الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في سنن الذبح وآدابه سواء الأضحية وغيرها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

في سنن الذبح وآدابه

سواء ذبح الأضحية وغيرها .

إحداها : تحديد الشفرة .

الثانية : إمرار السكين بقوة وتحامل ذهابا وعودا ، ليكون أوحى وأسهل .

الثالثة : استقبال الذابح القبلة ، وتوجيه الذبيحة إليها ، وذلك في الهدي والأضحية أشد استحبابا ؛ لأن الاستقبال مستحب في القربات . وفي كيفية توجيهها ثلاثة أوجه . أصحها : يوجه مذبحها إلى القبلة ، ولا يوجه وجهها ، ليمكنه هو أيضا الاستقبال . والثاني : يوجهها بجميع بدنها . والثالث : يوجه قوائمها .

[ ص: 205 ] الرابعة : التسمية مستحبة عند الذبح ، والرمي إلى الصيد ، وإرسال الكلب . فلو تركها عمدا أو سهوا ، حلت الذبيحة ، لكن تركها عمدا ، مكروه على الصحيح . وفي تعليق الشيخ أبي حامد : أنه يأثم به . وهل يتأدى الاستحباب بالتسمية عند عض الكلب وإصابة السهم ؟ وجهان : أصحهما : نعم . وهذا الخلاف في كمال الاستحباب . فأما إذا ترك التسمية

[ عند الإرسال فيستحب أن يتداركها عند الإصابة قطعا ، كمن ترك التسمية ] في أول الوضوء والأكل ، يستحب أن يسمي في أثنائهما .

ولا يجوز أن يقول الذابح والصائد : باسم محمد ولا باسم الله واسم محمد ، بل من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه ، واليمين باسمه ، والسجود له ، ولا يشاركه في ذلك مخلوق . وذكر في " الوسيط " : أنه لا يجوز أن يقول : باسم الله ومحمد رسول الله ؛ لأنه تشريك . قال : ولو قال : بسم الله ومحمد رسول الله ، بالرفع ، فلا بأس . ويناسب هذه المسائل ما حكاه في " الشامل " وغيره عن نص الشافعي رحمه الله : أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله تعالى ، كالمسيح ، لم تحل . وفي كتاب القاضي ابن كج : أن اليهودي لو ذبح لموسى ، والنصراني لعيسى صلى الله عليهما وسلم ، أو للصليب ، حرمت ذبيحته ، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقوى أن يقال : يحرم ؛ لأنه ذبح لغير الله تعالى . قال : وخرج أبو الحسين وجها آخر : أنها تحل ؛ لأن المسلم يذبح لله تعالى ، ولا يعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعتقده النصراني في عيسى . قال : وإذا ذبح للصنم ، لم تؤكل ذبيحته ، سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا . وفي تعليقة للشيخ إبراهيم المروروذي رحمه الله : أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه ، أفتى أهل بخارى بتحريمه ؛ لأنه مما أهل به لغير الله تعالى .

واعلم أن الذبح للمعبود وباسمه ، نازل منزلة السجود له ، وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة ، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة ، لم تحل ذبيحته ، وكان فعله كفرا ، [ ص: 206 ] كمن سجد لغيره سجدة عبادة ، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه ، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه ، بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها بيت الله تعالى ، أو الرسول لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة ، وإلى هذا المعنى ، يرجع قول القائل : أهديت للحرم ، أو للكعبة ، ومن هذا القبيل ، الذبح عند استقبال السلطان ، فإنه استبشار بقدومه ، نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود ، ومثل هذا لا يوجب الكفر ، وكذا السجود للغير تذللا وخضوعا . وعلى هذا ، إذا قال الذابح : باسم الله وباسم محمد ، وأراد : أذبح باسم الله ، وأتبرك باسم محمد ، فينبغي أن لا يحرم . وقول من قال : لا يجوز ذلك ، يمكن أن يحمل على أن اللفظة مكروهة ؛ لأن المكروه ، يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه .

ووقعت منازعة بين جماعة ممن لقيناهم من فقهاء قزوين

[ في ] أن من ذبح باسم الله واسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل تحل ذبيحته ؟ وهل يكفر بذلك ؟ وأفضت تلك المنازعة إلى فتنة ، والصواب ما بيناه . وتستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح ، نص عليه في " الأم " ، قال ابن أبي هريرة : لا تستحب ولا تكره .

قلت : أتقن الإمام الرافعي رحمه الله هذا الفصل ، ومما يؤيد ما قاله ، ما ذكره الشيخ إبراهيم المروروذي في تعليقه ، قال : وحكى صاحب " التقريب " عن الشافعي رحمه الله : أن النصراني إذا سمى غير الله تعالى ، كالمسيح ، لم تحل ذبيحته ، قال صاحب " التقريب " : معناه أنه يذبحها له ، فأما إن ذكر المسيح على معنى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجائز . قال : وقال الحليمي : تحل مطلقا ، وإن سمى المسيح . والله أعلم .

الخامسة : المستحب في الإبل النحر ، وهو قطع اللبة أسفل العنق ، وفي البقر والغنم [ ص: 207 ] الذبح ، وهو قطع الحلق أعلى العنق . والمعتبر في الموضعين ، قطع الحلقوم والمريء . فلو ذبح الإبل ونحر البقر والغنم ، حل ، ولكن ترك المستحب ، وفي كراهته قولان ، المشهور : لا يكره .

السادسة : يستحب أن ينحر البعير قائما على ثلاث قوائم معقول الركبة ، وإلا فباركا ، وأن تضجع البقرة والشاة على جنبها الأيسر ، وتترك رجلها اليمنى وتشد قوائمها الثلاث .

السابعة : إذا قطع الحلقوم والمريء ، فالمستحب أن يمسك ولا يبين رأسه في الحال ، ولا يزيد في القطع ، ولا يبادر إلى سلخ الجلد ، ولا يكسر الفقار ، ولا يقطع عضوا ، ولا يحرك الذبيحة ، ولا ينقلها إلى مكان ، بل يترك جميع ذلك حتى تفارق الروح ، ولا يمسكها بعد الذبح مانعا لها من الاضطراب . والأولى أن تساق إلى المذبح برفق ، وتضجع برفق ، ويعرض عليها الماء قبل الذبح ، ولا يحد الشفرة قبالتها ، ولا يذبح بعضها قبالة بعض .

الثامنة : يستحب عند التضحية أن يقول : اللهم منك وإليك ، تقبل مني . وفي " الحاوي " وجه ضعيف : أنه لا يستحب . ولو قال : تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك ومحمد عبدك ورسولك صلى الله عليهما ، لم يكره ولم يستحب ، كذا نقله في " البحر " عن الأصحاب . قال في " الحاوي " : يختار في الأضحية أن يكبر الله تعالى قبل التسمية وبعدها

[ ثلاثا ] فيقول : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث