الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

النوع الثامن والستون في جدل القرآن .

أفرده بالتصنيف نجم الدين الطوفي .

قال العلماء : قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحذير يبنى من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطق به ، لكن أورده على عادات العرب دون دقائق طرق المتكلمين لأمرين .

أحدها : بسبب ما قاله وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [ إبراهيم : 4 ] .

والثاني : أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام ، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ، ولم يكن ملغزا فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة ، ليفهم العامة من جليها ما يقنعهم وتلزمهم الحجة وتفهم الخواص من أثنائها ما يربى على ما أدركه فهم الخطباء .

وقال ابن أبي الإصبع : زعم الجاحظ أن المذهب الكلامي لا يوجد منه شيء في القرآن وهو مشحون به . وتعريفه أنه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له فيه على طريقة أرباب الكلام ، ومنه نوع منطقي تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة ، فإن الإسلاميين من أهل هذا العلم ذكروا أن من أول سورة الحج إلى قوله وأن الله يبعث من في القبور [ الحج : 7 ] . خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات :

قوله ذلك بأن الله هو الحق [ الحج : 6 ] . لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة الساعة معظما لها ، وذلك مقطوع بصحته ، لأنه خبر أخبر به من ثبت صدقه عمن تثبت قدرته منقول إلينا بالتواتر فهو حق ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق فالله هو الحق .

وأخبر تعالى أنه يحيي الموتى لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر ، وحصول فائدة هذا الخبر موقوفة على إحياء الموتى ليشاهدوا تلك الأهوال التي يعملها الله من أجلهم ، وقد ثبت أنه قادر على كل شيء ومن الأشياء إحياء الموتى فهو يحيي الموتى وأخبر أنه على كل شيء قدير ، لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين ، ومن يجادل فيه بغير علم ، يذقه عذاب السعير ، ولا يقدر على ذلك إلا من هو على كل شيء قدير فهو على كل شيء قدير .

وأخبر وأن الساعة آتية لا ريب فيها [ الحج : 6 ] . لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق الإنسان من تراب إلى قوله : لكيلا يعلم من بعد علم شيئا [ الحج : 6 ] . وضرب لذلك مثلا بالأرض الهامدة التي ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج ، ومن خلق الإنسان على ما خبر به فأوجده بالخلق ثم أعدمه بالموت ، ثم يعيده بالبعث ، وأوجد الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق ثم أماتها بالمحل ، ثم أحياها بالخصب ، وصدق خبره في ذلك كله بدلالة الواقع المشاهد على المتوقع الغائب حتى انقلب الخبر عيانا صدق خبره في الإتيان بالساعة .

ولا يأتي بالساعة إلا من يبعث من في القبور; لأنها عبارة عن مدة تقوم فيها الأموات للمجازاة فهي آتية لا ريب فيها وهو سبحانه وتعالى يبعث من في القبور .

وقال غيره : استدل سبحانه وتعالى على المعاد الجسماني بضروب .

أحدها : قياس الإعادة على الابتداء كما قال تعالى : كما بدأكم تعودون [ الأعراف : 29 ] ، كما بدأنا أول خلق نعيده [ الأنبياء : 104 ] . أفعيينا بالخلق الأول [ ق : 15 ] .

ثانيها : قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق الأولى قال تعالى : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر [ يس : 81 ] . الآية .

ثالثها : قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات .

رابعها : قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر .

وقد روى الحاكم وغيره أن أبي بن خلف جاء بعظم ففته ، فقال : أيحيي الله هذا بعد ما بلي ورم ، فأنزل الله : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [ يس : 79 ] . فاستدل سبحانه وتعالى برد النشأة الأخرى إلى الأولى والجمع بينهما بعلة الحدوث ، ثم زاد في الحجاج بقوله : الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا [ يس : 80 ] . وهذه في غاية البيان في رد الشيء إلى نظيره ، والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض عليهما .

خامسها : في قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى [ النحل : 38 ، 39 ] . الآيتين . وتقريرها أن اختلاف المختلفين في الحق لا يوجب انقلاب الحق في نفسه ، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه ، والحق في نفسه واحد ، فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة لا محالة ، وكان لا سبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الائتلاف ويرفع عنا الاختلاف ، إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجبلة ، ونقلها إلى صورة غيرها صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة فيها يرتفع الخلاف والعناد ، وهذه هي الحالة التي وعد الله بالمصير إليها فقال : ونزعنا ما في صدورهم من غل [ الأعراف : 43 ] . حقد فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح دليل على كون البعث الذي ينكره المنكرون ، كذا قرره ابن السيد .

ومن ذلك الاستدلال على أن صانع العالم واحد بدلالة التمانع المشار إليها في قوله : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [ الأنبياء : 22 ] . لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام ، ولا يتسق على أحكام ، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما ، وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم ، وأراد الآخر إماتته ، فإما أن تنفذ إرادتهما فيتناقض لاستحالة تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق ، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاختلاف . وإما ألا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجزهما ، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه والإله لا يكون عاجزا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث