الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فرع

إذا وجد مفتيين فأكثر هل يلزمه أن يجتهد فيسأل أعلمهم ؟ وجهان ، قال ابن سريج : نعم ، واختاره ابن كج والقفال ؛ لأنه يسهل عليه ، وأصحهما عند الجمهور أنه يتخير ، فيسأل من شاء ؛ لأن الأولين كانوا يسألون علماء الصحابة - رضي الله عنهم - مع تفاوتهم في العلم والفضل ، ويعملون بقول من سألوه من غير إنكار ، قال الغزالي : فإن اعتقد أن أحدهم أعلم ، لم يجز أن يقلد غيره ، وإن كان لا يلزمه البحث عن الأعلم إذا لم يعتقد اختصاص أحدهم بزيادة علم .

قلت : هذا الذي قاله الغزالي قد قاله غيره أيضا وهو وإن كان ظاهرا ، ففيه نظر لما ذكرنا من سؤال آحاد الصحابة - رضي الله عنهم - مع وجود أفاضلهم الذين فضلهم متواتر ، وقد يمنع هذا . وعلى الجملة : المختار ما ذكره الغزالي . فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين ، وأعلم الورعين ، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح . والله أعلم .

فرع

وإذا استفتى وأجيب ، فحدثت له تلك الحادثة ثانيا ، فإن عرف استناد الجواب إلى نص أو إجماع ، فلا حاجة إلى السؤال ثانيا ، وكذا لو كان المقلد ميتا وجوزناه ، وإن عرف استناده إلى الرأي والقياس [ ص: 105 ] أو شك والمقلد حي ، فوجهان ، أحدهما : لا يحتاج إلى السؤال ثانيا ؛ لأن الظاهر استمراره على جوابه ، وأصحهما : يلزمه السؤال ثانيا .

فرع

لو اختلف عليه جواب مفتيين ، فإن أوجبنا البحث وتقليد الأعلم اعتمده ، وإلا فأوجه ، أصحها : يتخير ، ويأخذ بقول أيهما شاء ، والثاني : يأخذ بأغلظ الجوابين ، والثالث : بأخفهما ، والرابع : بقول من يبني قوله على الأثر دون الرأي ، والخامس : بقول من سأله أولا .

قلت : وحكي وجه سادس أنه يسأل ثالثا ، فيأخذ بفتوى من وافقه . وهذا الذي صححه من التخيير هو الذي صححه الجمهور ، ونقله المحاملي في أول " المجموع " عن أكثر أصحابنا لأن فرضه أن يقلد عالما وقد حصل . والله أعلم .

ونقل الروياني وجهين في أن من سأل مفتيا ولم تسكن نفسه إلى فتواه هل يلزمه أن يسأل ثانيا وثالثا لتسكن نفسه ، أم له الاقتصار على جواب الأول والقياس في وجه الثاني .

الجملة الثالثة فيما يتعلق بهما ، فيجوز للمستفتي أن يسأل بنفسه ، ويجوز أن يكتفي برسول ثقة يبعثه ، وبالرقعة ، ويكفي ترجمان واحد إذا لم يعرف لغته .

قلت : له اعتماد خط المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه ، أو كان يعرف خطه ولم يشك فيه . والله أعلم .

[ ص: 106 ] ومن آداب المستفتي أن لا يسأل المفتي وهو قائم أو مشغول بما يمنعه من تمام الفكر ، وأن لا يقول إذا أجابه : هكذا قلت أنا ، وأن لا يطالب بالدليل ، فإن أراد معرفته ، سأل عنه في وقت آخر . وإذا سأل في رقعة ، فليكن كاتبها حاذقا ، ليبين مواضع السؤال ، وينقط مواضع الاشتباه ، وليتأمل المفتي الرقعة كلمة كلمة ، وليكن اعتناؤه بآخر الكلام أشد ؛ لأنه موضع السؤال ، وليتثبت في الجواب وإن كانت المسألة واضحة ، وأن يشاور من في مجلسه ممن يصلح لذلك إلا أن يكون فيها ما لا يحسن إظهاره .

وله أن ينقط من الرقعة مواضع الإشكال ، وأن يصلح ما فيها من خطأ ولحن فاحش ، وإذا رأى في آخر بعض السطور بياضا ، شغله بخطه ، لئلا يلحق فيه بعد جوابه شيء ، وليبين المفتي بخطه ، وليكن قلمه بين قلمين . ولو كتب مع الجواب حجة من آية أو حديث فلا بأس ، ولا يعتاد ذكر القياس ، وطرق الاجتهاد .

فإن تعلقت الفتوى بقاض ، فحسن أن يومئ إلى الطريق للاجتهاد ، وإذا رأى في الفتوى جواب من لا يصلح للفتوى ، لم يفت معه . قال الصيمري : وله أن يضرب عليه بإذن صاحب الرقعة وبغير إذنه ، ولا يحبسها إلا بإذنه ، واستحبوا أن يكون السؤال بخط غير المفتي .

فرع

متى تغير اجتهاد المجتهد ، دار المقلد معه ، وعمل في المستقبل بقوله الثاني ، ولا ينقض ما مضى ، ولو نكح المجتهد امرأة ، ثم خالعها ثلاثا ؛ لأنه رأى الخلع فسخا ، ثم تغير اجتهاده قال الغزالي : يلزمه مفارقتها ، وأبدى ترددا فيما لو فعل المقلد مثل ذلك ، ثم تغير اجتهاد مقلده ، قال : والصحيح أن الجواب كذلك ، كما لو تغير اجتهاد المقلد في الصلاة ، فإنه يتحول . ولو قال مجتهد للمقلد والصورة هذه : [ ص: 107 ] أخطأ بك من قلدته ، فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني ، أو استويا ، فلا أثر لقوله ، وإن كان الثاني أعلم ، فالقياس أنا إن أوجبنا تقليد الأعلم ، فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده ، وإلا فلا أثر له .

قلت : هذا الذي زعم الإمام الرافعي - رحمه الله - أنه القياس ليس بشيء ، بل الوجه الجزم بأنه لا يلزمه شيء ، ولا أثر لقول الثاني ، وهذا كله إذا كانت المسألة اجتهادية ، وقد لخص الصيمري ، والخطيب البغدادي وغيرهما من أصحابنا هذه المسألة بتفصيل حسن ، فقالوا : إذا أفتى ، ثم رجع ، فإن علم المستفتي رجوعه ولم يكن عمل بالأول لم يجز له العمل به ، وكذا إذا نكح بفتواه ، أو استمر على نكاح بفتواه ، ثم رجع ، لزمه فراقها ، كنظيره في القبلة .

وإن كان عمل به قبل الرجوع ، فإن كان مخالفا لدليل قاطع ، لزم المستفتي نقض عمله ، وإن كان في محل الاجتهاد فلا ؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ، ولا يعمل خلاف هذا لأصحابنا ، وما ذكره صاحبا المستصفى و " المحصول " ، فليس فيه تصريح بمخالفة هذا . قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح - رحمه الله - : وإن كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين ، فرجع لكونه تيقن مخالفة نص إمامه ، وجب نقضه ، وإن كان اجتهاديا ؛ لأن نص إمامه في حقه كنص الشارع في حق المستقل ، وأما إذا لم يعلم المستفتي برجوعه . فكأنه لم يرجع في حقه ، ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل ، وكذا بعده حيث يجب النقض ، وإذا عمل بفتواه في إتلاف ، ثم بان أنه أخطأ ، وخالف القاطع ، فقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : إن كان أهلا للفتوى ضمن ، وإلا فلا ؛ لأن المستفتي مقصر ، وهذا الذي قاله فيه نظر ، وينبغي أن يخرج على [ ص: 108 ] قولي الغرور أو يقطع بعدم الضمان مطلقا إذا لم يوجد منه الإتلاف ، ولا ألجأ إليه بإلزام . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث