الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


6338 - قال مالك : فإن دعا الإمام على عدو للمسلمين واستسقى لم أر بذاك بأسا .

6339 - وروى ابن نافع ، عن مالك أنه سئل عن لعن الكفرة في رمضان : في أول الشهر أم في آخره ؟ فقال مالك : كانوا يلعنون الكفرة في رمضان في النصف منه حتى ينسلخ رمضان .

التالي السابق


6340 - وأرى ذلك واسعا إن فعل أو ترك .

6341 - قال أبو عمر : قد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه .

6342 - ولعن من انتمى إلى غير أبيه وادعى غير مواليه .

6343 - ولعن المخنثين من الرجال والمذكرات من النساء .

[ ص: 167 ] 6344 - ولعن من غير تخوم الأرض .

6345 - ولعن المكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليذل أولياء الله .

6346 - ولعن الواصلة والمستوصلة .

[ ص: 168 ] 6347 - ولعن جماعة يطول ذكرهم قصدا إلى لعنهم .

6348 - وليس لعنه هؤلاء ولا من استحق اللعنة من باب من لعنه رسول الله وشتمه عند غضب يغضبه وهو يظنه أهلا لذلك ، ثم تبين له - إذ كان من البشر - غير ذلك ، بل يكون لعنه له صلاة ورحمة ، كما قال عليه السلام : " إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فمن سببته أو لعنته فاجعل ذلك عليه رحمة " أو كما قال .

[ ص: 169 ] 6349 - وقد أوضحناه في موضعه من " التمهيد " والحمد لله .

[ ص: 170 ] 6350 - أخبرني أحمد بن عبد الله ، عن أبيه ، عن يونس بن بقي بن بقي بن مخلد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الأعلى أن أبا عبد الرحمن السلمي قنت في الفجر يدعو على قطري .

[ ص: 171 ] [ ص: 172 ] 6351 - وروي عن علي أنه كان يقنت أيام صفين وبعد انصرافه منها ، يدعو على قوم ويلعنهم ، كرهت ذكرهم .

6352 - ومن فعل الصحابة وجلة التابعين بالمدينة في لعن الكفرة في القنوت - أخذ العلماء لعن الكفرة في الخطبة الثانية من الخطبة والدعاء عليهم .

6353 - والأعرج أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين وهذا هو [ ص: 173 ] العمل بالمدينة .

6354 - والأصل في ذلك ما أخبرناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا داود بن أمية ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر ، وصلاة العشاء الآخرة ، وصلاة الصبح ، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار .

6355 - وروى ابن القاسم ، عن مالك أنه قال : ليس عليه العمل .

[ ص: 174 ] 6356 - وهذا معناه عندي أنه ليس سنة مسنونة فيواظب عليها في القنوت ، ولكنه مباح فعله اقتداء بالسلف في ذلك لمن شاء .

6357 - وقد كان مالك يرى القنوت في النصف الثاني من رمضان في الوتر والدعاء على من استحق الدعاء عليه ، ثم ترك ذلك فيما رواه المصريون عنه .

6358 - وروى أهل المدينة عنه أنه كان يقول : يقنت الإمام في النصف من رمضان ويؤمن من خلفه .

6359 - وهو قول أحمد وإسحاق .

6360 - وروي القنوت في النصف الآخر من رمضان عن علي ، وأبي بن كعب ، وابن عمر ، وابن سيرين ، والثوري ، والزهري ، ويحيى بن وثاب .

[ ص: 175 ] 6361 - وقال ابن المنذر ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد .

6362 - قال أبو عمر : أما رواية المصريين : ابن القاسم وأشهب وابن وهب ، عن مالك في ذلك ، فإنهم رووا عن مالك أنه سئل : أيقنت الرجل في الوتر ؟ فقال : لا .

6363 - قال : وكان الناس في زمن بني أمية يقنتون في الجمعة .

6364 - وما ذلك بصواب .

6365 - قال أشهب : سئل مالك عن القنوت في الصبح ، فقال : أما الصبح فنعم ، وأما الوتر فلا أرى فيه قنوتا ولا في رمضان .

6366 - وقد اختلف فيه عن ابن عمر فروى ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان لا يقنت إلا في النصف من رمضان .

6367 - وروى ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان لا يقنت في الفجر ولا في الوتر .

6368 - ورواية مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر نحو ذلك .

[ ص: 176 ] 6369 - وأما الشافعي فقال بالعراق - فيما روى الزعفراني عنه - : يقنت في الوتر في النصف من رمضان ، ولا يقنت في الوتر في سائر السنة إلا في النصف الآخر من رمضان .

6370 - وقال بمصر : يقنت في الصبح ، ومن قنت في كل صلاة إن احتاج إلى الدعاء على أحد لم أعبه .

6371 - قال أبو عمر : لا يصح عن النبي - عليه السلام - في القنوت في الوتر حديث مسند .

6372 - وأما عن الصحابة فروي ذلك عن جماعة .

6373 - فمن ذلك ما ذكره الطبري قال : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا يونس ، عن الحسن ، قال : أمر عمر أبي بن كعب يصلي بالناس ، فكان إذا مضى النصف الأول واستقبلوا النصف الآخر ليلة ست عشرة قنتوا فدعوا على الكفرة ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : القنوت في شهر رمضان ؟ قال : أول من قنت فيه عمر . قلت : في النصف الآخر ؟ قال : نعم .

[ ص: 177 ] 6374 - فبهذا احتج من أجاز القنوت في الوتر من قيام رمضان في النصف الآخر منه ; لأنه عمن ذكرنا من جلة الصحابة ، وهو عمل ظاهر بالمدينة في ذلك الزمان في رمضان ، لم يأت عن أحد منهم إنكاره .

6375 - وقد رأى القنوت في النصف الأول من السلف وبه قال أبو ثور .

6376 - وقد قيل : يقنت في رمضان كله ويلعن الكفرة في القنوت .

6377 - وهو قول الأوزاعي قال : ويقنت أيضا في الفجر قبل الركوع .

6378 - وأما مقدار القراءة في كل ركعة من قيام رمضان ففي " الموطأ " ما قد رأيت من القراءة بالمئين عن أبي وأصحابه من قراءة البقرة في ثمان ركعات وفي اثنتي عشرة ركعة .

6379 - وذكر ابن أبي شيبة ، حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : من أم الناس في رمضان فليأخذ بهم اليسر ، فإن كان بطيء القراءة فليختم القرآن ختمة ، وإن كان بين ذلك فختمة ونصف ، وإن كان سريع القراءة فمرتين .

6380 - وكان سعيد بن جبير يقرأ في كل ركعة بخمس وعشرين آية .

6381 - وكان عمر بن عبد العزيز يأمر الذين يقرءون في رمضان يقرءون في كل ركعة بعشر آيات .

6382 - وروى ابن وهب ، عن مالك أنه قيل له : إنهم يقرءون في كل ركعة بخمس آيات ، فقال : غير ذلك أحب إلي ، فقيل له : عشر آيات في كل [ ص: 178 ] ركعة ؟ فقال : نعم من السور الطوال .

6383 - قال : ورأى أكثر من عشر آيات إذا بلغ الطواسين والصافات .

6384 - وقال الزعفراني ، عن الشافعي : إن أطالوا القيام ، وأقلوا السجود ، فحسن وهو أحب إلي ، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن .

6384 م - وجملة القول في هذه المسألة أنه لا حد عند مالك وعند العلماء في مبلغ القراءة .

6385 - وقد قال - عليه السلام - : " من أم الناس فليخفف " .

6386 - وقال عمر : لا تبغضوا الله إلى عباده . يعني لا تطولوا عليهم في صلاتهم .

6387 - وفيما أوصى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن معلما وأميرا ، قال له : " وأطل القراءة على قدر ما يطيقون " .

6388 - وقال صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة طول القيام " .

6389 - وهذا لمن صلى لنفسه ، ولست أعلم خلافا بين العلماء في جواز صلاة العبد البالغ في قيام رمضان وفيما عدا الجمعة للناس .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث