الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم هو على قسمين :

أحدهما : ما ليس له ضابط يرجع إليه ; لكثرة كل من القسمين كأسيد وأسيد مثلا ، أو الأقسام ; كحبان وحبان وحيان مثلا ، وذلك إنما يعرف بالنقل والحفظ ، وثانيهما : ما ينضبط لقلة أحد القسمين ، ثم تارة يراد فيه التعميم [ ص: 231 ] بأن يقال : ليس لهم كذا إلا كذا . أو التخصيص بالصحيحين و ( الموطأ ) بأن يقال : ليس في الكتب الثلاثة كذا إلا كذا . وقد ذكر ابن الصلاح من أمثلة كليهما عيونا مفيدة وتراجم عديدة ، فمن الأول ربما أدرج فيه ما هو كلي بالنسبة لقريش والأنصار .

( نحو سلام كله فثقل ) ; أي : شدد اللام من كله ، ( لا ) ; أي : إلا ( ابن سلام ) الصحابي الإسرائيلي ثم الأنصاري ( الحبر ) بفتح المهملة وكسرها ، وهو أفصح ; أي : العالم ، فقد كان أولا من أحبار أهل الكتاب ; بحيث نزل فيه بعد إسلامه : ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) [ الرعد : 43 ] ، وقوله : ( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) [ الأحقاف : 10 ] . واسمه أولا الحصين ، فغيره النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ، فهو بالتخفيف ( و ) إلا ( المعتزلي أبا علي ) الجبائي محمد بن عبد الوهاب بن سلام ، ( فهو ) أيضا ( خف ) أي مخفف ( الجد وهو ) ; أي : التخفيف ، ( الأصح ) ، وقال ابن الصلاح : إنه الأثبت ( في ) سلام ( أبي ) ; أي : والد محمد بن سلام بن الفرج ( البيكندي ) بكسر الموحدة - كما لأبي علي الجياني - وسكون المثناة التحتانية ، ثم كاف مفتوحة ونون ساكنة بعدها دال مهملة ، البخاري الحافظ أحد شيوخ البخاري صاحب ( الصحيح ) ، فهو الذي نقله غنجار في ( تاريخ بخارى ) عن أبي عصمة سهل بن المتوكل أحد الآخذين عن محمد ، وأنه بالتخفيف لا بالتشديد وأقره غنجار ، وإليه المفزع والمرجع ، فهو أعلم بأهل بلاده ، ولم يذكر الخطيب وابن ماكولا غيره ، وقال ابن زيدان المسكي : سألت عبد الغني المقدسي عنه فقال : إنه بالتخفيف لا غير . كذلك قرأته على أبي الفضل أحمد بن صالح الجيلي ، والذي قاله أبو علي الجياني في تقييد المهمل التشديد خاصة ، [ ص: 232 ] وصنيع ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل يقتضيه ، وقال كل من صاحب ( المشارق والمطالع ) : إنه الأكثر . قال شيخنا : ولم يتابع . وقال المصنف : وكأنه اشتبه بآخر شاركه في الاسم واسم الأب والنسبة ، حدث عن الحسن بن سوار الخراساني ، وعلي بن الجعد الجوهري ، روى عنه عبيد الله بن واصل البخاري ، وهو من أقرانه ، فإن ذاك بالتشديد فيما ذكره الخطيب في ( التلخيص ) وغيره ، واسم جده السكن ، وكان يقال له : البيكندي الصغير . وإلا فشيخ البخاري قد روينا من طريق أبي عصمة الماضي قريبا أنه سمعه يقول : أنا محمد بن سلام . بالتخفيف ، وهذا قاطع للنزاع ; ولذا صنف فيه المنذري ، وقد قرأه بعضهم بالتشديد ، فقال له المسمع : سلام عليكم .

( و ) إلا ( ابن أبي الحقيق ) بمهملة وقاف ، مصغر ، أبا رافع اليهودي الذي بعث إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من قتله ، وهو في حصن له من أرض الحجاز ، فهو سلام بالتخفيف ; لقول المبرد في ( الكامل ) : إنه ليس في العرب بالتخفيف إلا هو ، ووالد عبد الله الماضي أولا ، ولكن الذي في النسخة المعتمدة من سيرة ابن هشام في هذا التشديد ; ولذا قال شيخنا في ( الفتح ) : وقال ابن إسحاق : هو سلام . بتشديد اللام ، ولم يحك غيره ، كما أن ابن الصلاح ومن تبعه لم يحك غير التخفيف ، وصرح شيخنا في المشتبه بأنه ممن اختلف فيه ، وعلى هذا فيصح في ابن أبي الحقيق الجر أيضا ، على أنه قد قيل في اسمه أيضا : إنه عبد الله ، وله أخوان ; كنانة الذي كان أولا على أم المؤمنين صفية ابنة حيي ، والربيع الذي كان بعد وقعة بعاث رئيس بني قريظة ، وقتلهما النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعا بعد فتح خيبر .

[ ص: 233 ] ( و ) إلا ( ابن مشكم ) بتثليث الميم ثم شين معجمة ساكنة ، وفتح الكاف ثم ميم ; لقول ابن الصلاح عقب حكاية قول المبرد الماضي ، وزاد آخرون سلام بن مشكم خمارا كان في الجاهلية ، قال ( والأشهر ) المعروف ( التشديد فيه فاعلم ) ذلك ، قال شيخنا تبعا لغيره : وفيه نظر ; لأنه ورد في الشعر الذي هو ديوان العرب مخففا . فقال ابن إسحاق في ( السيرة ) : وقال سماك اليهودي :

فلا تحسبني كنت مولى ابن مشكم سلام ولا مولى حيي بن أخطبا

وقال كعب بن مالك من قصيدة :


فطاح سلام وابن سعية عنوة     وقيد ذليلا للمنايا ابن أخطبا

وقال أبو سفيان بن حرب :


سقاني فرواني كميتا مدامة     على ظمأ مني سلام بن مشكم

وكل هذا دال للتخفيف .

قلت : وهو الذي في الأصل المعتمد من سيرة ابن هشام ، قال شيخنا : وكأن قول أبي سفيان هو السبب في تعريف ابن الصلاح له بكونه كان خمارا ، لكن قد عرفه ابن إسحاق في السيرة بأنه كان سيد بني النضير . قلت : وذلك في قصة أوردها ابن هشام في غزوة السويق من سيرته ، فقال : وكان أبو سفيان بن حرب - كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ، ومن لا أتهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، وكان من أعلم الأنصار - حين رجع إلى مكة نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج في مائتي راكب إلى أن قال حتى أتى بني النضير تحت الليل ، فأتى حيي بن أخطب ، فضرب عليه بابه ; فأبى أن يفتح له وخافه ، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم ، وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك ، [ ص: 234 ] وصاحب خبرهم ، فاستأذن عليه فأذن له ، فقراه وسقاه وبطن له من أخبار الناس إلى أن ذكر خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم ، وذكر القصيدة التي قالها أبو سفيان لما صنع له سلام ، وفيها :

سقاني فرواني . . . البيت وقبله وهو أول الأبيات :

إني تخيرت المدينة واحدا     لحلف فلم أندم ولم أتلوم

وكذا قال أبو الفرج الأصبهاني صاحب ( الأغاني ) : إنه كان رئيس بني النضير . قال شيخنا وأبو سفيان لا يمدح من يكون خمارا ، بلى إنما كان أضافه فمدحه ، وقال غيره : بل ذلك لا يخرجه عن أن يكون خمارا ، ثم إنه لا يقال : لعل تخفيفه في الشعر للضرورة ، فذاك خلاف الأصل ، سيما مع تكرر وقوعه .

( و ) أما ( ابن محمد بن ناهض ) بالنون والهاء والضاد المعجمة المقدسي ( فخف ) ; أي : فمخفف اللام من سلام اسمه أيضا بلا خلاف ، واقتصر في اسمه على سلام ، أو ( زده هاء فكذا فيه اختلف ) بين الآخذين عنه ، فقاله بدونها أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ ، وبإثباتها أبو القاسم الطبراني .

( قلت ) : وعلى هؤلاء الستة - أعني الصحابي الحبر ، وجد أبي علي الجبائي ، والبيكندي ، وابن أبي الحقيق ، وابن مشكم ، وابن ناهض - اقتصر ابن الصلاح ، ( وللحبر ) أولهم ( ابن أخت ) اسمه سلام ، عده في الصحابة ابن فتحون في ذيله على الاستيعاب ، ولم نقف على اسم أبيه ، ( خفف ) ; أي : لامه أيضا ، ( كذاك جد ) سعد بن جعفر بن سلام أبي الخير البغدادي ، ( السيدي ) بفتح المهملة وياء تحتانية ثقيلة مكسورة ; لكونه كان وكيل السيد أخت المستنجد ، روى سعد عن ابن البطي ومعمر بن الفاخر ، ويحيى بن ثابت بن بندار ومات سنة أربع عشرة وستمائة [ ص: 235 ] ( 614هـ ) ، ذكره ابن نقطة في ( التكملة ) فيما وجد بخطه ( و ) جد أبي نصر محمد بن يعقوب بن إسحاق بن محمد بن موسى بن سلام ( النسفي ) بفتح النون والسين المهملة ، قيده ابن السمعاني وغيره ، نسبة لنسف بكسر النون ، وفتحت للنسب ، كالنمري ، وينسب أيضا السلامي لجده المذكور يروي عن زاهر بن أحمد وأبي سعيد عبد الله بن محمد الرازي ، مات بعد الثلاثين وأربعمائة ، ذكره الذهبي ، وكذا عم سلمة بن سلام أخو الحبر صحابي أيضا ، ذكره ابن منده ، وكذا ابن فتحون في الذيل ، لكن قال : إنه ابن أخي الحبر ، ومع ذلك فلم يسم أباه ، وكذا للحبر ولدان ; يوسف ، له رؤية ، بل وحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومحمد ، ذكر في الصحابة أيضا .

ولأولهما ابن اسمه حمزة روى عن أبيه ، وحفيد اسمه محمد بن حمزة ، روى عنه الوليد بن مسلم وغيره ، وإبراهيم وعبد الله ابنا البيكندي الكبير الماضي ، ولكن أغنى عن ضبط الأخيرين ذكر أبيهما ، وعن الخمسة قبلهما ذكر الحبر ، نعم لهم علي بن يوسف بن سلام بن أبي دلف البغدادي شيخ للدمياطي ، وهو الذي ضبطه ، وكان اسم سلام عبد السلام ، فخفف .

ومن ذلك عمارة فـ ( عين أبي ) بالضم مصغر ، ( ابن عمارة ) الصحابي المخرج حديثه في أبي داود وابن ماجه والحاكم ، وقيل : إنه صلى للقبلتين ، ( اكسر ) خاصة على المشهور ، قال ابن الصلاح : ومنهم من ضمها ، ومن عداه فبالضم جزما ، وفاته عمارة بالفتح ثم التثقيل ، وهم رجال ونساء ، فالرجال جعفر بن أحمد بن عمارة الحربي ، عن سعيد بن البنا ، وابناه : قاسم وأحمد ، ومدرك بن عبد الله بن القمقام بن عمارة بن مالك القضاعي ، ولي لعمر بن عبد العزيز الجزيرة ، وبركة بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمارة سمع أبا المظفر بن أبي البركات قيده الشريف عز الدين في الوفيات ، وأبو عمر محمد بن عمر بن علي بن عمارة [ ص: 236 ] الحربي ، وأبو القاسم محمد بن عمارة الحربي النجار ، روى عن عبد الله بن أبي المجد وغيره ، وبنو عمارة بطن منهم المجذر بالذال المعجمة ، واسمه عبد الله بن زياد بن عمرو بن أخزم بن عمرو بن عمارة بن مالك البلوي ، وقريبه يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو ، وأخواه : بحاث وعبد الله صحابة ، والنساء عمارة ابنة عبد الوهاب الحمصية ، روى عنها ابنها أحمد بن نصر ، وعمارة ابنة نافع بن عمر الجمحي ، وهي أم محمد بن عبد الله بن عبد الرزاق بن عمر بن عبد الله بن جميل ، الذي كان على بيت المال ببغداد لأمير المؤمنين المامون ، وعمارة عن أبي ظلال ، وعنها أبو يوسف محمد بن أحمد الصيدلاني الرقي وهي جدته ، وعمارة الثقفية زوج محمد بن عبد الوهاب الثقفي ، يقول فيها ابن مناذر من أبيات : محمد زوج عمارة .

وعمارة امرأة يزيد بن ضبة يقول فيه عنترة بن عروس مما أنشده الآمدي : تقول عمارة لي ياعنترة .

ومن ذلك كريز كله بالضم ، مصغر ، وليس في عبد شمس بن عبد مناف ، كما نقله الجياني في تقييد المهمل عن محمد بن وضاح غيره ، ( وفي خزاعة كريز ) يعني فقط ( كبر ) ، ومنهم طلحة بن عبيد الله بن كريز تابعي ، وابنه عبيد الله عن الحسن والزهري ، قال ابن الصلاح : ولا يستدرك - يعني على الحصر في خزاعة - أيوب بن كريز الراوي عن عبد الرحمن بن غنم ; لكون عبد الغني ضبطه بالفتح ; فإنه بالضم عند الدارقطني وغيره ; أي : كابن ماكولا .

[ ص: 237 ] ( و ) من ذلك حزام فقل ( في قريش أبدا حزام ) بكسر الحاء المهملة وبالزاء المنقوطة ( وافتح ) الحاء أبدا ( في الأنصار ) بالنقل مع الإتيان ( برا ) مهملة بدل المنقوطة وبالقصر ، فقل : ( حرام ) . وليس المراد بهذا إلا ضبط ما في هاتين القبيلتين خاصة ، فلا يعترض بأنه وقع حزام بالزاء في خزاعة وبني عامر بن صعصعة وغيرهما ، وحرام بالراء في بلى وخثعم ، وجذام وتميم بن مربل ، وفي خزاعة أيضا .

وفي عذرة وبني فزارة وهذيل وغيرهم ; فضلا عن أن يقال : لهم خرام . بخاء معجمة مضمومة وراء ثقيلة ، وخزام بفتح المعجمة ثم زاء ثقيلة ، وخزام بضم المعجمة ثم زاء خفيفة ، كما بين كل ذلك في محاله ، نعم إدخال هذه الترجمة في أثناء ما هو كلي ملبس لا سيما والاشتباه فيها لغير البارع باق أيضا ، فإنه قد يمر الراوي غير منسوب ، فلا يدري الطالب من أي القبيلتين هو .

ومن ذلك عنسي ، فالذي ( في الشام ) بالهمزة الساكنة ، وتركها من لغاته كما سبق مثله في آخر الصحابة ، لا سيما داريا منها ، ( عنسي بنون ) ثم سين مهملة ، نسبة لعنس حي من مذحج في اليمن ، كعمير بن هانئ تابعي ، ومحمد بن الأسود روى عن عمر ( و ) عبسي ( ببا ) بموحدة بدل النون وبالقصر للضرورة ، ( في كوفة ) بالصرف للضرورة نسبة في الأكثر لعبس غطفان ، كربعي بن حراش وعبيد الله بن موسى ، ( و ) عيشي ( بالشين ) المعجمة ( واليا ) المثناة التحتانية وبالقصر للضرورة أيضا ، نسبة لعائشة ابنة أحد العشرة طلحة ; كعبيد الله بن محمد بن حفص ، ولبني عائشة [ ص: 238 ] ابنة تيم الله ، كمحمد بن بكار بن الريان ، ( غلبا ) الذي بالمعجمة والتحتانية ; أي : هو الأغلب ، ( في بصرة ) بتثليث الموحدة ، والكسر أصحها ، كما تقدم في معرفة الصحابة ، وبالصرف أيضا لا جميعهم ، بل المذكور في كل من الشام والكوفة هو الغالب أيضا ، كما هو مقتضى صنيع ابن الصلاح ; فإنه قال : ذكر أبو علي البرداني أنه سمع الخطيب الحافظ يقول : العيشيون - يعني بالمعجمة - بصريون ، والعبسيون - يعني بالموحدة - كوفيون ، والعنسيون - يعنى بالنون - شاميون . ثم قال : وقد قاله قبله الحاكم . قال - أعني ابن الصلاح - : وهذا يعني في الجميع على الغالب . انتهى .

ثم إنه لا ينتقد هذا الضابط بقول ابن سعد عن الكلبي : إنه ليس بالكوفة والبصرة رهاوي ولا عنسي ، وهم باليمن والشام كثير ، حيث اقتضى أنه بالنون في اليمن أيضا . ونحوه قول ابن ماكولا ، وابن السمعاني في العنسيين : وعظم عنس في الشام . وابن ماكولا في العيشيين : إنهم جماعة كثيرة ، عامتهم بالبصرة . فالضابط إنما هو لخصوص الثلاثة ، كما أنه لا ينتقد بالعيشي كالثالث ، لكن بكسر أوله ، والعيسي بالكسر أيضا ، لكن سينه مهملة ، أو الغشتي بفتح المعجمة وسكون الشين المعجمة بعدها مثناة أو الغيشي ، بكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة ثم معجمة ، كما بين في محاله .

نعم ينتقد بمن يكون من الكوفة ، وهو عيشي بالمثناة التحتانية والمعجمة ، أو عنسي بالنون ، كعمار بن ياسر الصحابي ; فإنه - مع كونه معدودا في الكوفيين - عنسي بالنون ، والظاهر أنها نسبة لعنس الذي انتسب إليه الشاميون ، فياسر والد عمار ، وكان صحابيا أيضا ، كان ممن قدم اليمن ، أو بمن يكون من الشام ، وهو عبسي بالموحدة ، أو عيشي بالتحتانية والمعجمة ، أو من البصرة ، وهو عنسي بالنون أو عبسي بالموحدة ، ويأتي في كون هذه الترجمة ليست كلية ، وكذا فيمن جاء غير منسوب ، ما قلنا في الترجمة قبلها .

[ ص: 239 ] ومن ذلك أبو عبيدة ، وكله بالضم والتصغير ، ( وما لهم ) ; أي : الرواة ، كما قاله الدارقطني ( من اكتنى أبا عبيدة بفتح ) في أوله ثم كسر لثانيه وبالصرف للضرورة ، وهو كذلك كما قال شيخنا في المتقدمين فمن بعدهم من المشارقة ، ووجد في المائة الخامسة من المغاربة أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة من شيوخ القاضي أبي القاسم بن بقي ، ضبطه ابن عبد الملك في التكملة بفتح العين ، وأرخه سنة ست وثمانين وخمسمائة ( 586هـ ) .

ومن ذلك السفر بالفاء ، فالأسماء كلها بالسكون ، السفر بن نسير عن أبي هريرة ، وأبو الفيض يوسف بن السفر ، ( والكنى في السفر بالفتح ) ، قال ابن الصلاح : ومن المغاربة من يسكن الفاء أي : من أبي السفر سعيد بن يحمد التابعي ، يعني والد عبد الله ، قال : وذلك خلاف ما حكاه الدارقطني عن أصحاب الحديث ، ووافقه المزي في هذا الضابط فقال : الأسماء بالسكون ، والكنى بالحركة . وأما السقر بالقاف الساكنة ، فلهم جماعة مسمون بذلك ، وهم سقر بن عبد الرحيم ، عن عمه شعبة ، وسقر بن عبد الرحمن أبو بهز الكوفي سبط مالك بن مغول ، شيخ لأبي يعلى الموصلي ، عن شريك والكوفيين ، وسقر بن حسين الحذاء عن العقدي ، وسقر بن عداس ، عن سليمان بن حرب ، وسقر بن حبيب اثنان ، روى أحدهما عن عمر بن عبد العزيز ، والآخر عن أبي رجاء العطاردي ، وسقر بن عبد الله ، عن عروة ، وكذا لهم في الكنى من ذلك أيضا أبو السقر يحيى بن يزداد ، [ ص: 240 ] عن حسين بن محمد المروزي ، لكن نقل عن شيخنا أن كل من بالقاف يعني من الأسماء والكنى الأشهر فيه الصاد بدل السين ، واقتصر في المشتبه على حكايته بدون ترجيح فقال : ويقال في هؤلاء بالصاد . وكذا ذكر ابن حبان سقر بن عبد الرحمن الماضي في كل من الحرفين ، ولهم أيضا شقر بفتح الشين المعجمة والقاف ، حي من تميم ينسب إليهم الشقريون ، قال الدارقطني : ومعاوية بن الحارث بن تميم سمي الشقر يعني بفتح الشين وكسر القاف ; لقوله :


وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه     به من دماء القوم كالشقرات

وقال وهو أبو حي من تميم ، والشقر هو شقائق النعمان ، وفيه نظر ، فمعاوية إنما هو الشقره بهاء في آخره ، كما صرح به غير واحد ، وشقر بضم ثم سكون مدينة بالأندلس ، وحينئذ فما حصل بهذا الضابط تمييز إلا في خصوص الفاء .

ومن ذلك عسل ( وما لهم ) ; أي : الرواة ( عسل ) بفتح المهملتين ( إلا ابن ذكوان ) بذال معجمة ، الأخباري البصري أحد من لقي الأصمعي ، ذكره الدارقطني وغيره ، ( و ) أما ( عسل ) بكسر أوله وسكون ثانيه ( فجمل ) بضم الجيم وفتح الميم ، جمع جملة ; أي : فكثير ، وهم عسل بن سفيان ، عن عطاء ، وصبيغ بن شريك بن المنذر بن قطن بن قشع بن عسل بن عمرو بن يربوع التميمي ، وربما نسب لجده الأعلى فقيل : صبيغ بن عسل ، وأخوه ربيعة ، شهد الجمل ، وابن أخيهما عسل بن عبد الله [ ص: 241 ] حدث عن عمه صبيغ ، بل قال ابن الصلاح : إنه وجد ابن ذكوان - بخط الإمام منصور الأزهري في تهذيب اللغة له - كذلك ، قال : ولا أراه ضبطه . وزعم مغلطاي أنه راجع نسختين من ( المحكم ) فلم ير ذلك فيه ، فالله أعلم .

ومن ذلك عثام ( والعامري ) الكوفي ( ابن علي ) بالسكون ، ابن هجير ، بهاء ثم جيم وآخره راء ، مصغر ، اسمه ( عثام ) بمهملة مفتوحة ثم مثلثة مشددة ، يروي عن هشام بن عروة والأعمش وغيرهما ، وكذا حفيده المشارك له في اسمه واسم أبيه عثام بن علي ، ( و ) أما ( غيره ) ; أي : غير من ذكر كغنام بن أوس الصحابي ، وعبيد بن غنام الكوفي راوية أبي بكر بن أبي شيبة ، ( فالنون والإعجام ) ; أي : فهو غنام بالغين المعجمة والنون .

تنبيه : وقع في بعض النسخ من النظم هنا . ( قلت : ابن عثام صحابي وله في الذكر ثلاثة وأعجم أوله ) والصواب - فيه كما ضبطه الأمير - الإعجام والنون ، وبه جزم شيخنا ; ولذلك لم يثبت في جميع النسخ ، والله أعلم .

ومن ذلك قمير ( وزوج مسروق ) هو ابن الأجدع ، اسمها ( قمير ) بفتح القاف ثم ميم مكسورة ابنة عمرو ، تروي عن عائشة وعنها الشعبي ، و ( صغروا ) ; أي : أهل الحديث ( سواه ) ; أي : الاسم المذكور حال كونه ( ضما ) ; أي : مضموما أوله ; كزهير بن محمد بن قمير الشاشي عن عبد الرزاق ، ومكي بن قمير عن جعفر بن سليمان .

ومن ذلك مسور ، ( ولهم مسور ) بضم الميم ثم مهملة مفتوحة بعدها [ ص: 242 ] واو مشددة وآخره راء اثنان : أحدهما ( ابن يزيد ) الكاهلي الأسدي ثم المالكي ، صحابي ، حديثه عند أبي داود ، روى عنه يحيى بن كثير ، ( و ) ثانيهما ( ابن عبد الملك ) اليربوعي حدث عنه معن القزاز ، هكذا ذكرهما ابن الصلاح ثم الذهبي ، واقتصر الدارقطني ثم ابن ماكولا على أولهما ولم يستدرك ابن نقطة ولا غيره عليهما أحدا ، وصنيع البخاري في تاريخه الكبير ، حيث ذكر ابن عبد الملك في باب مسور بن مخرمة المخفف ، يشهد لهم لكنه أعاد ذكره في المشدد مع ابن يزيد ولم يذكر غيرهما ، وقول المصنف : إنه ذكر مع ابن يزيد في المشدد مسور بن مرزوق ، لم أره في النسخة التي عندي بتاريخ البخاري ، بل لم أر ابن مرزوق فيه أصلا مع قول شيخنا في المشتبه : إنه هو وابن عبد الملك اختلفت نسخ التاريخ فيهما تشديدا وتخفيفا ، بل قال في ( الإصابة ) : إنه أورد ابن يزيد مع ابن مخرمة فاقتضى تخفيفه ، ( وما سوى ذين ) ; أي : ابن يزيد وابن عبد الملك ، ( فمسور ) بكسر الميم ثم مهملة ساكنة فيما ( حكي ) عند ابن الصلاح ثم الذهبي كما تقدم .

ومن ذلك الحمال ( ووصفوا ) ; أي : أهل الحديث ( الحمال ) بالحاء المهملة ثم الميم المشددة أي : وصفوا بالحمال ، ( في الرواة ) للحديث خاصة أو فيمن ذكر منهم في الكتب المتداولة ، ( هارون ) بن عبد الله بن مروان البغدادي البزاز الحافظ والد موسى ( والغير ) ; أي : وغير هارون ( بجيم ) بدل الحاء ( ياتي ) بالإبدال ، كمحمد بن مهران أبي جعفر الرازي ، شيخ للشيخين ، وأسيد بن زيد بن نجيح الهاشمي الكوفي ، شيخ للبخاري ، وأيوب الجمال كان يعتقد بدمشق ، قال [ ص: 243 ] الذهبي : كنت أرى أبي يسلم عليه ، ونوزع ابن الصلاح في الحصر ; فإنه وإن قيد بالوصف ، ليخرج من تسمى بذلك كحمال بن مالك ، أخي مسعود اللذين شهدا القادسية مع سعد وقتلا الفيل ، وأبيض بن حمال المأربي الصحابي ، مع كون هارون مختصا عنهم صاحبة التعريف والاستغناء بذلك عن التقييد ، فلهم ممن وصف بالحمال بالمهملة والتشديد ، رافع بن نصر الحمال الفقيه صاحب أبي إسحاق ، سمع أبا عمر بن مهدي ، وأبو القاسم مكي بن علي بن بنان الحمال أحد الرواة ، وأبو العباس أحمد بن محمد بن الدبس الحمال أحد شيوخ أبي النرسي ، وزاهد مصر أبو الحسن الحمال ، واسمه بنان بن محمد بن حمدان البغدادي ، قيل : أصله من واسط ، مات بعد الثلاث مائة ، كان فاضلا وليا ، له رواية عن الحسن بن عرفة وغيره ، وأيوب الحمال الزاهد ببغداد ، وأكثرهم وارد على الحصر ; ولذا قال شيخنا في المشتبه تبعا لأصله فيمن بالمهملة بعد تسمية هارون ، وآخرون ، ويمكن أن يقال : ليس لهؤلاء ذكر في الكتب المتداولة ، كما أن في غيرها أيضا جماعة يلقبون الجمال بالجيم والميم المخففة ، وفيهم كثرة ، وأبو الجمال جد أبي علي يحيى بن علي بن يحيى بن أبي الجمال الحراني ، ذكره أبو عروبة الحراني في تاريخه ، وقال : إنه مات سنة تسع وثمانين ومائتين ( 289هـ ) ، وأبو الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله وزير المقتدر ، وجمال ابنة قيس بن مخرمة ، وجمال ابنة عون بن مسلم ، وجمال ابنة النعمان بن أبي حزم بن كعب بن عتيك الأنصاري ، تزوجها عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب ، فهي أم أولاده ، غير أنه لذلك لا يكون ضابطا كليا .

ثم إنه قد اختلف في سبب وصف هارون بالحمال ، فقيل : إنه كان بزازا ، ثم تزهد وصار يحمل الشيء بالأجرة ويأكل منها ، حكاه عبد الغني بن سعيد عن القاضي أبي الطاهر الذهلي ، وقيل : بل عكسه كان حمالا ، ثم تحول إلى البز ، حكاه [ ص: 244 ] ابن الجارود في كتابه ( الكنى ) عن ولده موسى بن هارون ، وزعم الخليلي وابن الفلكي أنه لكثرة ما حمل من العلم ، قال ابن الصلاح : ولا أرى ما قالاه يصح ، وكأنه لأن القاضي أبا الطاهر كان صاحب موسى ولد هارون ، فهو أخبر وقوله أنسب بالزهد ، ولا ينافيه قول غيره : إنه حمل رجلا في طريق مكة على ظهره فانقطع فيما يقال به .

ومن ذلك الخياط ( ووصفوا ) ; أي : أهل الحديث ( حناطا ) بالمهملة ثم النون ( أو ) بالنقل ( خباطا ) بالمعجمة ثم الموحدة أي : بكل من الحناط والخباط ( عيسى ) بن أبي عيسى ميسرة ، ( ومسلما ) هو ابن أبي مسلم ، و ( كذا ) وصفوا كلا منهما ( خياطا ) بالمعجمة ثم التحتانية أي : بالخياط ، فبأي وصف من هذه الثلاثة وصف به واحد من هذين - كان صحيحا ، والغلط لذلك مأمون فيهما ، قاله الدارقطني .

ثم ابن ماكولا لقول ابن معين كما نقله الدارقطني في مسلم : إنه كان يبيع الخبط والحنطة وكان خياطا . وقوله أيضا في عيسى : إنه كان كوفيا وانتقل إلى المدينة وكان خياطا ، ثم ترك ذلك وصار حناطا ثم ترك ذلك وصار يبيع الخبط . بل قال هو عن نفسه فيما حكاه ابن سعد : أنا خياط وحناط وخباط ، كلا قد عالجت . ولكن مع هذا فاشتهاره إنما هو بالمهملة والنون ، واشتهار الآخر بالمعجمة والموحدة ; ولذا رجح الذهبي في كل واحد ما اشتهر به .

[ ص: 245 ] ومن ذلك مما أدخله ابن الصلاح في القسم بعده ، السلمي ، ( والسلمي ) بالنصب مفعول مقدم ( افتح ) ; أي : افتح السين واللام من السلمي ، ( في الانصار ) بالنقل خاصة ، كأبي قتادة فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وجابر بن عبد الله ، نسبة إلى بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن شاردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ، بفتح السين وكسر اللام ، ولكنها فتحت في النسب كالنمري والصدفي وبابهما ، قال السمعاني : وهذه النسبة عند النحويين . قال : وأصحاب الحديث يكسرون اللام ، وعليه اقتصر ابن باطيش في ( مشتبه النسبة ) ، وجعل المفتوح اللام نسبة إلى سليمة من عمل حماة ، ( ومن يكسر لامه ) ; أي : لفظ السلمي ، وهم أكثر المحدثين ( كأصله ) فقد ( لحن ) ، وهذا ضابط لما في الأنصار خاصة ، وإلا فلهم في غيرها بالفتح أيضا جماعة ممن انتسب إلى أجداده ; كبني سلمة بطن من لخم وغيرهم ، ويشتبه ذلك كله بالسلمي بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليم ، وهم خلق كعباس بن مرداس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث