الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

تنبيهان

الأول : الأكثر أن يراعى في التعدية ما ضمن منه ، وهو المحذوف لا المذكور ؛ كقوله تعالى : الرفث إلى نسائكم ( البقرة : 187 ) أي : الإفضاء .

وقوله : عينا يشرب بها عباد الله ( الإنسان : 6 ) أي : يروى بها ، وغيره مما سبق .

[ ص: 406 ] ولم أجد مراعاة الملفوظ به إلا في موضعين :

أحدهما : قوله تعالى : يقال له إبراهيم ( الأنبياء : 60 ) على قول ابن الضائع أنه ضمن " يقال " معنى " ينادى " و " إبراهيم " نائب عن الفاعل ؛ وأورد على نفسه : كيف عدي باللام ، والنداء لا يتعدى به ؟ وأجاب بأنه روعي الملفوظ به وهو القول ؛ لأنه يقال : قلت له .

الثاني : قوله : وحرمنا عليه المراضع من قبل ( القصص : 12 ) فإنه قد يقال : كيف يتعلق التكليف بالمرضع ؟ فأجيب بأنه ضمن " حرم " المعنى اللغوي ، وهو المنع ، فاعترض : كيف عدي بـ " على " والمنع لا يتعدى به ؟ فأجيب بأنه روعي صورة اللفظ .

الثاني : أن التضمين يطلق على غير ما سبق ؛ قال القاضي أبو بكر في كتاب " إعجاز القرآن " : هو حصول معنى فيه من غير ذكر له باسم أو صفة هي عبارة عنه ، ثم قسمه إلى قسمين : أحدهما : ما يفهم من البنية ، كقولك : معلوم ، فإنه يوجب أنه لا بد من عالم . والثاني : من معنى العبارة كالصفة ، فضارب يدل على مضروب . قال : والتضمين كله إيجاز .

قال : وذكر أن بسم الله الرحمن الرحيم ( الفاتحة : 1 ) من باب التضمين ؛ لأنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله تعالى ، أو التبرك باسمه " .

وذكر ابن الأثير في كتاب " المعاني المبتدعة " أن التضمين واقع في القرآن خلافا لما أجمع عليه أهل البيان ، وجعل منه قوله تعالى في الصافات : لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ( الصافات : 168 - 169 ) .

ويطلق التضمين أيضا على إدراج كلام الغير في أثناء الكلام لتأكيد المعنى ، أو لترتيب النظم ، ويسمى الإبداع ، كإبداع الله تعالى في حكايات أقوال المخلوقين ؛ كقوله تعالى [ ص: 407 ] حكاية عن قول الملائكة : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( البقرة : 30 ) .

ومثل ما حكاه عن المنافقين : قالوا إنما نحن مصلحون ( البقرة : 11 ) .

وقوله : قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ( البقرة : 13 ) .

وقالت اليهود ( البقرة : 113 ) .

ومثله : وقالت النصارى ( البقرة : 113 ) ومثله في القرآن كثير .

وكذلك ما أودع في القرآن من اللغات الأعجمية .

ويقرب من التضمين في إيقاع فعل موقع آخر إيقاع الظن موقع اليقين في الأمور المحققة ؛ كقوله تعالى : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ( البقرة : 46 ) .

الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة ( البقرة : 249 ) .

ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ( الكهف : 53 ) .

وظن داود أنما فتناه ( ص : 24 ) .

وظنوا ما لهم من محيص ( فصلت : 48 ) .

وشرط ابن عطية في ذلك ألا يكون متعلقه حسيا ، كما تقول العرب في رجل يرى حاضرا : أظن هذا إنسانا ، وإنما يستعمل ذلك فيما لم يخرج إلى الحس بعد ، كالآيات السابقة .

قال الراغب في " الذريعة " : " الظن إصابة المطلوب بضرب من الإمارة متردد بين يقين وشك ، فيقرب تارة من طرف اليقين ، وتارة من طرف الشك ، فصار أهل اللغة يفسرونه بهما ؛ فمتى رئي إلى طرف اليقين أقرب استعمل معه " أن " المثقلة والمخففة فيهما ، كقوله [ ص: 408 ] تعالى : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ( البقرة : 46 ) وظنوا أنه واقع بهم ( الأعراف : 171 ) ومتى رئي إلى الشك أقرب استعمل معه " أن " التي للمعدومين من الفعل ، نحو : ظننت أن يخرج .

قال : وإنما استعمل الظن بمعنى العلم في قوله : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ( البقرة : 46 ) لأمرين :

أحدهما : للتنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالنسبة إلى علمهم في الآخرة كالظن في جنب العلم .

والثاني : أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين المعنيين بقوله : الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ( الحجرات : 15 ) والظن متى كان عن أمارة قوية فإنه يمدح به ، ومتى كان عن تخمين لم يمدح به ، كما قال تعالى : إن بعض الظن إثم ( الحجرات : 12 ) .

وجوز أبو الفتح في قوله : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ( المطففين : 4 ، 5 ) أن يكون المراد بها اليقين ، وأن تكون على بابها ، وهو أقوى في المعنى ، أي : فقد يمنع من هذا التوهم ، فكيف عند تحقيق الأمر ؟ فهذا أبلغ . كقوله : " يكفيك من شر سماعه " أي : لو توهم البعث والنشور ، وما هناك من عظم الأمر وشدته لاجتنب المعاصي ، فكيف عند تحقق الأمر ! وهذا أبلغ .

وقيل : آيتا البقرة بمعنى الاعتقاد ، والباقي بمعنى اليقين ، والفرق بينهما أن الاعتقاد يقبل التشكيك بخلاف اليقين ، وإن اشتركا جميعا في وجوب الجزم بهما .

وكذلك قوله : إني ظننت أني ملاق حسابيه ( الحاقة : 20 ) .

وقد جاء عكسه وهو التجوز عن الظن بالعلم ، كقوله تعالى : وما شهدنا إلا بما علمنا ( يوسف : 81 ) ولم يكن ذلك علما جازما بل اعتقادا ظنيا .

[ ص: 409 ] وقوله : ولا تقف ما ليس لك به علم ( الإسراء : 36 ) وكان يحكم بالظن وبالظاهر .

وقوله : فإن علمتموهن مؤمنات ( الممتحنة : 10 ) وإنما يحصل بالامتحان في الحكم ، ووجه التجوز أن بين الظن والعلم قدرا مشتركا وهو الرجحان ، فتجوز بأحدهما عن الآخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث