الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأول أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته

جزء التالي صفحة
السابق

ولا يصح إلا بشروط سبعة أحدها : أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته كالمكيل ، والموزون ، والمذروع فأما المعدود ، والمختلف كالحيوان ، والفواكه ، والبقول ، والجلود ، والرءوس ونحوها ففيه روايتان وفي الأواني المختلفة الرءوس ، والأوساط كالقماقم ، والأسطال الضيقة الرءوس ، وما يجمع أخلاطا متميزة كالثياب المنسوجة من نوعين وجهان ، ولا يصح فيما لا ينضبط كالجواهر كلها ، والحوامل من الحيوان ، والمغشوش من الأثمان ، وغيرها ، وما يجمع أخلاطا غير متميزة كالغالية ، والند ، والمعاجين ويصح فيما يترك فيه شيء ، وغير مقصود لمصلحته كالجبن وخل التمر ، والسكنجبين وغيرها .

التالي السابق


( ولا يصح إلا بشروط سبعة ) [ ص: 178 ] وجعلها في " المحرر " أربعة زائدا على شروط البيع فيكون أربعة عشر شرطا ، لكن من شرط صحة السلم أن يوجد الإيجاب ، والقبول ( أحدها : أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته ) أي : التي يختلف الثمن باختلافها اختلافا كثيرا ظاهرا ؛ لأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف كثيرا فيفضي إلى المنازعة ، والمشاقة المطلوب عدمها ( كالمكيل ) في الحبوب ، وغيرها ، وهو إجماع في الطعام ، ذكره ابن المنذر ( والموزون ) كالقطن ، والإبريسم ، والصوف ، والنحاس ، والطيب ، والعنب ، والأدهان ، والخلول ( والمذروع ) على المذهب كالثياب ؛ لأن بعض ذلك منصوص عليه ، والباقي بالقياس ، وفي " المستوعب " أن أبا بكر حكى في التنبيه أن لأحمد قولا أنه لا يجوز السلم إلا في المكيل ، والموزون ، وهو ظاهر " الوجيز " ، والمذهب خلافه لتأتي الصفة عليه ، وعلم منه أنه لا سلم في أرض وشجر ونخيل ، صرح به في " الرعاية " لعدم تأتي الصفة فيه ( فأما المعدود ، والمختلف كالحيوان ، والفواكه ، والبقول ، والجلود ، والرءوس ونحوها ) كالبيض ( ففيه روايتان ) ، وكذا في " المحرر " المشهور في المذهب ونص عليه في رواية الأثرم أنه يجوز في الحيوان ، وصححه في " الفروع " وغيره آدميا كان أو غيره ، وهو قول جماعة من الصحابة وتابعيهم لحديث أبي رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف من رجل بكرا . رواه مسلم ، ولأنه يثبت في الذمة صداقا فيثبت في السلم كالثياب ، والثانية : لا يصح السلم فيه ، وجزم به في " الوجيز " ، روي عن عمر أنه قال : إن من الربا أبوابا لا تخفى ، وإن منها السلم في السن ؛ ولأنه يختلف اختلافا مباينا ، ولا يمكن ضبطه ، ولو استقصى صفاته ؛ لتعذر تسليمه ولندرة وجوده عليها ورد بأنه لم يثبت ، ولو سلم فهو محمول على أنهم يشرطون من ضراب فحل بني [ ص: 179 ] فلان ، وهو معارض بقول علي ، وعلم منه جوازه في شحم ولحم نيء ، ولو مع عظمه إن عين موضع القطع منه وأطلق في " الكافي " ، و " الفروع " الخلاف في البواقي ، الأشهر - وبه جزم في " الوجيز " - أنه لا يجوز . نقل عنه إسحاق بن إبراهيم أنه قال : لا أرى السلم إلا فيما يكال ، أو يوزن ، أو يوقف عليه قال أبو الخطاب : معناه يوقف عليه بحد معلوم لا يختلف كالزرع فأما الرمان ، والبيض ، فلا أرى السلم فيه ، ولأن الفواكه تختلف بالصغر ، والكبر ، والبقول تختلف ، ولا يمكن تقديرها بالحزم فتكون كالجواهر ، والثانية : نقلهاابن منصور جواز السلم فيها ؛ لأن التفاوت في ذلك يسير ويمكن ضبطه بالصغر ، والكبر وبعضه بالوزن كالبقول ، وأما الجلود ، فلا يصح السلم فيها في الأشهر ؛ لأنه مختلف فالورك قوي ، والصدر ثخين رخو ، والبطن رقيق ضعيف ، والظهر أقوى فيحتاج إلى وصف كل موضع منه ، ولا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه ، والثانية : يجوز ، نصره في " الشرح " ؛ لأن التفاوت في ذلك معلوم ، فلم يمنع الصحة كالحيوان ، وفي الأطراف الخلاف كالرءوس إحداهما : لا يصح ؛ لأن اللحم فيه قليل ، وليس بموزون عكس اللحم ، والثانية : يجوز ؛ لأنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه فجاز السلم فيه كبقية اللحم ، وعليه لا فرق بين كونه مطبوخا ، أو مشويا ، أو غيره ( وفي الأواني المختلفة الرءوس ، والأوساط كالقماقم ) واحده قمقم بضم القافين يكون ضيق الرأس ، وهو ما يسخن فيه من نحاس ( والأسطال ) واحدها : سطل ، وهو على هيئة التور له عروة ( والضيقة الرءوس ) فيهما ( وما يجمع أخلاطا ) واحدها : خلط بكسر الخاء ( متميزة كالثياب المنسوجة [ ص: 180 ] من نوعين وجهان ) ، وكذا في " الفروع " إحداهما : لا يصح في الأولين قدمه في " الشرح " ، وجزم به في " الوجيز " ؛ لأن الصفة لا تأتي عليها ، والثاني : بلى ؛ لأن التفاوت في ذلك يسير ويمكن ضبطها بارتفاع حائطها ودور أسفلها وسعة رأسها ، وعلى الأولى يصح فيما لا يختلف كالهاون ، والسطل المربع لإمكان ضبطه ، والأصح جواز السلم في الثياب المنسوجة من نوعين كالكتان ، والقطن ونحوهما ؛ لأن ضبطها ممكن ، وفي معناه النشاب ، والنبل المريشين وخفاف ورماح ، وقال القاضي : لا يصح كالمعاجين ، والفرق واضح ( ولا يصح فيما لا ينضبط كالجواهر كلها ) كاللؤلؤ ، والياقوت ، والزبرجد ، والبلور ؛ لأنه يختلف اختلافا متباينا بالكبر ، والصغر وحسن التدوير وزيادة ضوئهما ، ولا يمكن تقديرها بثمن معين ؛ لأنه يختلف ، وفي العقيق وجهان ( والحوامل من الحيوان ) ؛ لأن الصفة لا تأتي على ذلك ، والولد مجهول غير محقق ، وفيه وجه ؛ لأن الحمل لا حكم له مع الأم بدليل البيع ، ولا يصح في أمة وولدها لندرة جمعهما الصفة ( والمغشوش من الأثمان ) ؛ لأن غشه يمنع العلم بالقدر المقصود منه ، فلم يصح ، ولما فيه من الغرر ، وظاهره يصح فيها حيث لم تكن مغشوشة ، ويكون رأس المال غيرها ( وغيرها ) كاللبن المشوب بالماء ، والحنطة المختلطة بالزوان ؛ لأنه مجهول لا ينضبط بالصفة ( وما يجمع أخلاطا غير متميزة كالغالية ، والند ، والمعاجين ) لعدم ضبطها بالصفة ، وفي معناه القسي المشتمل على الخشب ، والقرن ، والعقب ، والعراء ، والتور للعجز عن ضبط مقادير ذلك وتمييزه ، وفيه وجه يصح كالثياب ، وفي شهد وكتان وقنب يقضيانه وجهان ( ويصح فيما يترك فيه مقصود لمصلحته كالجبن ) ، فإن فيه إنفحة ( والعجين ) ، فإن فيه ملحا ( وخل التمر ) ، فإن فيه ماء ( والسكنجبين ) [ ص: 181 ] فإن فيه خلا ( وغيرها ) كالخبز ولبن فيه ماء يسير ودهن ورد وبنفسج ، ولأن ذلك يسير غير مقصود لمصلحته ، فلم يؤثر .

فرع : يصح السلم في اللبأ ، والخبز ، وما أمكن ضبطه مما مسته النار ومنع الشافعي السلم في كل معمول بالنار واستثنى النووي أربعة : السكر ، والفانيد ، واللبأ ، والدبس ، والأشهر جوازه في اللحم المشوي ، والمطبوخ ، وقال القاضي : لا يصح ؛ لأنه يتفاوت كثيرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث