الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 487 ] القسم الثامن : الوجادة ، وهي مصدر لوجد مولد غير مسموع من العرب .

وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخطه حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن ، أو قرأت بخط فلان عن فلان ، هذا الذي استقر عليه العمل قديما وحديثا ، وهو من باب المنقطع ، وفيه شوب اتصال ، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا ، وأنكر عليه .

وإذا وجد حديثا في تأليف شخص ، قال : ذكر فلان أو قال فلان أخبرنا فلان وهذا منقطع لا شوب فيه ، وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه ، وإلا فليقل : بلغني عن فلان ، أو وجدت عنه ونحوه ، أو قرأت في كتاب : أخبرني فلان أنه بخط فلان ، أو ظننت أنه بخط فلان ، أو ذكر كاتبه أنه فلان ، أو تصنيف فلان ، أو قيل بخط أو تصنيف فلان .

وإذا نقل من تصنيف فلا يقل : قال فلان إلا إذ وثق بصحة النسخة بمقابلته أو ثقة لها فإن لم يوجد هذا ولا نحوه فليقل بلغني عن فلان أو وجدت في نسخة من كتابه ونحوه . وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر .

والصواب ما ذكرناه ، فإن كان المطالع متقنا لا يخفى عليه غالبا الساقط أو المغير رجونا الجزم له وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم .

أما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين المالكيين ، وغيرهم أنه لا يجوز . وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه ، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة ، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه هذه الأزمان غيره .

التالي السابق


( القسم الثامن ) من أقسام التحمل ( الوجادة وهي ) بكسر الواو ( مصدر لوجد مولد غير مسموع من العرب ) قال المعافى بن زكريا النهرواني ، فرع المولدون قولهم وجادة فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة ، من تفريق العرب بين مصادر وجد ، للتمييز بين المعاني المختلفة .

قال ابن الصلاح : يعني قولهم : وجد ضالته وجدانا ومطلوبه وجودا ، وفى الغضب موجدة وفي الغنى وجدا وفي الحب وجدا .

( وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها ) غير المعاصر له ، أو المعاصر ولم يلقه ، أو لقيه ولم يسمع منه ، أو سمع منه ولكن ( لا يرويها ) أي تلك الأحاديث الخاصة ( الواجد ) عنه بسماع ولا إجازة .

( فله أن يقول : وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخطه " حدثنا فلان " ويسوق الإسناد والمتن ، أو " قرأت بخط فلان عن فلان " هذا الذي استقر عليه [ ص: 488 ] العمل قديما وحديثا ) .

وفي " مسند أحمد " كثير من ذلك من رواية ابنه عنه بالوجادة ( وهو من باب المنقطع ، و ) لكن ( فيه شوب اتصال ) بقوله : وجدت بخط فلان ، وقد تسهل بعضهم فأتى فيها بلفظ " عن فلان " .

قال : قال ابن الصلاح : وذلك تدليس قبيح ، إذا كان بحيث يوهم سماعه منه ( وجازف بعضهم فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا وأنكر عليه ) ولم يجوز ذلك أحد يعتمد عليه .

تنبيهات

وقع في " صحيح مسلم " أحاديث مروية بالوجادة ، وانتقدت . بأنها من باب المقطوع كقوله في الفضائل : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول : أين أنا اليوم ، الحديث ، وروى أيضا بهذا السند حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم إذا كنت عني راضية . [ ص: 489 ] وحديث : تزوجني لست سنين .

وأجاب الرشيد العطار بأنه روى الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة .

قلت : وجواب آخر وهو : أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه عن شيخه ، فتأمل .

( وإذا وجد حديثا في تأليف شخص ) وليس بخطه ( قال : ذكر فلان ، أو قال فلان أخبرنا فلان ، وهذا منقطع لا شوب ) من الاتصال ( فيه .

وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه ، وإلا فليقل : بلغني عن فلان ، أو وجدت عنه ونحوه ، أو قرأت في كتابه أخبرني فلان أنه بخط فلان ، أو ظننت أنه بخط فلان أو قيل بخط فلان ، أو ذكر كاتبه أنه فلان ، أو تصنيف فلان ، أو قيل : بخط ) فلان ( أو ) قيل : إنه ( تصنيف فلان ) ، ونحو ذلك من العبارات المفصحة بالمستند .

وقد تستعمل الوجادة مع الإجازة ، فيقال : وجدت بخط فلان ، وأجازه لي .

( وإذا نقل ) شيئا ( من تصنيف فلا يقل ) فيه ( قال فلان ) أو ذكر بصيغة [ ص: 490 ] الجزم ، ( إلا إذا وثق بصحة النسخة بمقابلته ) على أصل مصنفه ( أو ) مقابلة ( ثقة بها ، فإن لم يوجد هذا ولا نحوه فليقل : بلغني عن فلان ، أو وجدت في نسخة من كتابه ونحوه ، وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر ) وتثبت ، فيطالع أحدهم كتابا منسوبا إلى مصنف معين وينقل منه عنه من غير أن يثق بصحة النسخة ، قائلا : قال فلان أو ذكر فلان كذا .

( والصواب ما ذكرناه ، فإن كان المطالع ) عالما فطنا ( متقنا ) بحيث ( لا يخفى عليه الساقط ، أو المغير رجونا جواز الجزم له ) فيما يحكيه ( وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم ) من كتب الناس .

( وأما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز وعن الشافعي ، ونظار أصحابه جوازه ، وقطع بعض المحققين الشافعيين [ ص: 491 ] بوجوب العمل بها عند حصول الثقة ) به ، ( وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه ) في ( هذه الأزمان غيره ) .

قال ابن الصلاح : فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شروطها .

قال البلقيني : واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث : " أي الخلق أعجب إيمانا ؟ قالوا : الملائكة ، قال : وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ قالوا : الأنبياء ، قال : وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي ، قالوا : فنحن ، قال : وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ، قالوا : فمن يا رسول الله ؟ قال : قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها " .

قال البلقيني : وهذا استنباط حسن .

قلت : المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير ، ذكر ذلك في أوائل تفسيره . والحديث رواه الحسن بن عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وله طرق كثيرة أوردتها في الأمالي .

[ ص: 492 ] وفي بعض ألفاظه " بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم منكم أجرا " أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري ، وفي لفظ للحاكم من حديث عمر : " يجدون الورق المعلم فيعملون بما فيه ، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا " .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث