الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ترغيبه الناس في التوادد والتحابب وترهيبهم من الحسد والبغض

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أبو تراب ، قال : قال حاتم الأصم : " التوبة أن تتنبه من الغفلة وتذكر الذنب وتذكر لطف الله وحكم الله وستر الله إذا أذنبت لم تأمن الأرض والسماء أن يأخذاك ، فإذا رأيت حكمه رأيت أن ترجع من الذنوب مثل اللبن إذا خرج من الضرع لا يعود إليه فلا تعد إلى [ ص: 78 ] الذنب كما لا يعود اللبن في الضرع ، وفعل التائب في أربعة أشياء أن تحفظ اللسان من الغيبة والكذب والحسد واللغو ، والثاني أن تفارق أصحاب السوء ، والثالث إذا ذكر الذنب تستحي من الله ، والرابع تستعد للموت ، وعلامة الاستعداد أن لا تكون في حال من الأحوال غير راض من الله فإذا كان التائب هكذا يعطيه الله أربعة أشياء أولها : يحبه كما قال تعالى : ( يحب التوابين ويحب المتطهرين ) ثم يخرج من الذنب كأنه لم يذنب قط كما قال صلى الله عليه وسلم : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " والثالث : يحفظه من الشيطان لا يكون له عليه سبيل ، والرابع : يؤمنه من النار قبل الموت كما قال تعالى : ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) ويجب على الخلق أربعة أشياء : ينبغي لهم أن يحبوا هذا التائب كما يحبه الله تعالى ، ويدعوا له بالحفظ ويستغفروا له كما تستغفر له الملائكة قال الله تعالى : ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) إلخ ، ويكرهوا له ما يكرهون لأنفسهم ، والرابع : أن ينصحوا للتائب كما ينصحون لأنفسهم " .

وحدثنا محمد بن الحسين بن موسى ، قال : سمعت نصر بن أبي نصر يقول : سمعت أحمد بن سليمان الكفرسلاني ، يقول : وجدت في كتابي عن حاتم الأصم ، أنه قال : " من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت موتا أبيض ، وموتا أسود ، وموتا أحمر ، وموتا أخضر فالموت الأبيض : الجوع ، والموت الأسود : احتمال أذى الناس ، والموت الأحمر : مخالفة النفس ، والموت الأخضر : طرح الرقاع بعضها على بعض " .

وقال حاتم : " كان يقال : العجلة من الشيطان إلا في خمس ، إطعام الطعام إذا حضر الضيف ، وتجهيز الميت إذا مات ، وتزويج البكر إذا أدركت ، وقضاء الدين إذا وجب ، والتوبة من الذنب إذا أذنب " .

حدثنا محمد بن الحسين ، قال : سمعت أبا علي سعيد بن أحمد البلخي يقول : سمعت أبي يقول : سمعت محمد بن عبد الله ، يقول : سمعت محمد بن الليث ، يقول : سمعت حامدا يقول : سمعت حاتما يقول : " لكل قول صدق ، ولكل صدق فعل ، ولكل فعل صبر ، ولكل حسنة إرادة ، ولكل إرادة أثرة " .

وقال حاتم : " أصل [ ص: 79 ] " الطاعة ثلاثة أشياء : الخوف والرجاء والحسب ، وأصل المعصية ثلاثة أشياء : الكبر والحرص والحسد " .

وقال حاتم : " المنافق ما أخذ من الدنيا أخذ بحرص ، ويمنع بالشك وينفق بالرياء ، والمؤمن يأخذ بالخوف ويمسك بالشدة ، وينفق لله خالصا في الطاعة " .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ، قال : سمعت أبا تراب ، يقول : سمعت حاتما الأصم ، يقول : سمعت شقيقا ، يقول : " الكسل عون على الزهد " .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ، قال : سمعت أبا تراب ، يقول : سمعت حاتما ، يقول : " لي أربعة نسوة وتسعة من الأولاد ما طمع الشيطان أن يوسوس إلي في شيء من أرزاقهم " .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ، ثنا أبو تراب ، ثنا حاتم الأصم ، قال : " لا يغلب المؤمن عن خمسة أشياء ، عن الله عز وجل ، وعن القضاء ، وعن الرزق وعن الموت ، وعن الشيطان " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ، ثنا أبو تراب ، قال : قال شقيق لحاتم الأصم : مذ أنت صحبتني أي شيء تعلمت ؟ قال : " ست كلمات " قال : أولهن ؟ قال : " رأيت كل الناس في شك من أمر الرزق ، وإني توكلت على الله تعالى ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) فعلمت أني من هذه الدواب واحد فلم أشغل نفسي بشيء قد تكفل لي به ربي ، قال : أحسنت ، فما الثانية ؟ قال : رأيت لكل إنسان صديقا يفشي إليه سره ويشكو إليه أمره ، فقلت : أنظر من صديقي فكل صديق وأخ رأيته قبل الموت فأردت أن أتخذ صديقا يكون لي بعد الموت فصادقت الخير ; ليكون معي إلى الحساب ، ويجوز معي إلى الصراط ويثبتني بين يدي الله عز وجل . قال : أصبت فما الثالثة ؟ قال : رأيت كل الناس لهم عدو ، فقلت أنظر من عدوي فأما من اغتابني فليس عدوي ، وأما من أخذ مني شيئا فليس هو عدوي ، ولكن عدوي الذي إذا كنت في طاعة الله أمرني بمعصية الله ، فرأيت ذلك إبليس وجنوده فاتخذتهم عدوا ، فوضعت الحرب بيني وبينهم ، ووترت [ ص: 80 ] قوسي ووصلت سهمي فلا أدعه يقربني . قال : أحسنت ، فما الرابعة ؟ قال : رأيت الناس لهم طالب كل واحد منهم يوما واحدا فرأيت ذلك ملك الموت ففرغت له نفسي حتى إذا جاء لا ينبغي أن أمسكه فأمضي معه . قال : أحسنت ، فما الخامسة ؟ قال : نظرت في هذا الخلق فأحببت واحدا وأبغضت واحدا ، فالذي أحببته لم يعطني والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئا فقلت : من أين أتيت هذا ؟ فرأيت أني أتيت هذا من قبل الحسد ، فطرحت الحسد من قلبي فأحببت الناس كلهم فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم ، قال : أحسنت فما السادسة ؟ قال : رأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى ، ورأيت مأواي القبر فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي حتى أعمر قبري فإن القبر إذا لم يكن عامرا لم يستطع القيام فيه ، فقال شقيق : عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث