الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


التسميع بقراءة اللحان والمصحف .


( 639 ) وليحذر اللحان والمصحفا على حديثه بأن يحرفا      ( 640 ) فيدخلا في قوله من كذبا
فحق النحو على من طلبا      ( 641 ) والأخذ من أفواههم لا الكتب
أدفع للتصحيف فاسمع وادأب

[ حكم اجتناب اللحن والتصحيف ] :

الفصل الخامس ( التسميع ) من الشيخ ( بقراءة اللحان والمصحف ) ، والحث على الأخذ من أفواه الشيوخ : ( وليحذر ) الشيخ الطالب ( اللحان ) بصيغة المبالغة ، أي : الكثير اللحن في ألفاظ النبوة ، وكذا ليحذر ( المصحفا ) فيها وفي أسماء الرواة ، ولو كان لا يلحن ( على حديثه بأن يحرفا ) أي : خوف التحريف في حركاته أو ضبطه ( من كل منهما ) في الحال والمآل ( فيدخلا ) أي : الشيخ ، وكذا الطالب من باب أولى ( في ) جملة ( قوله ) صلى الله عليه وسلم ( من كذبا ) أي : ( كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن .

قال النضر بن شميل : جاءت هذه الأحاديث عن الأصل معربة ، يتأكد الوعيد مع اختلال المعنى في اللحن والتصحيف . وإلى الدخول أشار الأصمعي ، فقال أبو داود السنجي : سمعت الأصمعي يقول : إن أخوف ما أخاف على [ ص: 159 ] طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله صلى الله عليه وسلم : ( من كذب علي ) . لأنه لم يكن يلحن ، فمهما رويت عنه ولحنت فيه فقد كذبت عليه .

وعن سالم بن قتيبة قال : كنت عند ابن هبيرة الأكبر ، فجرى ذكر العربية فقال : والله ما استوى رجلان دينهما واحد وحسبهما واحد ومروءتهما واحدة ، أحدهما يلحن ، والآخر لا يلحن ; لأن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن .

فقلت : أصلح الله الأمير ، هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته ، أرأيت الآخرة ما باله أفضل فيها ؟ قال : إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزله الله ، وإن الذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل فيه ما ليس منه ، ويخرج ما هو فيه . فقلت : صدق الأمير وبر .

وعن أبي أسامة حماد بن سلمة أنه قال لإنسان : إن لحنت في حديثي فقد كذبت علي . فإني لا ألحن . وصدق رحمه الله ، فإنه كان مقدما في ذلك ، بحيث إن سيبويه شكى إلى الخليل بن أحمد أنه سأله عن حديث هشام بن عروة ، عن أبيه في رجل رعف ، - يعني بضم العين على لغة ضعيفة - فانتهره ، وقال له : أخطأت ، إنما هو رعف - يعني بفتحها - فقال له الخليل : صدق ، أتلقى بهذا الكلام أبا أسامة ؟ وهو مما ذكر في سبب تعلم سيبويه العربية ، ويقال : إن هذه اللفظة أيضا كانت سببا لتعلم ثابت البناني أحد التابعين من شيوخ حماد هذا لها .

كما روينا في ( العلم ) للموهبي عن محمد بن زياد قال : سأل ثابت البناني [ ص: 160 ] الحسن البصري فقال : يا أبا سعيد ، ما تقول في " رعف " ؟ فقال : وما " رعف " ؟ أتعجز أن تقول : رعف ؟ فاستحى ثابت وطلب العربية حتى قيل له من انهماكه فيها : ثابت العربي .

وكذا كان سبب اشتغال أبي زيد النحوي به لفظة ، فإنه دخل على جعفر بن سليمان فقال له : ادنه . فقال : أنا دني . فقال : يا بني ، لا تقل : أنا دني . ولكن قل : أنا دان .

وألحق بعض المتأخرين في الدخول في الوعيد من قرأ الحديث بالألحان والترجيع الباعث على إشباع الحرف المكسب للفظ سماجة وركاكة ، فسيد الفصحاء صلى الله عليه وسلم بريء من ذلك .

ويروى أن عمر رضي الله عنه قال لشخص كان يطرب في أذانه : إني أبغضك في الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث