الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به وجه الله تعالى

421 باب : من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به وجه الله تعالى

التالي السابق


أي : هذا باب في بيان حكم من صلى وبين يديه تنور أو شيء . . . إلى آخره ؛ يعني لا يكره ، ( فإن قلت ) : لم يوضح البخاري ذلك بل أجمله وأبهمه ، يحتمل لا يكره ويحتمل يكره ، فمن أين ترجيح احتمال عدم الكراهة ؟ قلت : إيراده بالحديثين المذكورين في الباب يدل على احتمال عدم الكراهة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي صلاة مكروهة ، ولكن لا يتم استدلاله بهذا من وجوه ؛ الأول : ما ذكره الإسماعيلي بقوله : ليس ما أراه الله تعالى من النار حين أطلعه عليها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة [ ص: 184 ] لقوم ولا حكم ما أري ليخبرهم كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائما موضوعا فجعله أمام مصلاه وقبلته .

الوجه الثاني : ما ذكره السفاقسي ليس فيه ما بوب عليه لأنه لم يفعله مختارا ، وإنما عرض ذلك لمعنى أراده الله تعالى ، ورؤيته - صلى الله عليه وسلم - للنار رؤية عين كشف الله عنها فأراه إياها ، وكذلك الجنة ، كما كشف له عن المسجد الأقصى .

الوجه الثالث : ما ذكره القاضي السروجي في شرح الهداية فقال : لا دلالة في هذا الحديث على عدم الكراهة لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال : أريت النار ، ولا يلزم أن تكون أمامه متوجها إليها ، بل يجوز أن تكون عن يمينه أو عن يساره أو غير ذلك .

الوجه الرابع : ما ذكره هو أيضا فقال : ويحتمل أن يكون ذلك وقع له قبل شروعه في الصلاة ، انتهى .

قلت : قد تصدى بعضهم في نصرة البخاري فأجاب عن هذين الوجهين بجواب تمجه الأسماع وتستمجه الطباع ، وهو أن البخاري كوشف بهذا الاعتراض فعجل بالجواب عنه حيث صدر الباب بالمعلق عن أنس ، ففيه : عرضت علي النار وأنا أصلي . وأما كونه رآها أمامه فسياق حديث ابن عباس يقتضيه ، ففيه أنهم قالوا له بعد أن انصرف : يا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت ؛ أي : تأخرت إلى خلف ، وفي جوابه أن ذلك بسبب كونه أري النار ، انتهى . فانظر إلى هذا الأمر الغريب العجيب ؛ شخص يكاشف اعتراض شخص يأتي من بعده بمدة مقدار خمسمائة سنة أو أكثر بقليل ويجيب عنه بتصدير هذا الباب الذي فيه حديث أنس معلقا وحديث ابن عباس موصولا ومع هذا لا يتم الجواب بما ذكره ولا يتم الاستدلال به للبخاري ، بيان ذلك أن قوله : " وأنا أصلي " في حديث أنس يحتمل أن يكون المعنى : وأنا أريد الصلاة ، ولا مانع من هذا التقدير ، وأما تناوله الشيء وتأخره إلى خلف في حديث ابن عباس لا يستلزم أن يكون ذلك بسبب رؤيته النار أمامه ولا يستحيل أن يكون ذلك بسبب رؤيته إياها عن يمينه أو عن شماله ، وقوله : " وفي جوابه أن ذلك بسبب كونه أري النار " مسلم أن ذلك كان بسبب كونه أري النار ، ولكن لا نسلم أنه كان ذلك بسبب كون رؤيته النار أمامه ، ولئن سلمنا جميع ذلك فنقول : لنا جوابان آخران غير الأربعة المذكورة ؛ أحدهما : أنه - صلى الله عليه وسلم - أريها في جهنم وبينه وبينها ما لا يحصى من بعد المسافة ، فعدم كراهة صلاته - صلى الله عليه وسلم - لذلك . والآخر : يجوز أن يكون ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - رؤية علم ووحي بإطلاعه وتعريفه في أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك . وجواب آخر ذكره ابن التين وقال : لا حجة فيه على الترجمة ؛ لأنه لم يفعل ذلك اختيارا وإنما عرض عليه ذلك للمعنى الذي أراده الله من تنبيهه للعباد . وقال بعضهم : وتعقب بأن الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه . قلت : لا نسلم التسوية ، فإن الكراهة تتأكد عند الاختيار ، وأما عند عدمه فلا كراهة لعدم العلة الموجبة للكراهة وهي التشبه بعبدة النار . وقال ابن بطال : الصلاة جائزة إلى كل شيء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها الله تعالى والسجود لوجهه خالصا ، ولا يضره استقبال شيء من المعبودات وغيرها كما لم يضر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما رآه في قبلته من النار .

قوله ( وقدامه تنور ) جملة اسمية وقعت حالا ، فقوله " تنور " مبتدأ ، و : " قدامه " بالنصب على الظرف خبره ، والتنور بفتح التاء المثناة من فوق وضم النون المشددة . وقال الكرماني : حفيرة النار . قلت : التنور مشهور ، وهو تارة يحفر في الأرض حفيرة وتارة يتخذ من الطين ويدفن في الأرض وتوقد فيه النار إلى أن يحمى فيخبز فيه وتارة يطبخ فيه ، فقيل : هو عربي ، وقيل : معرب توافقت عليه العرب والعجم .

قوله ( أو نار ) عطف على قوله " تنور " ، ( فإن قلت ) : هذا يغني عن ذكر التنور - قلت : هذا من عطف العام على الخاص وفائدته الاهتمام به ؛ لأن عبدة النار من المجوس لا يعبدون إلا النار المكومة الظاهرة ، وربما لا تظهر النار من التنور لعمقه أو لقلة النار .

قوله ( أو شيء مما يعبد ) عطف على ما قبله ، والتقدير : أو من صلى وقدامه شيء مما يعبد كالأوثان والأصنام والتماثيل والصور ونحو ذلك مما يعبده أهل الضلال والكفر ، وهذا أعم من النار والتنور .

قوله ( فأراد به وجه الله ) ؛ أي : فأراد المصلي الذي قدامه شيء من هذه الأشياء ذات الله تعالى ، وأشار بهذا إلى أن الصلاة إلى شيء من الأشياء التي ذكرها لا تكون مكروهة إذا قصد به وجه الله تعالى ولم يقصد الصلاة إليه ، وعند أصحابنا يكره ذلك مطلقا لما فيه من نوع التشبه بعبدة الأشياء المذكورة ظاهرا ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور وقال : بيت نار .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث