الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


17 - جعفر بن أبي طالب

قال أبو نعيم : ومنهم الخطيب المقدام ، السخي المطعام ، خطيب العارفين ، ومضيف المساكين ، ومهاجر الهجرتين ، ومصلي القبلتين ، البطل الشجاع ، الجواد الشعشاع ، جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، فارق الخلق ، ورامق الحق .

وقد قيل : إن التصوف الانفراد بالحق عن ملابسة الخلق .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا محمد بن زكريا الغلابي ، ثنا عبد الله بن رجاء ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن بردة ، عن أبيه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي ، فبلغ ذلك قريشا ، فبعثوا عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد ، فجمعوا للنجاشي هدية ، فقدمنا وقدما على النجاشي ، فأتياه بالهدية فقبلها ، وسجدا له ، ثم قال له عمرو بن العاص : إن أناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك ، قال لهم النجاشي : في أرضي ؟ قالوا : نعم ، فبعث إلينا ، فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد ، أنا خطيبكم اليوم ، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس ، وعمرو بن العاص عن يمينه ، وعمارة عن يساره ، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين سماطين ، وقد قال لهم عمرو وعمارة : إنهم لا يسجدون لك ، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان : اسجدوا للملك ، فقال جعفر : لا نسجد إلا لله عز وجل . قال له النجاشي : وما ذاك ؟ قال : إن الله تعالى بعث فينا رسولا وهو الرسول الذي بشر به عيسى عليه السلام ، قال : ( من بعدي اسمه أحمد ) فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ، ونقيم الصلاة ، ونؤتي الزكاة ، وأمرنا بالمعروف [ ص: 115 ] ونهانا عن المنكر ، فأعجب النجاشي قوله ، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال : أصلح الله الملك ، إنهم يخالفونك في ابن مريم ، فقال النجاشي لجعفر : ما يقول صاحبكم في ابن مريم ؟ قال : يقول فيه قول الله عز وجل : هو روح الله وكلمته ، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر ، ولم يفترضها ولد . فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه ، فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه ، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده ، وأنا أشهد أنه رسول الله ، وأنه الذي بشر به عيسى عليه السلام ، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله ، امكثوا في أرضي ما شئتم . وأمر لنا بطعام وكسوة ، وقال : ردوا على هذين هديتهما . رواه إسماعيل بن جعفر ويحيى بن أبي زائدة في آخرين ، عن إسرائيل .

حدثنا حبيب بن الحسن ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن شهاب الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أم سلمة قالت : لما نزلنا أرض الحبشة ، جاورنا بها خير جار النجاشي ، آمنا على ديننا وعبدنا الله ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئا نكرهه ، فلما بعثت قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهداياهم إلى النجاشي وإلى بطارقته ، أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن ، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، [ ثم ] سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم ؟ قال : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ، فقال له : أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيئ الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، وكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة [ ص: 116 ] والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قال : فعدد عليه أمور الإسلام -فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من الله عز وجل ، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز وجل ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا - خرجنا إلى بلادك ، فاخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ فقال له جعفر : نعم ، فقال له : اقرأ علي ، فقرأ عليه صدرا من " كهيعص " ، فبكى النجاشي والله حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا هو والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فوالله لا أسلمهم إليكما ولا أكاد ، ثم قال : اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من مسكم غرم ، من مسكم غرم ، من مسكم غرم ، ما أحب أن لي دبر ذهب وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة : الجبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه ، فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به . وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار .

حدثنا محمد بن علي ، ثنا الحسين بن مودود الحراني ، ثنا محمد بن يسار ، ثنا معاذ بن معاذ ، ثنا ابن عون ، عن عمير بن إسحاق ، حدثني عمرو بن العاص قال : انطلقنا ، فلما أتينا الباب - يعني باب النجاشي - ناديت ائذن لعمرو بن العاص ، فنادى جعفر من خلفي ائذن لحزب الله ، فسمع صوته فأذن له قبلي ، ودخلت فإذا النجاشي قاعد على سرير [ ص: 117 ] وجعفر قاعد بين يديه وحوله أصحابه على الوسائد ، فلما رأيت مقعده حسدته ، فقعدت بينه وبين السرير ، فجعلته خلف ظهري ، وأقعدت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا عمي أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا خالد بن مخلد ، ثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز ، ثنا الزهري ، ثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : دعا النجاشي جعفر بن أبي طالب وجمع له النصارى ، ثم قال لجعفر : اقرأ عليهم ما معك من القرآن ، فقرأ عليهم " كهيعص " ففاضت أعينهم ، فنزلت : ( ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث