الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

البازي والعقاب والصقر إذا كان يفقه كما تفقه الكلاب المعلمة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

21981 - قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا ، أن المسلم إذا أرسل كلب المجوسي الضاري ، فصاد أو قتل ، إنه إذا كان معلما ، فأكل ذلك الصيد حلال . لا بأس به . وإن لم يذكه المسلم . وإنما مثل ذلك ، مثل المسلم يذبح بشفرة المجوسي ، أو يرمي بقوسه أو بنبله ، فيقتل بها . فصيده ذلك وذبيحته حلال . لا بأس بأكله ، وإذا أرسل المجوسي كلب المسلم الضاري على صيد ، فأخذه ، فإنه لا يؤكل ذلك الصيد ، إلا أن يذكى . وإنما مثل ذلك ، مثل قوس المسلم ونبله ، يأخذها المجوسي فيرمي بها الصيد فيقتله . وبمنزلة شفرة المسلم يذبح به المجوسي ، فلا يحل أكل شيء من ذلك .

[ ص: 294 ]

التالي السابق


[ ص: 294 ] 21982 - قال أبو عمر : الخلاف في ذبائح المجوسي ليس بخلاف عند أهل العلم ، والفقهاء أئمة الفتوى متفقون على ألا تؤكل ذبائحهم ، ولا صيدهم ، ولا تنكح نساؤهم ، من قال منهم : إنهم كانوا أهل كتاب ، ومن أنكر ذلك منهم كله يقول : لا تنكح نساؤهم ، ولا تؤكل ذبائحهم ، ولا صيدهم .

21983 - على هذا مضى جمهور العلماء من السلف ، وهو الصحيح ، عن سعيد بن المسيب .

21984 - روى معمر ، عن قتادة ، عن شعبة ، عن سعيد بن المسيب في المسلم يستعير كلب المجوسي ، فيرسله على الصيد ، قال : كله ، فإن كلبه مثل شفرته .

21985 - قال قتادة : وكرهه الحسن .

21986 - قال أبو عمر : على جواز صيد المسلم بكلب المجوسي ، وسلاحه جماعة السلف ، وتابعهم الجميع من الخلف .

21987 - وشذ عنهم من لزمته الحجة في الرجوع إليهم ، فلم يعد قوله خلافا ، وهو أبو ثور .

21988 - قال في المسلم يأمر المجوسي بذبح أضحيته : إنها تجزئه ، وقد أساء .

21989 - وقال في الكتابي يتمجس : إنه جائز أكل ذبيحته .

21990 - وقال في موضع آخر من صيد المجوسي قولان : 21991 - أحدهما : أنه يجوز كصيد الكتابي وذبيحته ; لأنه من أهل [ ص: 295 ] الكتاب .

21992 - والثاني : أنه لا يجوز أكل صيده ، كقول جمهور المسلمين .

21993 - وأما صيد المسلم بكلب المجوسي ، فالاختلاف فيه قديم ، كرهته طائفة ، ولم تجزه ، وأجازه آخرون .

21994 - فمن كرهه جابر بن عبد الله صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحسن البصري ، وعطاء ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري .

21995 - وإليه ذهب إسحاق بن راهويه .

21996 - وحجة من ذهب إلى هذا ظاهر قول الله عز وجل : وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله المائدة : 4 .

21997 - فخاطب المؤمن بهذا الخطاب ، فإن لم يكن المعلم للكلب مؤمنا لم يجز صيده .

21998 - ومن حجتهم أيضا ما رواه وكيع ، عن الحجاج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن سليمان اليشكري ، عن جابر بن عبد الله ، قال : نهينا عن صيد كلب المجوسي .

[ ص: 296 ] 21999 - وخالفهم آخرون ، فقالوا : تعليم المجوسي له وتعليم المسلم سواء ، وإنما الكلب كآلة الذبح والذكاة .

22000 - وممن ذهب إلى هذا : سعيد بن المسيب ، وابن شهاب ، والحكم ، وعطاء .

22001 - وهو الأصح عنه إن شاء الله .

22002 - وهو قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم .

22003 - وكان الحسن البصري يكره الصيد بكلب المجوسي ، والنصراني .

22004 - وقال أحمد بن حنبل : أما كلب اليهودي والنصراني ، فهو أهون .

22005 - وقال إسحاق : لا بأس أن يصيد المسلم بكلب اليهودي ، والنصراني .

22006 - قال أبو عمر : لما أجمع الجمهور الذين لا يجوز عليهم تأويل الكتاب ، وهم الحجة على من شذ عنهم ، أن ذبح المجوسي بشفرة المسلم ، ومديته ، واصطياده بكلب المسلم لا يحل ، علمنا أن المراعاة ، والاعتبار إنما هو دين الصائد [ ص: 297 ] الذابح لا آلته ، وبالله التوفيق .

22007 - وأما اختلاف العلماء في ذبائح الصابئين ، والسامرة ، وصيدهم : 22008 - فقال الكوفيون : لا تؤكل ذبائح الصابئين ، والمجوس ، والسامرة ، فليسوا أهل كتاب .

22009 - وقال الشافعي : لا تؤكل ذبائح الصابئين ، ولا المجوس .

22010 - قال : وأما السامرة ، فهم من اليهود ، فتؤكل ذبائحهم ، إلا أنه يعلم أنهم يخالفونهم في أصل ما يحرمون من الكتاب ، ويحلون ، فلا تؤكل ذبائحهم كالمجوس .

22011 - قال : وإن كان الصابئون والسامرة ، من بني إسرائيل يدينون بدين اليهود ، والنصارى أنكح نساؤهم ، وأكلت ذبائحهم .

22012 - قال : وأما المجوس ، فكانوا أهل كتاب ، فتؤخذ منهم الجزية لسنة رسول الله ، ولا تؤكل لهم ذبيحة ، ولا تنكح منهم امرأة .

22013 - وعلى هذا أخذ رسول الله الجزية من مجوس نجران .

22014 - قال أبو عمر : روي عن ابن عباس أنه قال في الصابئين : هم قوم [ ص: 298 ] بين المجوس ، واليهود ، لا تحل نساؤهم ، ولا تؤكل ذبائحهم .

22015 - وقال مجاهد : الصابئون قوم من المشركين لا كتاب لهم .

22016 - وذكر عبد الرزاق ، وغيره ، عن الثوري ، عن برد بن سنان ، عن عبادة بن نسي ، عن غطيف بن الحارث ، قال : كتب عامل عمر إلى عمر أن ناسا يدعون السامرة يقرأون التوراة ، ويسبتون السبت ، ولا يؤمنون بالبعث ، فقال : يا أمير المؤمنين ما ترى في ذبائحهم ؟ ، فكتب إليه عمر أنهم طائفة من أهل الكتاب ، ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب .

22017 - قال أبو عمر : ولا يجيء هذا الخبر عن عمر إلا بهذا الإسناد ، والله أعلم .

22018 - وجواب الشافعي في السامرة جواب حسن ، ولا أحفظ فيهم عن مالك قولا .

22019 - والذي يدل عليه ظاهر القرآن أن الصابئين غير اليهود ، وغير النصارى ، وغير المجوس .

22020 - قال الله تبارك وتعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا الحج : 17 .

[ ص: 299 ] 22021 - ففصل بينهم ، وقال : ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل المائدة : 68 .

22022 - وإنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ، وقال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [ المائدة : 5 ] .

22023 - وقوله ، : يعني ذبائحهم بإجماع من أهل العلم بتأويل القرآن ، وصيدهم في معنى ذبائحهم ، وبالله التوفيق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث