الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم .

الخامس : المكاتبة .


( 532 ) ثم الكتابة بخط الشيخ أو بإذنه عنه لغائب ولو      ( 533 ) لحاضر فإن أجاز معها
أشبه ما ناول أو جردها      ( 534 ) صح على الصحيح والمشهور
قال به أيوب مع منصور      ( 535 ) والليث والسمعان قد أجازه
وعده أقوى من الإجازه      ( 536 ) وبعضهم صحة ذاك منعا
وصاحب الحاوي به قد قطعا      ( 537 ) ويكتفى أن يعرف المكتوب له
خط الذي كاتبه وأبطله      ( 538 ) قوم للاشتباه لكن ردا
لندرة اللبس وحيث أدى      ( 539 ) فالليث مع منصور استجازا
أخبرنا حدثنا جوازا      ( 540 ) وصححوا التقييد بالكتابه
وهو الذي يليق بالنزاهه

القسم ( الخامس ) من أقسام التحمل ( المكاتبة ) إلى الطالب من الراوي ، والصيغة التي يؤدى بها ، وإلحاقها بالمناولة ( ثم الكتابة ) من الشيخ بشيء من مرويه حديثا فأكثر ، أو من تصنيفه أو نظمه ، ويرسله إلى الطالب مع ثقة مؤتمن بعد تحريره بنفسه ، أو بثقة معتمد ، وشده وختمه احتياطا ليحصل الأمن من توهم تغييره ، وذلك شرط إن لم يكن الحامل مؤتمنا ، تكون ( بخط الشيخ ) نفسه وهو أعلى ( أو بإذنه ) في الكتابة ( عنه ) لثقة غيره ، سواء كان لضرورة أم لا ، وسواء سئل في ذلك أم لا .

( لغائب ) عنه في بلد آخر أو قرية أو نحوهما ، بل ( ولو ) كانت ( لحاضر ) عنده في بلده دون مجلسه ، ويبدأ في الكتابة بنفسه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقول بعد البسملة : من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان . فإن بدأ باسم المكتوب إليه ، فقد كرهه غير واحد من السلف .

وكان أحمد بن حنبل يستحب إذا كتب [ ص: 4 ] الصغير إلى الكبير أن يقدم اسم المكتوب إليه ، وأما هو فكان يبتدئ باسم من يكاتبه كبيرا كان أو صغيرا تواضعا ; وهي كالمناولة على نوعين : .

[ المكاتبة المقترنة بالإجازة ] : فإن أجاز الشيخ بخطه أو بإذنه ( معها ) . أي : الكتابة بقوله : أجزت لك ما كتبته لك ، أو ما كتبت به إليك . أو نحو ذلك من عبارات الإجازات ، وهي النوع الأول المسمى بالكتابة المقترنة بالإجازة .

( أشبه ) حينئذ في القوة والصحة حيث ثبت عند المكاتب أن ذلك الكتاب هو من الراوي المجيز ، تولاه بنفسه أو أمر معروفا بالثقة بكتبه عنه ، ( ما ) إذا ( ناول ) مع الاقتران بالإجازة كما مشى عليه البخاري في صحيحه في مطلق المناولة والمكاتبة إذ سوى بينهما ، فإنه قال - وذكر المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان - : إن عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالكا رأوا ذلك جائزا .

ولكن قد رجح قوم - منهم الخطيب - المناولة عليها ; لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة . وهذا وإن كان مرجحا فالمكاتبة تترجح أيضا بكون الكتابة لأجل الطالب ، ثم مقتضى الاستواء ، فضلا عن القول بترجيح المناولة ، أن يكون المعتمد أن المروي بها أنزل من المروي بالسماع كما هو المعتمد هنا .

ويستأنس له بمناظرة وقعت بين الشافعي وإسحاق بن راهويه بحضرة أحمد بن حنبل في جلود الميتة إذا دبغت ، فقال الشافعي : ( دباغها طهورها ) .

قال إسحاق : ( فما الدليل ؟ ) قال : ( حديث ابن عباس عن ميمونة : ( هلا انتفعتم بجلدها ؟ ) ) يعني [ ص: 5 ] الشاة الميتة ، فقال إسحاق : ( حديث ابن عكيم : كتب إلينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) يشبه أن يكون ناسخا له ; لأنه قبل موته بيسير . فقال الشافعي : هذا كتاب وذاك سماع . فقال إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر ، وكان حجة عليهم .

فسكت الشافعي مع بقاء حجته كما قاله ابن المفضل المالكي ، يعني : فإن كلامه في ترجيح السماع لا في إبطال الاستدلال بالكتاب ، وكأن إسحاق لم يقصد الرد لأنه ممن يرى أن المناولة أنقص من السماع كما سلف هناك ، بل هو ممن أخذ بالحديث الأول كالشافعي خلافا لأحمد .

وممن استعمل المكاتبة المقرونة بالإجازة أبو بكر بن عياش فإنه كتب إلى يحيى بن يحيى : ( سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، عصمنا الله وإياك من جميع الآفات ، جاءنا أبو أسامة فذكر أنك أحببت أن أكتب إليك بهذه الأحاديث ، فقد كتبها ابني إملاء مني لها إليه ، فهي حديث مني لك عمن سميت لك في كتابي هذا ، فاروها وحدث بها عني ، فإني قد عرفت أنك هويت ذلك ، وكان [ ص: 6 ] يكفيك أن تسمع ممن سمعها مني ، ولكن النفس تطلع إلى ما هويت ، فبارك الله لنا ولك في جميع الأمور ، وجعلنا ممن يهوى طاعته ورضوانه ، والسلام عليك ) .

وقال إسماعيل بن أبي أويس : سمعت خالي مالك بن أنس يقول : قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق : التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك . قال مالك : فكتبتها ثم بعثتها إليه .

بل صرح ابن النفيس بنفي الخلاف عن صحة الرواية بها ، وألحق الخطيب بهذا النوع من الصحة الكتابة بإجازة كتاب معين أو حديث خاص ، كما كتب إسماعيل بن إسحاق القاضي لأحمد بن إسحاق بن بهلول التنوخي بالإجازة بكتاب ( الناسخ والمنسوخ ) عن ابن زيد بن أسلم ، وبـ ( العلل ) عن ابن المديني ، وبـ ( الرد على محمد بن الحسن ) .

وبـ ( أحكام القرآن ) ، و ( مسائل ابن أبي أويس ) و ( المسائل المبسوطة ) عن مالك ، ولكن هذا قد دخل في أول أنواع الإجازة .

[ المكاتبة المجردة عن الإجازة ] :

( أو ) لم يجز بل ( جردها ) أي الكتابة عن الإجازة وهو النوع الثاني ( صح على الصحيح والمشهور ) عند أهل [ ص: 7 ] الحديث قال عياض : ( لأن في نفس كتابه إليه به بخطه ، أو إجابته إلى ما طلبه عنده من ذلك أقوى إذن متى صح عنده أنه خطه وكتابه ) . يعني كما في النوع قبله .

قال : ( وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث ) بقولهم : كتب إلي فلان قال : ثنا فلان . وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا الحديث ، وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك ، وهو موجود في الأسانيد كثيرا .

وتبعه ابن الصلاح فقال : ( وكثيرا ما يوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم ) قولهم : كتب إلي فلان : ثنا فلان . والمراد به هذا ، وذلك معمول به عندهم معدود في المسند الموصول ، وفيها إشعار قوي بمعنى الإجازة ، فهي وإن لم تقترن بالإجازة لفظا فقد تضمنتها معنى .

والحاصل أن الإرسال إلى المكتوب إليه قرينة في أنه سلطه عليه ، فكأنه لفظ له به ، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى التلفظ بالإذن .

ونحوه ما حكاه الرامهرمزي عن بعض أهل العلم قال : الكتاب المتيقن من الراوي وسماع الإقرار منه سواء ; لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب ، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة ; إما بكتاب ، وإما بإشارة ، وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه ، كان ذلك كله سواء .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه أقام الإشارة مقام القول في العبارة ، وذكر حديث الجارية وقوله لها : ( أين ربك ؟ ) فأشارت إلى السماء .

( قال به ) أي : [ ص: 8 ] بتصحيح هذا النوع والرواية به ، ( أيوب ) السختياني ( مع منصور ) بن المعتمر . ( والليث ) بن سعد وخلق من المتقدمين والمتأخرين .

أما الليث فقد حدث عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، وخالد بن يزيد ، وعبد الله بن عمر العمري ، وعبيد الله بن أبي جعفر ، وهشام بن عروة ، ويحيى بن سعيد ، بالمكاتبة ، بل وصرح فيها بالتحديث ، بل قال أبو صالح كاتبه : إنه كان يجيز كتب العلم لمن يسأله ، ويراه جائزا واسعا .

وأما الآخران فقال شعبة : كتب إلي منصور بحديث ، ثم لقيته فقلت : أحدث به عنك ؟ قال : أو ليس إذا كتبت إليك فقد حدثتك ؟ ثم لقيت أيوب فسألته ، فقال مثل ذلك ، وعمل به زكريا بن أبي زائدة ، فقال عبيد الله بن معاذ : إنه كتب وهو قاضي الكوفة إلى أبيه وهو قاضي البصرة : ( من زكريا إلى معاذ ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ، أما بعد ، أصلحنا الله وإياك بما أصلح به الصالحين ، فإنه هو أصلحهم ، حدثنا العباس بن ذريح عن الشعبي قال : كتبت عائشة إلى معاوية رضي الله عنهما : أما بعد ، فإنه من يعمل بمعاصي الله يعد حامده من الناس له ذاما ، والسلام .

وصححه أيضا [ ص: 9 ] غير واحد من الشافعيين منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني ، والمحاملي ، وصاحب ( المحصول ) ، ( و ) أبو المظفر ( السمعان ) بحذف ياء النسبة منهم ( قد أجازه ) ; أي : الكتاب المجرد ، بل وعده أقوى من الإجازة المجردة .

وإلى ذلك ، أعني تفضيل الكتابة المجردة على الإجازة المجردة ، صار جماعة من الأصوليين أيضا ، منهم إمام الحرمين وكأنه لما فيها من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول وهلة ، وإن توقف بعض المتأخرين في ذلك لاستلزامه تقديم الكناية على الصريح ، ( وبعضهم ) أي : العلماء ( صحة ذاك ) أي : المذكور من الكتابة المجردة ( منعا ) كالمناولة المجردة حسبما تقدم فيها .

وقال السيف الآمدي : ( لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ كقوله : فاروه عني ، أو أجزت لك روايته ) .

وذهب أبو الحسن بن القطان إلى انقطاع الرواية بالكتابة المجردة ، ( و ) الإمام أبو الحسن الماوردي صاحب ( الحاوي الكبير ) فيه ( به ) . أي : بالمنع ( قد قطعا ) ولكن هذا القول غلط كما قاله عياض أو حكاه ، [ ص: 10 ] والمعتمد الأول ، وهو صحته وتسويغ الرواية به ، واستدل له البخاري في صحيحه بنسخ عثمان رضي الله عنه المصاحف .

والاستدلال بذلك واضح لأصل المكاتبة لا خصوص المجردة عن الإجازة ، فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها ، والمستفاد من بعثة المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان ، لا أصل ثبوت القرآن ، فإنه متواتر عندهم .

بل استدل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه رجلا ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ) . وبحديث أنس رضي الله عنه : كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا أو أراد أن يكتب .

ووجه دلالتهما على ذلك ظاهر ، بل ويمكن أن يستدل بأولهما للمناولة أيضا من حيث إنه صلى الله عليه وسلم ناول الكتاب لرسوله ، وأمره أن يخبر عظيم البحرين بأن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه ، وقد صارت كتب النبي صلى الله عليه وسلم دينا يدان بها ، والعمل بها لازم للخلق ، وكذلك ما كتب به أبو بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء الراشدين فهو معمول به ، ومن ذلك كتاب القاضي إلى القاضي يحكم به ويعمل به .

وفي الصحيحين - اجتماعا وانفرادا - أحاديث من هذا النوع من رواية التابعي عن الصحابي ، أو من رواية غير التابعي عن التابعي ، ونحو ذلك ، فمما اجتمعا عليه [ ص: 11 ] حديث وراد قال : كتب معاوية إلى المغيرة رضي الله عنهما أن اكتب إلي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول . الحديث .

وحديث عبد الله بن عون قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال ، فكتب إلي أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون . الحديث . وفيه : حدثني هذا ابن عمر رضي الله عنهما ، وكان في ذلك الجيش .

وحديث موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، وكان كاتبا له ، قال : كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) . وحديث أبي عثمان النهدي قال : أتانا كتاب عمر رضي الله عنه ، ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير .

ومما انفرد به البخاري حديث هشام الدستوائي قال : كتب إلي يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه رفعه : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ) .

ومما انفرد به مسلم حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كتبت إلى جابر بن سمرة رضي الله عنهما مع غلامي نافع : أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فكتب إلي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة عشية رجم الأسلمي . فذكر [ ص: 12 ] الحديث .

بل روى البخاري عن شيخه بالمكاتبة حيث قال في ( باب إذا حنث ناسيا ) في الأيمان والنذور : كتب إلي محمد بن بشار . وذكر حديثا للشعبي عن البراء ، ولم يقع له بهذه الصيغة عن أحد من مشايخه سواه ، وكأنه لم يسمع منه هذا الحديث بخصوصه ، فرواه عنه بالمكاتبة ، وإلا فقد أكثر عنه في صحيحه بالسماع ، وكذا روى بها أبو داود في سننه فقال : كتب إلي حسين بن حريث أبو عمار المروزي . فذكر حديثا .

[ يكتفى معرفة المكتوب له خط الكاتب في المكاتبة ] :

( ويكتفى ) في الرواية بالكتابة ( أن يعرف المكتوب له ) بنفسه ، وكذا - فيما يظهر - بإخبار ثقة معتمد ، ( خط ) الكاتب ( الذي كاتبه ) وإن لم تقم البينة على الكاتب برؤيته وهو يكتب ذلك ، أو بالشهادة عليه أنه خطه ، أو بمعرفة أنه خطه للتوسع في الرواية .

( وأبطله قوم ) فلم يجوزوا الاعتماد على الخط ، واشترطوا البينة بالرؤية أو الإقرار ، ( للاشتباه ) في الخطوط بحيث لا يتميز أحد الكاتبين عن الآخر ، ومنهم الغزالي فإنه قال في ( المستصفى ) : إنه لا يجوز أن يرويه عنه ; لأن روايته شهادة عليه بأنه قاله ، والخط لا يعرفه . يعني جزما . و ( لكن ردا ) هذا ، وقال ابن الصلاح : إنه غير مرضي ( لندرة اللبس ) ، والظاهر أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره ، ولا يقع فيه إلباس .

وكذا قال ابن أبي الدم : ذهب بعض المحدثين وغيرهم [ ص: 13 ] إلى أنه لا يجوز الاعتماد على الخط من حيث إن الخط يتشابه ، أخذا من الحاكم في أنه لا يجوز له العمل بما يرد عليه من المكاتبات الحكمية من قاض آخر إذا عرف الخط على الصحيح .

وهذا وإن كان له اتجاه في الحكم ، فالأصح الذي عليه العمل ، يعني سلفا وخلفا ، هنا جواز الاعتماد على الخط ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث كتبه إلى عماله فيعملون بها واعتمادهم على معرفتها .

قلت : وإليه ذهب الإصطخري حيث اكتفى بكتاب القاضي المجرد عن الإشهاد إذا وثق القاضي المكتوب إليه بالخط والختم . والصحيح ما تقدم ، وباب الرواية على التوسعة ، بل صرح في ( زوائد الروضة ) باعتماد خط المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه ، أو كان يعرف خطه ، ولم يشك في فروع ، منها : لو وجد بخط أبيه الذي لا يشك فيه دينا على أحد ساغ له الحلف فيه ، وحينئذ فمحاكاة الخطوط فيها من المحظور ما لا يخفى ، فيتعين اجتنابه ، وإن حاكى حافظ دمشق الشمس بن ناصر الدين خط الذهبي ، ثم حاكاه بعض تلامذته في طائفة .

[ عبارة الراوي بطريق المكاتبة ] :

( بحيث أدى ) المكاتب ما تحمله من ذلك فبأي صيغة يؤدي ، ( فالليث ) بن سعد ( مع منصور ) هو ابن المعتمر ( استجازا ) إطلاق : ( أخبرنا وحدثنا جوازا ) لأنهما كما سلف قريبا قالا : أليس إذا كتبت إليك فقد حدثتك ؟ وكذا قال لوين : كتب إلي وحدثني واحد . ولكن [ ص: 14 ] الجمهور من أهل الحديث قد منعوا الإطلاق .

( وصححوا التقييد بالكتابة ) فيقول : ثنا أو أنا كتابة أو مكاتبة ، وكذا كتب إلي - إن كان بخطه - ونحو ذلك .

( وهو ) كما قال ابن الصلاح تبعا للخطيب : ( الذي يليق بـ ) مذاهب أهل التحري في الرواية والورع ( والنزاهة ) ; أي : التباعد عن إيهام التلبيس .

قال الحاكم : الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما كتب إليه المحدث من مدينة ولم يشافهه بالإجازة : كتب إلي فلان . وكذا قال الخطيب : كان جماعة من أئمة السلف يفعلونه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث