الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فرع

لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون ، وإذا دونت المذاهب ، فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب ؟ إن قلنا : يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم ، وغلب على ظنه أن الثاني أعلم ينبغي أن يجوز ، بل يجب وإن خيرناه ، فينبغي أن يجوز أيضا ، كما لو قلد في القبلة هذا أياما ، وهذا أياما .

ولو قلد مجتهدا في مسائل ، وآخر في مسائل أخرى ، واستوى المجتهدان عنده أو خيرناه ، فالذي يقتضيه فعل الأولين الجواز ، وكما أن الأعمى إذا قلنا : لا يجتهد في الأواني والثياب له أن يقلد في الثياب واحدا ، وفي الأواني آخر ، لكن الأصوليون منعوا منه لمصلحة . وحكى الحناطي وغيره عن أبي إسحاق فيما إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون عليه أن يفسق به ، وعن ابن أبي هريرة أنه لا يفسق ، وبالله التوفيق .

قلت : قد استقصى الإمام الرافعي - رحمه الله - هذا الباب ، فاستوعب وأجاد ، وقد استوعبت أنا هذا الباب في أول شرح " المهذب " وجمعت فيه من مجموعات كلام الأئمة ومتفرقاتها هذا المذكور هنا مع مثله أو أمثاله ، وأنا أذكر منه هنا نبذا أشير إليها ، ولا ألتزم ترتيبه .

فيستحب للمعلم والمفتي الرفق بالمتعلم والمستفتي ، ليتمكن من الفهم عنه ، وقد استوعبت آداب العالم والمعلم في أول شرح " المهذب " وذكرت فيه ما لا ينبغي لطالب علم أن يخفى عليه شيء منه ، قال الخطيب الحافظ أبو بكر البغدادي : ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال المفتين ، فمن صلح لها ، أقره ، ومن لم يصلح ، منعه ، وأمره أن لا يعود ، ويواعده على [ ص: 109 ] العود ، وطريقه في ذلك أن يسأل العلماء المشهورين من أهل عصره عن حاله ، ويعتمد خبرهم ، وينبغي أن يكون المفتي مع شروطه السابقة متنزها عن خوارم المروءة ، فقيه النفس ، سليم الذهن ، رصين الفكر ، حسن التصرف والاستنباط ، وسواء الحر والعبد ، والمرأة والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته .

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - : وينبغي أن يكون المفتي كالراوي في أنه لا تؤثر فيه القرابة والعداوة ، وجر النفع ، ودفع الضر ؛ لأنه في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص ، فكان كالراوي لا كالشاهد وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف حكم القاضي . قال : ووجدت عن صاحب " الحاوي " إن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا ، صار خصما معاندا ، ترد فتواه على من عاداه ، كما ترد شهادته . قال الصيمري : ويقبل فتاوى أهل الأهواء والخوارج ، ومن لا يكفر ببدعته ولا بفسقه ، وذكر الخطيب هذا ثم قال : وأما الشراة وهم بضم الشين المعجمة ، والرافضة الذين يسبون السلف ، ففتاويهم مردودة ، وأقاويلهم ساقطة .

ومن كان من أهل الفتوى وهو قاض ، فهو كغيره ، فلا يكره له الفتوى هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور ، وقيل : له أن يفتي في العبادات وغيرها ، مما لا يتعلق بالأحكام ، وفي الأحكام وجهان . وقال ابن المنذر : يكره فتواه في الأحكام دون غيرها ، وهل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصح به المسائل الحسابية الفقهية ؟ وجهان ، حكاهما الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، وصاحبه أبو منصور البغدادي .

ويشترط في المفتي المنتسب إلى مذهب إمام كما سبق أن يكون فقيه النفس ، حافظا مذهب إمامه ، ذا خبرة بقواعده ، وأساليبه ونصوصه ، وقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك ، ولو وقعت له واقعة لزمه أن [ ص: 110 ] يستفتي فيها . ويلتحق به المتصرف البحاث في الفقه من أئمة الخلاف وفحول المناظرين ؛ لأنه ليس أهلا لإدراك حكم الواقعة استقلالا ، لقصور آلته ، ولا من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر .

وإذا استفتى العامي عما لم يقع ، لم يجب جوابه ولا يجوز للمفتي أن يتساهل في فتواه ، ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى ، وتساهله قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالجواب قبل استيفاء الفكر والنظر ، فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه ، فلا بأس بالإسراع ، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من المسارعة ، وقد يكون تساهله بأن تحمله أغراض فاسدة على تتبع الحيل المحرمة المكروهة ، والتمسك بالشبهة طلبا للترخيص على من يروم نفعه ، أو التغليظ على من يروم ضره ، ومن فعل هذا فلا وثوق به .

وأما إذا صح قصده ، فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها ، ولا تجر إلى مفسدة ، ليخلص بها المستفتي من وريطة يمين ونحوها ، فذلك حسن ، وعله يحمل [ ما جاء ] عن بعض السلف من هذا .

وينبغي أن لا يفتي في كل حال تغير خلقه وتشغل قلبه وتمنعه التثبت والتأمل ؛ كحالة الغضب أو الجوع أو العطش والحزن والفرح الغالب ، والنعاس ، والملالة ، والمرض المقلق ، والحر المزعج ، ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك ، ومتى أحس بشغل قلبه وخروجه عن الاعتدال ، لم يفت ، فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال وهو يعتقد أن ذلك لم يمنعه من إدراك الصواب ، صحت فتواه ، وإن كان مخاطرا . والأولى للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك ، ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال إلا إذا تعين عليه وله كفاية ، فالصحيح أنه لا يجوز . ثم إن كان له رزق لا يجوز له أخذ أجرة ، وإن لم يكن له رزق ، لم يجز له أخذ أجرة [ ص: 111 ] من أعيان المستفتين كالحاكم . واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني في حيلة ، فقال : يقول للمستفتي : يلزمني أن أفتيك قولا ، ولا يلزمني أن أكتب لك ، فإن استأجره على الكتابة جاز ، وهذا الذي ذكره وإن كان مكروها ، فينبغي أن لا يأخذ من الأجرة إلا قدر أجرة كتابة ذلك القدر ولو لم يكن فتوى ، لئلا يكون آخذا زيادة بسبب الإفتاء . قال الصيمري والخطيب وغيرهما : ولو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقا من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم ، جاز .

وأما الهدية ، فقال أبو المظفر السمعاني من أصحابنا : ويجوز له قبولها بخلاف الحاكم ؛ لأنه يلزمه حكمه قال الشيخ أبو عمرو : وينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد ، كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بالأعواض .

قال الخطيب : وعلى الإمام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم أو للفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب ، ولا يجوز أن يفتي فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإقرار والوصايا ونحوها ، إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ أو نازلا منزلتهم في الخبرة بمرادهم في العادة ، وليس للمفتي والعامل على مذهب الإمام الشافعي في المسألة ذات الوجهين أو القولين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر ، وهذا لا خلاف فيه ، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما إن علمه ، وإلا فبالذي رجحه الشافعي ، فإن لم يكن رجح أحدهما . ولا علم السابق ، لزمه البحث عن أرجحهما ، فيعمل به ، فإن كان أهلا للترجيح ، اشتغل به متعرفا ذلك من نصوص الشافعي ومآخذه وقواعده ، وإلا فلينقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة ، فإن لم يحصل له ترجيح بطريق ، توقف .

وأما الوجهان فيتعرف أرجحهما بما سبق إلا أنه لا اعتبار بالتأخر إلا إذا وقعا من شخص واحد ، وإذا كان أحدهما منصوصا للشافعي ، والآخر مخرجا ، فالمنصوص هو [ ص: 112 ] الراجح المعمول به غالبا ، كما إذا رجح الشافعي في أحد القولين ، بل هذا أولى .

ولو وجد من ليس أهلا للترجيح خلافا للأصحاب في الأرجح من القولين أو الوجهين ، فليعتمد ما صححه الأكثر ، والأعلم والأورع ، فإن تعارض أعلم وأورع ، قدم الأعلم ، فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح ، اعتبر صفات الناقلين للقولين ، والقائلين للوجهين فما رواه البويطي والمزني والربيع المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة ، كذا نقله الخطابي من أصحابنا عن أصحابنا ، إلا أنه لم يذكر البويطي ، وزدته أنا لكونه أجل من الربيع ، وأقدم من المزني ، وأخص بالشافعي منه .

قال الشيخ أبو عمرو : ويترجح أيضا ما وافق أكثر أئمة المذاهب . وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي قولان ، أحدهما كقول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وجهين ، قال الشيخ أبو حامد : المخالف لأبي حنيفة - رضي الله عنه - أرجح ، فلو لم يطلع الشافعي على معنى مخالف لما خالفه ، والصحيح أن الموافق أولى ، وبه قال القفال ، وهذا إذا لم نجد مرجحا مما سبق .

ولو تعارض جزم مصنفين ، فهو كتعارض الوجهين ، فيرجع إلى البحث كما سبق ، ويرجح أيضا بالكثرة ، فإذا جزم مصنفان بشيء ، وجزم ثالث مساو لأحدهما بخلافهما ، رجحناهما عليه .

واعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ، ووجوه المتقدمين من أصحابنا أتقن وأثبت من نقل أصحابنا الخراسانيين غالبا إن لم يكن دائما وهذا مما يتعلق بما نحن فيه .

ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين أن يكون الشافعي - رحمه الله - ذكره في بابه ومظنته ، والآخر جاء مستطردا في باب آخر .

واعلم أن هذا الكتاب الذي اختصرته وهذبته محصل لك جميع [ ص: 113 ] ما ذكرته ولا أقول هذا تبجحا بل نصيحة للمسلمين ومناصحة للدين ، وهما واجبان علي وعلى سائر المكلفين .

واعلم أنه يكره للمفتي أن يقتصر في جوابه على قوله : فيه قولان ، أو وجهان ، أو خلاف ونحو ذلك ، فإن هذا ليس جوابا صحيحا للمستفتي ، ولا يحصل به مقصوده ، وهو بيان ما يعمل به لما ذكرنا ، بل ينبغي أن يجزم بما هو الراجح ، فإن لم يظهر له الراجح ، انتظر ظهوره ، أو امتنع من الإفتاء في المسألة ، كما فعله كثير من أصحابنا وغيرهم .

واعلم أنه متى كان قولان قديم وجديد ، فالعمل على الجديد إلا في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة قد أوضحتها مفصلة في أول شرح " المهذب " مع ما يتعلق بها ويترتب بها ، ويترتب عليها ، وبالله التوفيق ، وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل ، فحسن أن يرتب الجواب على ترتيب الأسئلة ، وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب ، فإنه خطأ بالاتفاق ، وليس له أن يكتب الجواب على ما يعلمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرض له ، بل يذكر جواب ما في الرقعة فإن أراد الجواب على خلاف ما فيها ، فليقل ، وإن كان الأمر كذا ، فجوابه كذا ، وإذا كتب الجواب ، أعاد نظره فيه وتأمله ، وإذا كان هو المبتدئ بالإفتاء في الرقعة ، قال الصيمري وغيره : فالعادة قديما وحديثا أن يكتب في الناحية اليسرى ؛ لأنه أمكن .

قال الصيمري وغيره : ولو كتب وسط الرقعة ، أو في حاشيتها ، فلا عتب عليه ، ولا يكتب فوق البسملة بحال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث