الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

4445 - وعنه ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر دهن رأسه ، وتسريح لحيته ، ويكثر القناع ، كأن ثوبه ثوب زيات . رواه في شرح السنة .

التالي السابق


4445 - ( وعنه ) : أي عن أنس ( قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر ) : من الإكثار ( دهن رأسه ) : بفتح الدال استعمال الدهن بضمها ( وتسريح لحيته ) : منصوب عطفا على دهن ومن جره بالعطف على رأسه فقد أخطأ ، والمراد تمشيطها وإرسال شعرها ، وحلها يمشطها ، وذكر ابن الجوزي في كتاب الوفاء ، عن أنس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ مضجعه من الليل وضع له سواكه وطهوره ومشطه ، فإذا نبهه الله - عز وجل - من الليل . . الحديث . وأخرج الخطيب البغدادي في الكفاية عن عائشة قالت : خمس لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعهن في سفر ولا حضر : المرآة والمكحلة والمشط والمدرى والسواك . وفي رواية : وقارورة دهن بدل المدرى ، وأخرج الطبراني في الأوسط من وجه آخر عن عائشة قالت : كان لا يفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواكه ومشطه ، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته . وروى الخطيب من طريق حسين بن علوان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : سبع لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتركهن في سفر ولا حضر : القارورة والمشط والمرآة والمكحلة والسواك والمقص والمدرى . قلت لهشام : المدرى ما باله ؟ قال : حدثني أبي عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان له وفرة إلى شحمة أذنيه ، فكان يحركها بالمدرى ، وهو بكسر الميم وسكون المهملة ، عود تدخله المرأة في رأسها لئلا ينضم بعض الشعور إلى بعض ، والمقص بكسر الميم آلة القص بمعنى القطع وهي المقراض ، هذا وذكر الحافظ السيوطي في حاشية أبي داود ، قال الشيخ ولي الدين العراقي في حديث أبي داود : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمتشط أحدنا كل يوم هو نهي تنزيه لا تحريم ، والمعنى فيه أنه من باب الترفه والتنعم فيجتنب ، ولا فرق في ذلك بين الرأس واللحية .

قال ، فإن قلت : روى الترمذي في الشمائل عن أنس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته . قلت : لا يلزم من الإكثار التسريح كل يوم ، بل الإكثار قد يصدق على الشيء الذي يفعل بحسب الحاجة . فإن قلت : نقل أنه كان يسرح لحيته كل يوم مرتين . قلت : لم أقف على هذا بإسناد ، ولم أر من ذكره إلا الغزالي في الإحياء ، ولا يخفى ما فيه من الأحاديث التي لا أصل لها . ( ويكثر القناع ) : أي لبسه على حذف المضاف ، ولعل هذا وجه إعادة العامل وهو بكسر القاف وخفة النون وفي آخره مهملة : خرقة تلقى على الرأس تحت العمامة بعد استعمال الدهن وقاية للعمامة من أثر الدهن واتساخها به ، شبهت بقناع المرأة . وفي الصحاح : هو أوسع من المقنعة ، وهو الذي تلقيه المرأة فوق المقنعة . قال القاضي : يعني يكثر اتخاذه أو استعماله بعد الدهن .

[ ص: 2825 ] ( كأن ) : بتشديد النون وفي الشمائل : حتى كان وهي غاية ليكثر وأراد بقوله : ( ثوبه ) : أي قناعه ( ثوب زيات ) : بتشديد التحتية أي بائع الزيت أو صانعه ، وقيل : المراد بثوبه هو الذي كان على بدنه لإكثار دهنه ولملابسة قناعه . والأول هو الصحيح لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان أنظف الناس ثوبا ، وأحسنهم هيئة ، وأجملهم سمتا ، وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال : أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه ، وقال - صلى الله عليه وسلم : أصلحوا ثيابكم حتى تكونوا كالشامة بين الناس " . ومما يؤيده ما وقع في بعض طرق هذا الحديث : كان ملحفته ملحفة زيات ، أورده الذهبي في ترجمة الحسن بن دينار ، ويقويه ما أخرجه ابن سعد عن أنس بلفظ : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر التقنع بثوب حتى كأن ثوبه ثوب زيات أو دهان ، ومما يدل على تعين هذا المعنى أنه لو لم يرد هذا لما كان لذكر القناع فائدة ، ولا لغاية حتى كأن ثوبه ( ثوب زيات ) : لقوله : كان يكثر القناع نتيجة ، بل كان المناسب حينئذ أن يقول : كان يكثر دهن رأسه حتى كأن ثوبه ثوب زيات ، هذا وكأنه عدل عن المضمر إلى المظهر ، ولم يقل : وكأنه ثوب زيات حتى يرجع إلى القناع لئلا يتوهم عود الضمير إليه - صلى الله عليه وسلم - أو إشارة إلى أن المراد بثوبه ثوبه الخاص المستعمل للدهن لا مطلق ثوبه ، فتأمل ليرتفع الخلل ، لكن بقي شيء وهو أن سوق الكلام وهو المبالغة في إكثار الدهن مع التشبيه المستفاد من ( كأن ) يفيد أن يكون ثوبه اللابس ، فإن من المعلوم أن القناع الذي يغطى به المدهون يشبه ثوب الزيات ، فالأولى أن يحمل ثوبه على ثوب خاص أيضا ، وهو الذي لابسه حين استعمال الدهن ، ولا يلزم منه أن يستمر فيه - صلى الله عليه وسلم - ليخل بالنظافة ، بل كان يقلعه ويلبس غيره كما هو المعتاد ، وإنما أخبر عنه خادمه المخصوص به المطلع على سره وهذا التجويل أتم ، والله أعلم .

( رواه ) : أي البغوي ( في شرح السنة ) : أي مع إيراده في المصابيح من غير تعرض لضعفه ، وقد أخرجه الترمذي في جامعه وشمائله ، وكذا في جامع الأصول ، وكذا رواه ابن سعد ، فلا يضر ما قاله الجزري في الربيع بن صبيح أحد رواة الترمذي في الشمائل ، أنه كان عابدا ، ولكنه ضعيف في الحديث ، وعدوا من مناكيره قوله : كان ثوبه ثوب زيات ، بناء على أنه خلاف عادته من النظافة ، وقد عرفت تأويله ، فارتفع وجه الإنكار ، وإنما الإنكار على من قرره على المعنى الفاسد ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث