الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله - تعالى : " ولا يؤكل ما قتله الرمي إلا ما خرق بدقته أو قطع بحده فأما ما جرح بثقله فهو وقيذة " .

قال الماوردي : أما الذكاة في اللغة ، ففيها ثلاثة أوجه :

أحدها : أنها التطيب من قولهم : مسك ذكي إذا كان طيب الرائحة ، لكنها في الشرع تطييب الذبيحة بالإباحة .

والوجه الثاني : أنها القطع لكنها في الشرع قطع على صفة مبيحة ، فصارت في الشرع قطعا خاصا ، وفي اللغة قطعا عاما .

والوجه الثالث : وإليه أشار الشافعي ، أن الذكاة القتل : لأنها لا تستعمل إلا في النفوس ، لكنها في الشرع قتل في محل مخصوص ، فصارت أخص منها في اللغة .

قال الشافعي : وجميع ما قال الله تعالى : إلا ما ذكيتم [ المائدة : 3 ] : إلا ما قتلتم ، ولكن كان مجوزا أن يكون ببعض القتل دون بعض ، فلما قال : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة [ البقرة : 67 ] دل على أن الذكاة المأمور بها الذبح دون غيره ، وكان النحر في معنى الذبح .

فإذا تقرر هذا ، فالذكاة على ضربين في مقدور عليه ، وممتنع .

فإن كانت في مقدور عليه لم تكن إلا ذبحا في الحلق أو نحرا في اللبة بما يقطع بحده دون ما يخرق بدقه ، وسواء كان بحديد أو بغيره من المحدد إذا مار في اللحم مور الحديد من ليط القصب ، وما حدد من الزجاج ، والحجر ، والخشب : لأن المقصود منها ما قطع بحد : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم وفرى الأوداج فكل .

[ ص: 50 ] وروي أن عدي بن حاتم سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا نجد الصيد ولا نجد ما نذكي به إلا الظرار وشقة العصا ، فقال رسول - صلى الله عليه وسلم - : أمر الدم بما شئت .

قال أبو عبيد : الظرار حجارة محددة .

وقوله : أمر الدم بما شئت أي سله بما شئت .

فأما ما قطع من ذلك بشدة اعتماد المذكي ، وقوة ثقله ، فلا يؤكل ومثله الحديد لو كان كالا لا يقطع بحده ، ويقطع بشدة الاعتماد ، وقوة الذابح لم يؤكل لأنه يصير المنهر للدم هو الذابح دون الآلة .

وأما الممتنع فكل موضع من جسده محل لذكاته مما قطع بحده كالسيف ، والسكين أو خرق ، وثقب بدقته كالسهم والحربة ، فمار في اللحم ، ودخل ، سواء كان حديدا أو ما قام مقامه من القصب ، والخشب ، والمحدد ، والحجارة المحددة .

فأما ما قطع بثقله أو بقوة الرامي كالخشب الأصم ، والحجر الصلد ، فإنه وقيذ لا يؤكل لقول الله تعالى : والموقوذة والمتردية [ المائدة : 13 ] والموقوذة : هي المقتولة ضربا ، والمتردية : هي الواقعة من شاهق .

وروى عامر الشعبي عن عدي بن حاتم ، قال سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيد المعراض ، فقال : ما أصاب بحده فكل ، وما أصاب بعرضه ، فهو وقيذ .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الجلاهق وهو قوس البندق : لأنه يقتل الصيد بقوة راميه ، وليس يقتله بحده كالسهام ، فأباح السهم ، ونهى عن البندق .

فإن قيل : فقد روى الأعمش عن إبراهيم ، عن عدي بن حاتم أنه قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البندق ، فقال : إن خرقت فكل ، وإن لم تخرق فلا تأكل .

قيل : هذا الحديث ليس بثابت ، ولا أصل له ، فإن سفيان قال : سألت الأعمش عن حديث البندق يعني هذا الحديث المروي عنه أنه ليس من حديثك ، فقال كيف أصنع بهؤلاء أصحاب الحديث يقرءون من أصل ما ليس فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث