الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى عام الفتح ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

358 [ ص: 133 ] ( 8 ) باب صلاة الضحى .

329 - ذكر مالك فيه حديث أم هانئ من طريق موسى بن ميسرة ، عن أبي مرة ، عن أم هانئ بنت أبي طالب ، أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عام الفتح ثماني ركعات ، ملتحفا في ثوب واحد .

330 - وذكر مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، أن أبا مرة ، مولى عقيل بن أبي طالب ، أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب [ ص: 134 ] تقول : ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة ابنته تستره بثوب . قالت : فسلمت عليه ، فقال : من هذه ؟ فقلت : أم هانئ بنت أبي طالب . فقال : مرحبا " بأم هانئ " فلما فرغ من غسله ، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ، ثم انصرف . فقلت : يا رسول الله زعم ابن أمي ; علي ، أنه قاتل رجلا أجرته ، فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، قالت أم هانئ : وذلك ضحى .

[ ص: 135 ]

التالي السابق


[ ص: 135 ] 8267 - وقد ذكرنا في التمهيد أن الصحيح في أبي مرة ، أنه مولى عقيل كما قال مالك ، ولكنه يقال فيه : مولى أم هانئ ، واسمه يزيد .

8268 - واسم أم هانئ فاختة ، وقد ذكرناها في كتاب الصحابة بما ينبغي من ذكرها .

8269 - احتج بهذا الحديث : الكوفيون في جواز صلاة النهار ثماني ركعات ، وأقل من ذلك وأكثر بلا فصل من سلام .

8270 - وهذا الذي نزعوا به من هذا الحديث لا حجة لهم فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ، وقد أوضحنا هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا .

8271 - وقد روى ابن وهب ، عن عياض الفهري ، عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن أم هانئ في هذا الحديث من صلاة الضحى أنه [ ص: 136 ] صلى ثماني ركعات ، يسلم بين كل ركعتين منها .

8272 - وقد احتج بهذا الإسناد ، أحمد بن حنبل .

8273 - قال الأثرم : قيل لأحمد : أليس قد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى قبل الظهر أربعا ؟ فقال : وقد روي أيضا أنه صلى الضحى ثمانيا ، فتراه لم يسلم فيها .

8274 - وذكر حديث ابن وهب هذا بإسناده ، عن ابن عباس ، عن أم هانئ بنت أبي طالب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى ثماني ركعات ، يسلم بين كل ركعتين .

8275 - وأما قوله : ملتحفا في ثوب واحد ، فقد مضى القول في الصلاة في الثوب الواحد فيما تقدم من هذا الكتاب ، ومضى تفسير الالتفاف والالتفاع والالتحاف فيما تقدم منه أيضا .

8276 - وأما حديثه في هذا الباب عن أبي النضر ، عن أبي مرة ، عن أم هانئ ، ففيه من الفقه : الاغتسال بالعراء إلى سترة ; لأن اغتساله ذلك كان منه - صلى الله عليه وسلم - وهو بالأبطح ، وفيه كان يومئذ نزوله .

8277 - حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا [ ص: 137 ] محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا الحميدي .

8278 - وحدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا محمد بن عبد السلام الحسيني ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا محمد بن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي مرة مولى عقيل ، عن أم هانئ قالت : أتاني يوم الفتح حموان لي فأجرتهما ، فجاء علي يريد قتلهما ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبته بالأبطح بأعلى مكة ، فوجدت فاطمة فأخبرتها ، فكانت أشد علي من علي ، فقالت : تؤمنين المشركين وتجيرينهم . فبينما أنا أكلمها إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى وجهه وهج الغبار ، فقلت : يا رسول الله ، إني أمنت حموين لي وإن ابن أمي عليا يريد قتلهما ، فقال : ما كان ذلك له قد أجرنا من أجرت ، وأمنا من أمنت ، ثم أمر فاطمة أن تسكب له غسلا ، فسكبت له في جفنة إني لأرى فيها أثر العجين ، ثم سترت عليه ، فاغتسل ، فقام فصلى الضحى ثماني ركعات في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه ، لم أره صلاها قبل ولا بعد .

[ ص: 138 ] 8278 - وفيه أن ستر ذوي المحارم عند الاغتسال مباح حسن .

8279 - وفيه جواز السلام على من يغتسل ، وفي حكم ذلك السلام على من يتوضأ ، ورد المتوضئ والمغتسل السلام في ذلك كرده لو لم تكن ذلك حالته ، وقد قال الله - عز وجل - : " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " [ النساء : 86 ] ولم يخص حالا من حال . إلا حالا لا يجوز فيه الكلام .

8280 - وقد احتج بهذا الحديث من رد شهادة الأعمى وقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يميز صوت أم هانئ مع علمه بها حتى قال لها : من هذه ؟ فقالت : أنا أم هانئ ، فلم يعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوتها ; لأنه لم يرها وكل من لا يرى فذلك أحرى .

8281 - وفيه ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأخلاق الجميلة الحسنة ، وصلة الرحم ، وطيب الكلام . ألا ترى إلى قوله عليه السلام " مرحبا بأم هانئ " ويروى : مرحبا يا أم هانئ . والرحب والتسهيل ما يستدل به على فرح المزور بالزائر ، وفرح المقصود إليه بالقاصد .

8282 - وهذا معلوم عند العرب ، قال شاعرهم :

فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا فهذا مبيت صالح وصديق



8283 - وهذا البيت من أبيات حسان لعمرو بن الأهتم ، وهو الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سمعه مدح الزبرقان بن بدر ، ثم ذمه لم يتناقض في قوله : " إن من [ ص: 139 ] البيان لسحرا .

[ ص: 140 ] 8284 - وقد ذكرت الشعر في كتاب " بهجة المجالس " ومثل هذا كثير في أشعارهم وأخبارهم . وقد تقدم القول في صلاة الثماني ركعات .

8285 - وأما قولها : زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجل أجرته فلان بن هبيرة ، ففيه : ما كانوا عليه من تسمية كل شقيق بابن أم ، دون ابن أب عند الدعاء لهم .

8286 - والخبر عنهم بذلك يدلك على قرب المحل من القلب ، والمنزلة من النفس ; إذ جميعهم بطن واحد ، ونحو هذا .

8287 - وبهذا نطق القرآن على لغتهم ، قال الله - عز وجل - حاكيا عن هارون بن عمران أخي موسى بن عمران : " ياابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي " [ طه : 94 ] و " ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " [ الأعراف : 150 ] وهما لأب وأم .

8288 - وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، ففيه دليل على جواز أمان المرأة ، وأنها إذا أمنت من أمنت حرم قتله وحقن دمه ، وأنها لا فرق بينها في ذلك وبين الرجل ، وإن لم يكن تقاتل .

8289 - وعلى هذا مذهب جمهور الفقهاء بالحجاز والعراق : مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبي ثور ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وداود ، وغيرهم .

8290 - وقال عبد الملك بن الماجشون : أمان المرأة موقوف على جواز الإمام ، [ ص: 141 ] فإن أجازه جاز ، وإن رده رد ; لأنها ليست ممن يقاتل ولا ممن لها سهم في الغنيمة .

8291 - واحتج من ذهب هذا المذهب ، بأن أمان أم هانئ لو كان جائزا على كل حال دون إذن الإمام ، ما كان علي ليريد قتل من لا يجوز قتله ; لأمان من يجوز أمانه . فلو كان أمانها جائزا لقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أمنته أنت أو غيرك ، فلا يحل قتله ، فلما قال لها : قد أمنا من أمنت وأجرنا من أجرت ، كان ذلك دليلا على أن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام أو رده .

8292 - واحتج الآخرون ، وهم الأكثرون من العلماء ، بأن عليا وغيره لم يكن يعلم إلا ما علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من علم دينه . ألا ترى إلى قول ابن عمر : بعث إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن لا نعلم شيئا ، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل .

8293 - ويحتمل قوله عليه السلام : قد أجرنا من أجرت ، أي في حكمنا وسنتنا إجارة من أجرته أنت ومثلك ، ولم يحتج إلى قوله لها : أو مثلك من النساء ; لأنه كان على خلق عظيم ، وأراد تطييب نفسها بإسعافها في رغبتها ، وإن كانت قد صادفت حكم الله في ذلك .

8294 - والدليل على صحة هذا التأويل ، قوله - صلى الله عليه وسلم - " المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، ويرد عليهم أقصاهم ، وهم يد على من سواهم .

8295 - ومعنى قوله : " تتكافأ دماؤهم " : يريد أن شريفهم يقتل بوضيعهم إذا شملهم الإسلام ، وجمعهم الإيمان والحرية .

[ ص: 142 ] 8296 - وفي ذلك دليل على أن الكفار لا تتكافأ دماؤهم ; لقوله : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " ، وهذا موضع اختلف فيه العلماء . ليس هذا موضع ذكره .

8297 - ومعنى قوله : " يسعى بذمتهم أدناهم " أن كل مسلم أمن من الحربيين أحدا جاز أمانه دنيئا كان أو شريفا ، رجلا كان أو امرأة ، عبدا كان أو حرا ، وفي هذا حجة على من لم يجز أمان المرأة وأمان العبد .

8298 - ومعنى قوله : " ويرد عليهم أقصاهم " يريد السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت ، أبعدت في خروجها في ذلك ، ولم تبعد ترد ما غنمت عليها وعلى العسكر الذي خرجت منه ; لأن به وصلت إلى ما وصلت إليه . 8299 - ومعنى قوله : " وهم يد على من سواهم " أن أهل الحرب إذا نزلوا بمدينة أو قرية من قرى المسلمين ، فواجب على جماعة المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار ; حتى ينصرفوا عنهم ، إلا أن يعلموا أن بهم قوة على مدافعتهم ، فيكون حينئذ مدافعتهم ندبا وفضلا لا واجب فرض .

8300 - ومما يدل على صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء في جواز أمان المرأة مع قوله عليه السلام : " ويسعى بذمتهم أدناهم " قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم هانئ هذا من رواية الحميدي ، عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي مرة ، عن أم هانئ . . . . . وقد ذكرناه في هذا الباب . وفيه : فقلت يا رسول الله : إني أجرت حموين لي ، وإن ابن أمي عليا أراد قتلهما ، فقال رسول الله : ليس ذلك له ، قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت . وفي قوله في هذا الحديث : ليس ذلك له [ ص: 143 ] دليل على صحة ما قلنا . وبالله التوفيق .

8301 - ويدل على ذلك أيضا ما رواه إبراهيم النخعي ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز .

8302 - وحديث عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ذمة المسلمين واحدة وإن جارت عليهم جارية فلا تخفروها ، فإن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة .

8303 - وقد ذكرنا إسناد هذين الحديثين في التمهيد .

8304 - وروى الوليد بن رباح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يجير على المسلمين أدناهم " .

8305 - وقد ذكرنا إسناده أيضا في التمهيد .

8306 - وروى مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة " الحديث .

[ ص: 144 ] 8307 - وأما اختلاف العلماء في أمان العبد ، فقال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود : أمانه جائز قاتل أو لم يقاتل .

8308 - وهو قول محمد بن الحسن .

8309 - وقال أبو حنيفة : أمانه غير جائز إلا أن يقاتل .

8310 - وهو قول أبي يوسف .

8311 - وروي عن عمر معناه .

8312 - والحجة فيما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما أوردنا في هذا الباب . والحمد لله .

8313 - وأما قول أم هانئ في الحديث : " وذلك ضحى " ففيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الضحى . وليس في قول عائشة في هذا الباب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث