل أن يحلفا : إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما . فإذا قال لهما ذلك فإن ( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) رواه ابن جرير انتهى المراد من كلام ابن كثير .

وتأمل قوله : " ولم تجز لكما شهادة " فالظاهر أنه من كلام ابن عباس رضي الله عنه وسيأتي لبحث دعوى النسخ واستشكال الفقهاء مزيد بيان قريبا .

وأما الفوائد والأحكام التي اشتملت عليها الآيتان بإيجازهما ، فهاك ما يتبادر إلى الذهن منها :

( 1 ) الحث على الوصية وتأكيد أمرها وعدم التهاون فيها بشواغل السفر وإن قصرت فيه الصلاة وأبيح فيه الإفطار في رمضان .

( 2 ) الإشهاد على الوصية في الحضر والسفر ; ليكون أمرها أثبت والرجاء في تنفيذها أقوى ، وإن كثيرا من الناس ليكتبون وصيتهم ولا يشهدون أحدا عليها; فيكون ذلك في بعض الأحيان سببا لضياعها .

( 3 ) أن الأصل في الإشهاد على الوصية أن يختار الشاهدان من المؤمنين الموثوق بعدالتهم كما ثبت في آيات أخرى أيضا; وحكمته ظاهرة من وجوده لا حاجة إلى شرحها .

( 4 ) أن إشهاد غير المسلمين على الوصية جائز مشروع ; فإن وجبت الوصية وجب بشرطه وإلا فهو مندوب; لأن مقصد الشارع من إثبات الوصية لا يترك ألبتة إذا لم يتيسر إقامته على وجه الكمال; إذ الميسور لا يسقط بالمعسور . والمقام هنا مقام إثبات الحقوق لا مقام التعبد الذي يشترط فيه الإيمان . ولا مقام التشريف والتكريم للأديان وأهل الأديان .

( 5 ) أن الشهادة تشمل ما يقوله كل من الخصمين من إقرار في القضية أو إنكار ونفي للمدعي به أو إثبات .

( 6 ) شرعية اختيار الأوقات التي تؤثر في قلوب الشهود ومقسمي الأيمان ويرجى أن يصدقوا ويبروا فيها كما بيناه في تعليل القسم بعد الصلاة ، ومثله في ذلك اختيار المكان [ ص: 190 ] وهو مشروع أيضا ، ومما ورد في السنة في ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وصححه وابن ماجه بسند رجاله ثقات وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه عن جابر مرفوعا : " لا يحلف أحد عند منبري كاذبا إلا تبوأ مقعده من النار " وعن أبي هريرة حديث بمعناه عند أحمد وابن ماجه ، وروى النسائي بإسناد رجاله ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة رفعه : " من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " واستدل بالآية وبهذه الأحاديث جماهير الفقهاء على جواز التغليظ على الحالف بمكان معين ثبتت حرمته شرعا كالمسجد الحرام ، وخاصة ما بين الركن ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، والمسجد النبوي وخاصة ما كان منه عند منبره صلى الله عليه وسلم ، وبالزمان كيوم الجمعة وبعد صلاة العصر ، وقال بعضهم ومنهم الحنفية إن ما ذكر من النصوص لا يدل على ذلك ، ولعله لا ينكر أحد التغليظ بما ورد فيها ، وإنما الخلاف في القياس عليها أو الأخذ بفحواها .

وقال الرازي في تفسير الآية : قال الشافعي رحمه الله : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان فيحلف بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس عند الصخرة . وفي سائر البلدان في أشرف المساجد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان ومكان وهذا على خلاف الآية ، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم ولا شك أن الذي قاله الشافعي رضي الله عنه أقوى اهـ .

هذه العبارة تشهد على نفسها بالتعصب فلا يقال إن أبا حنيفة خالف الآية إلا إذا أجاز ترك العمل بمنطوقها في هذا الموضوع نفسه .

( 7 ) التغليظ على الحالف بصيغة اليمين بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون رادعا للحالف عن الكذب كالألفاظ التي وردت في الآية ، وأشد منها ما ورد في شهادة اللعان ، وقد جرى على هذا أصحاب الجمعيات السياسية في الإسلام وغيره ، فاخترعوا أيمانا وأقساما قد يتحامى أفسق الناس وأجرؤهم على الإجرام أن يحنث بها وقد بينا ما يجب البر به وما يجب الحنث به من الأيمان وسائر مهمات أحكامها في تفسير آية كفارتها من هذه السورة .

( 8 ) أن الأصل في أخبار الناس وشهاداتهم التي هي أخبار مؤكدة صادرة عن علم صحيح أن تكون مقبولة مصدقة; ولهذا شرط في حكم تحليف الشاهدين الارتياب في خبرهما . وصدر هذا الشرط بأن التي لا تدل على تحقق الوقوع; إشارة إلى أن الأصل في وقوعها أن يكون شاذا .

[ ص: 191 ] ( 9 ) أن الأصل في الناس أن يكونوا أمناء ، وفي المؤتمن أن يكون أمينا ، وأن يكون ما يقوله في أمر الأمانة مقبولا; ولذلك قال : ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) فأفادت أداة الشرط أن الأصل في هذا ألا يقع ، وأنه إن وقع كان شاذا . وأفاد فعل " عثر " المبني للمفعول أن هذا الشذوذ إن وقع فشأنه أن يطلع عليه بالمصادفة والاتفاق ، لا بالبحث وتتبع العثرات .

( 10 ) شرعية تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم في شهادتهم ، وهو الذي عليه العمل الآن في أكثر الأمم ، بل تحتمه قوانينها الوضعية باطراد لكثرة ما يقع من شهادة الزور وسيأتي بحث الفقهاء في ذلك .

( 11 ، 12 ) شرعية ائتمان المسلم لغير المسلم على المال ، وشرعية تحليف المؤتمن والعمل بيمينه .

( 13 ) شرعية رد اليمين إلى من قام الدليل على ضياع حق له بيمين صار حالفها خصما له ومن هذا القبيل شهادة المتلاعنين وأقسامهما ، فإذا شهد الرجل على امرأته بالزنا تلك الشهادة المشروعة في سورة النور المتضمنة للقسم المغلظ ترد الشهادة مع اليمين إلى زوجه التي رماها بذلك ، فإذا شهدت بالله مثل شهادته سقط عنها الحد وبرئت من التهمة في شرع الله ، وبالنسبة إلى غيره من عباد الله . ومنه أيمان القسامة في الدماء ، وقد اختلف الفقهاء فيمن يبدأ باليمين آلمدعون ذوو القتيل ، أم المدعى عليهم ذوو المتهم بالقتل ؟ وأيا ما كان البادئون فإن الأيمان ترد إلى الآخرين .

( 14 ) إذا احتيج إلى قيام بعض الورثة لميت بأمر يتعلق بالتركة فالذي يجب تقديمه منهم للقيام به من كان أولاهم به . ومن بلاغة الإيجاز إبهام الأولين بالقسم في الآية لاختلاف الأولوية باختلاف الأحوال والوقائع كما أشرنا إليه ، فإذا تعين أصحاب الأولوية بلا نزاع فذاك ، وإلا فالحاكم هو الذي يقدم من يراه الأولى .

( 15 ) صحة شهادة غير المسلم على المسلم والعمل بها في الجملة ، وأخرناه ليتصل بما نوضحه في الفصل الآتي .

كل هذه الأحكام مفهومة من الآيتين ، فتأمل جمعهما لهذه المعاني الكثيرة على إيجازهما وإيضاحهما للمعنى المقصود بهما بالذات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث