الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما أثر عن عمر في الوضوء بالماء لما تحت إزاره

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1382 - قال يحيى : سئل مالك عن رجل توضأ فنسي فغسل وجهه قبل أن يتمضمض ، أو غسل ذراعيه قبل أن يغسل وجهه ، فقال : أما الذي غسل وجهه قبل أن يتمضمض فليمضمض ولا يعد غسل وجهه . وأما الذي غسل ذراعيه قبل وجهه فليغسل وجهه ، ثم ليعد غسل ذراعيه حتى يكون غسلهما بعد وجهه ، إذا كان ذلك في مكانه ، أو بحضرة ذلك .

التالي السابق


1383 - قوله هذا يدل على أن الترتيب عنده لا يراعى في المسنون مع المفروض ، وإنما يراعى في المفروض من الوضوء ، إلا أن مراعاته لذلك ما دام في مكانه ، فإن بعد شيئا استأنف الوضوء ، ولو صلى لم يعد صلاته .

1384 - وكذلك ذكر ابن عبد الحكم ، وابن القاسم ، وسائر أصحابه عنه إلا علي بن زياد ، فإنه حكى عن مالك أنه قال : من نكس وضوءه يعيد الوضوء والصلاة ، ثم رجع فقال لا إعادة عليه في الصلاة .

1385 - وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم : من نكس من مفروض وضوئه شيئا أصلح وضوءه بالحضرة ، فأخر ما قدم ، وغسل ما بعده . وإن كان قد تطاول غسل ما نسي وحده .

[ ص: 57 ] 1386 - قال ابن حبيب : لا يعجبني ذلك ، لأنه إذا فعل ذلك فقد أخر من الوضوء ما ينبغي أن يقدم . والصواب غسل ما بعده إلى تمام الوضوء ، قال : وكذلك قال لي ابن الماجشون ، ومطرف .

1387 - وجملة قول مالك في هذه المسألة أنه يستحب لمن نكس وضوءه ولم يصل أن يستأنف الوضوء على نسق الآية ثم يصلي ، فإن صلى ثم ذكر ذلك لم نأمره بإعادة الصلاة ، لكنه يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل ولا يرى ذلك واجبا عليه .

1388 - وقال المتأخرون من المالكيين : ترتيب الوضوء عند مالك سنة لا ينبغي تركها ، ولا يفسدون صلاة من صلى بوضوء منكوس .

1389 - وبمثل قول مالك قال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، والمزني صاحب الشافعي ، وداود بن علي ، كلهم يقولون : من غسل ذراعيه أو رجليه قبل أن يغسل وجهه ، أو قدم غسل رجليه قبل غسل يديه ، أو مسح رأسه قبل غسل وجهه عامدا أو غير عامد فذلك يجزيه إذا أراد بذلك الوضوء الصلاة .

1390 - وحجتهم أن الواو لا توجب التعقيب ولا تعطي رتبة عند جماعة البصريين من النحويين . وقالوا في قول العرب : أعط زيدا [ ص: 58 ] وعمرا دينارا دينارا : إن ذلك إنما يوجب الجمع بينهما في العطاء ، ولا يوجب تقدمة زيد على عمرو في العطاء . قالوا : فقوله تعالى : " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " [ المائدة : 6 ] إنما يوجب ذلك الجمع بين الأعضاء المذكورة في الغسل ولا يوجب النسق .

1391 - وقد قال الله تعالى : " وأتموا الحج والعمرة لله " [ البقرة : 196 ] فبدأ بالحج قبل العمرة ، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل أن يحج .

1392 - وكذلك قوله تعالى : " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " [ البقرة : 43 ] .

1393 - وجائز لمن وجب عليه إخراج زكاته في حين صلاة أن يبدأ بإخراج الزكاة ثم يصلي الصلاة في وقتها عند الجميع .

1394 - وكذلك قوله تعالى : " فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله " [ النساء : 92 ] .

1395 - لا يختلف العلماء أنه جائز لمن وجب عليه في قتل الخطأ إخراج الدية وتحرير الرقبة أن يخرج الدية ويسلمها قبل أن يحرر الرقبة . وهذا منسوق بالواو ، وهذا كثير في القرآن .

1396 - فدل ذلك أن الواو لا توجب رتبة ، قالوا ولسنا ننكر - إذا صحب الواو بيان يوجب التقدمة - أن ذلك كله لموضع البيان ، كما ورد البيان بالإجماع في قوله : " اركعوا واسجدوا " [ الحج : 77 ] ، وقوله عليه السلام في الصفا والمروة : " نبدأ بما بدأ الله به " .

1397 - وإنما قلنا : إن حق الواو في اللغة التسوية لا غير حتى يأتي البيان بغير ذلك فنحفظه .

[ ص: 59 ] 1398 - قالوا : ولو كانت الواو توجب الرتبة ما احتاج النبي - عليه السلام - أن يبين الابتداء بالصفا ، وإنما بين ذلك إعلاما لمراد الله من الواو بذلك الموضع .

1399 - ولم يختلف في أنه ينبغي أن يبدأ بما بدأ الله به ، وإنما التنازع فيمن لم يفعل ما دل عليه .

1400 - وقد روي عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود أنهما قالا : " لا نبالي بأي أعضائنا بدأنا في الوضوء إذا أتممت وضوئي " ، وهم أهل اللسان ولم يبن لهم من الآية إلا معنى الجمع لا معنى الترتيب .

1401 - وقد قال الله تعالى : " يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " [ آل عمران : 43 ] .

[ ص: 60 ] 1402 - ومعلوم أن السجود بعد الركوع ، وإنما أراد الجمع لا الرتبة ، وليس وضوءه - عليه السلام - على نسق الآية أبدا - بيانا لمراد الله من آية الوضوء كبيانه لركعات الصلوات لأن آية الوضوء بينة مستغنية عن البيان ، والصلوات مجملة مفتقرة إليه .

1403 - هذه جملة ما احتج به كثير من القائلين بقول مالك والكوفيين في مسألة تنكيس الوضوء .

: 1404 - وقال الشافعي وسائر أصحابه إلا المزني ، وأحمد بن حنبل ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور - كلهم يقول : من نكس وضوءه عامدا أو ناسيا لم يجزئه ، ولا تجزئه صلاة حتى يكون وضوءه على نسق الآية .

1405 - وإلى هذا ذهب أبو مصعب صاحب مالك ، وذكره عن أهل المدينة ، ومعلوم أن مالكا منهم وإمام فيهم .

[ ص: 61 ] 1406 - قال أبو مصعب : من قدم في الوضوء يديه على وجهه ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء .

1407 - واحتج القائلون بهذا القول من الشافعيين وغيرهم بأن قالوا : الواو توجب الرتبة والجمع جميعا ، وذكروا ذلك عن الكسائي ، والفراء ، وهشام بن معاوية .

1408 - قالوا : وذلك زيادة في فائدة الخطاب في قول القائل أعط زيدا وعمرا .

1409 - قالوا : ولو كانت الواو توجب الرتبة أحيانا كما قال : " اركعوا واسجدوا " ، ولا توجبها أحيانا كما قال : " واسجدي واركعي " لكان في فعل رسول الله بيان لمراد الله تعالى من ذلك ؛ لأنه لم يتوضأ قط منذ افترض الله عليه الوضوء للصلاة إلا على نسق الآية . فصار ذلك فرضا ، كما كان بيانه لعدد ركعات الصلوات ومقادير الزكوات فرضا .

1410 - وضعفوا الحديث المذكور عن علي ، وابن مسعود ، وقالوا : هذا [ ص: 62 ] منقطع لا يصح ، لأن حديث علي انفرد به عبد الله بن عمرو الجملي ، ولم يسمع من علي .

1411 - وحديث ابن مسعود إنما يرويه مجاهد عن ابن مسعود ، ومجاهد لم يسمع من ابن مسعود . والمنقطع من الحديث لا تجب به حجة .

1412 - قالوا : على أن حديث ابن مسعود ليس فيه من صحيح النقل إلا قوله : " ما أبالي باليمنى بدأت أو باليسرى " ، وهذا ما لا تنازع فيه إلا ما في الابتداء باليمنى من الاستحباب رجاء البركة ، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيامن في أمره كله .

1413 - قالوا : وقد روي عن علي أنه قال : " أنتم تقرون الوصية قبل الدين وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الدين قبل الوصية " وهو مشهور ثابت عن علي .

1414 - قالوا : فهذا علي قد أوجبت عنده ( أو ) التي هي في أكثر [ ص: 63 ] أحوالها بمعنى الواو - القبل والبعد فالواو عنده أحرى بهذا .

1415 - وقد قال ابن عباس : ما ندمت على شيء لم أكن عملت به ما ندمت على المشي إلى بيت الله ألا أكون مشيت ؛ لأني سمعت الله تعالى يقول : " يأتوك رجالا وعلى كل ضامر " [ الحج : 27 ] قيد أبا لرجال .

1416 - فهذا ابن عباس قد صرح بأن الواو توجب عنده القبل ، والبعد ، والترتيب .

1417 - وعن عون بن عبد الله في قوله تعالى : " ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " [ الكهف : 49 ] .

1418 - قال : ضج والله القوم من الصغائر قبل الكبائر ، فهذا أيضا مثل ما تقدم عن ابن عباس .

1419 - وقد ذكرنا الخبرين عنهما بأسانيدهما في التمهيد .

1420 - قالوا : وحروف العطف كلها قد أجمعوا على أنها توجب الرتبة إلا الواو ، فإنهم اختلفوا فيها ، فالواجب أن يكون حكمها حكم أخواتها من حروف العطف .

[ ص: 64 ] 1421 - وأما قوله تعالى : " يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " فجائز أن تكون عبادتها في شريعتها السجود قبل الركوع .

1422 - وإن صح أن ذلك ليس كذلك فالوجه فيه أن الله تعالى أمرها بالقنوت وهو الطاعة ، ثم السجود وهو الصلاة بعينها ، كما قال تعالى : " وأدبار السجود " [ ق : 40 ] يريد أدبار الصلوات .

1423 - ثم قال : " واركعي مع الراكعين " [ آل عمران : 43 ] أي : اشكري مع الشاكرين .

1424 - ومنه قوله تعالى : " وخر راكعا وأناب " [ ص : 24 ] أي : سجد شكرا لله .

1425 - وكذلك قال ابن عباس : إنها سجدة شكر .

1426 - قالوا : وقد قال الله تعالى : " اركعوا واسجدوا " [ الحج : 77 ] فأجمعوا أن السجود بعد الركوع .

1427 - واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام : نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا ، وقال : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " [ البقرة : 158 ] .

1428 - قالوا : ومن الدليل على الترتيب في أعضاء الوضوء دخول المسح بين الغسلين ، لأنه لو قدم ذكر الرجلين وأخر المسح لما فهم المراد من تقديم المسح ، فأدخل المسح بين الغسلين ليعلم أنه قدم على الرجلين ليثبت ترتيب الرأس قبل [ ص: 65 ] الرجلين . ولولا ذلك لقال : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين ، وامسحوا برءوسكم ، ولما احتاج أن يأتي بلفظ ملتبس محتاج إلى التأويل لولا فائدة الترتيب في ذلك .

1429 - ألا ترى أن تقديم الرأس ليس من جعل الرجلين ممسوحتين فالفائدة وجوب الترتيب . ولهذا وردت الآية بدخول المسح بين الغسلين والله أعلم .

1430 - قالوا : وليس الصلاة والزكاة في التقدمة من هذا الباب في شيء ، لأنهما فرضان مختلفان أحدهما في بدن ، والآخر في بدن وقد يجب أحدهما على من لا يجب عليه الآخر . وكذلك الدية والرقبة : شيئان لا يحتاج فيهما إلى الرتبة .

1431 - وأما الطهارة ففرض واحد مرتبط بعضه ببعض كالركوع والسجود وكالصفا والمروة اللذين أمرنا فيهما بالترتيب .

1432 - قالوا : والفرق بين جمع زيد وعمرو في العطاء وبين أعضاء الوضوء أنه ممكن أن يجمع بين زيد وعمرو في عطية ، وليس ذلك ممكنا في أعضاء الوضوء إلا على الرتبة . فالواجب ألا يقدم بعضها على بعض ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك قط ، ولو جاز لفعله ؛ لأنه كان إذا خير بين أمرين أتاهما ، وربما اختار أيسرهما . فلما لم يفعل ذلك دل على أن الرتبة في الوضوء كهي في الركوع والسجود المجتمع عليهما ، والله أعلم .

[ ص: 66 ] 1433 - ورجحوا قولهم بالاحتياط الواجب في أداء الفرائض . قالوا : لأن من توضأ على النسق وصلى كانت صلاته تامة بإجماع .

1434 - هذا جملة ما احتج به أصحاب الشافعي لهذه المسألة ، ولهم إدخالات واعتراضات ، وعليهم مثلها يطول الكتاب بذكرها ولا معنى للإتيان بها ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث