الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 112 ] 16 - خبيب بن عدي

قال أبو نعيم : ومنهم خبيب بن عدي المصلوب ، الثابت الصابر في ذات الله المحبوب .

وقد قيل : إن التصوف إقامة الدنف المعذب على حفاظ الكلف المهذب .

حدثنا حبيب بن الحسن ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عمر بن أسيد بن حارثة الثقفي - حليف بني زهرة - أن أبا هريرة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عينا ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ، ذكروا لحي من هذيل ويقال لهم : بنو لحيان ، فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رام ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه ، قالوا : نوى يثرب . فاتبعوا آثارهم ، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد ، فأحاط بهم القوم وقالوا لهم : انزلوا وأعطوا بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق لا نقتل منكم أحدا . فقال عاصم بن ثابت أمير القوم : أما أنا والله لا أنزل في ذمة كافر ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فرموهم بالنبل ، فقتلوا عاصما في سبعة ، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق ، منهم خبيب الأنصاري ، وزيد بن الدثنة ، ورجل آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها ، فقال الرجل الثالث : هذا أول الغدر ، والله لا أصحبكم ، إن لي بهؤلاء أسوة -يريد القتلى- فجرروه وعالجوه ، فأبى أن يصحبهم ، فقتلوه ، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبا ، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا قتله ، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها ، فأعارته إياها ، فدرج بني لها حتى أتاه ، قالت : وأنا غافلة ، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده . قالت : ففزعت فزعة عرفها خبيب ، فقال : أتخشين أن أقتله ، ما كنت لأفعل ذلك ، قالت : [ ص: 113 ] والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق في الحديد ، وما بمكة من ثمرة . وكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله خبيبا ، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب : دعوني أركع ركعتين ، فتركوه ، ثم قال : والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت ، اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، ثم قال :


فلست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي     وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع



ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله ، وكان خبيب أول من سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة .


حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا أبو شعيب الحراني ، ثنا أبو جعفر النفيلي ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مارية مولاة حجير بن أبي إهاب - وكانت قد أسلمت - قالت : كان خبيب قد حبس في بيتي ، ولقد اطلعت إليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه ، وما أعلم أن في الأرض حبة عنب تؤكل . قال ابن إسحاق : وقال عاصم بن عمر بن قتادة : فخرجوا بخبيب إلى التنعيم ليقتلوه ، فقال لهم : إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا ، قالوا : دونك فاركع ، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال : والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة ، ثم رفعوه على خشبة ، فلما أوثقوه قال : اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك ، فبلغه الغداة ما يفعل بنا .

قال ابن إسحاق : ومما قيل فيه من الشعر قول خبيب بن عدي حين بلغه أن القوم قد أجمعوا لصلبه ، فقال :


لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا     قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم     وقربت من جزع طويل ممنع
إلى الله أشكو كربتي بعد غربتي     وما جمع الأحزاب لي حول مصرعي
[ ص: 114 ] فذا العرش صبرني على ما يراد بي     فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وقد خيروني الكفر والموت دونه     وقد ذرفت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت أني ميت     ولكن حذاري جحم نار ملفع
وذلك في ذات الإله وإن يشأ     يبارك على أوصال شلو ممزع
فلست أبالي حين أقتل مسلما     على أي جنب كان في الله مصرعي



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث