الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق

قوله : كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما

قوله تعالى : كذلك الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف . أي كما قصصنا عليك خبر موسى كذلك نقص عليك قصصا كذلك من أخبار ما قد سبق ؛ ليكون تسلية لك ، وليدل على صدقك . وقد آتيناك من لدنا ذكرا يعني القرآن . وسمي القرآن ذكرا ؛ لما فيه من الذكر كما سمي الرسول ذكرا ؛ الذكر كان ينزل عليه . وقيل : أتيناك من لدنا ذكرا أي شرفا ، كما قال تعالى : وإنه لذكر لك أي شرف وتنويه باسمك .

[ ص: 157 ] قوله تعالى : من أعرض عنه أي القرآن فلم يؤمن به ، ولم يعمل بما فيه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا أي إثما عظيما وحملا ثقيلا . خالدين فيه يريد مقيمين فيه ؛ أي في جزائه وجزاؤه جهنم . وساء لهم يوم القيامة حملا يريد بئس الحمل حملوه يوم القيامة . وقرأ داود بن رفيع ( فإنه يحمل ) .

قوله تعالى : يوم ينفخ في الصور قراءة العامة ( ينفخ ) بضم الياء على الفعل المجهول . وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق بنون مسمى الفاعل . واستدل أبو عمرو بقوله تعالى : ونحشر بنون . وعن ابن هرمز ( ينفخ ) بفتح الياء أي ينفخ إسرافيل . أبو عياض : ( في الصور ) . الباقون في ( الصور ) وقد تقدم هذا في ( الأنعام ) مستوفى وفي كتاب ( التذكرة ) ونحشر المجرمين وقرأ طلحة بن مصرف ( ويحشر ) بضم الياء ( المجرمون ) رفعا بخلاف المصحف . والباقون ( ونحشر المجرمين ) أي المشركين . زرقا حال من المجرمين ، والزرق خلاف الكحل . والعرب تتشاءم بزرق العيون وتذمه ؛ أي تشوه خلقتهم بزرقة عيونهم وسواد وجوههم . وقال الكلبي والفراء : زرقا أي عميا . وقال الأزهري : عطاشا قد ازرقت أعينهم من شدة العطش ؛ وقاله الزجاج ؛ قال : لأن سواد العين يتغير ويزرق من العطش . وقيل : إنه الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة ، يقال : ابيضت عيني لطول انتظاري لكذا . وقول خامس : إن المراد بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف ؛ قال الشاعر :


لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر كما كل ضبي من اللؤم أزرق



يقال : رجل أزرق العين ، والمرأة زرقاء بينة الزرق . والاسم الزرقة . وقد زرقت عينه بالكسر وازرقت عينه ازرقاقا ، وازراقت عينه ازريقاقا . وقال سعيد بن جبير : قيل لابن عباس في قوله : ونحشر المجرمين يومئذ زرقا وقال في موضع آخر : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما فقال : إن ليوم القيامة حالات ؛ فحالة يكونون فيه زرقا ، وحالة عميا . يتخافتون بينهم أصل الخفت في اللغة السكون ، ثم قيل لمن خفض صوته خفته . يتسارون ؛ قاله مجاهد ؛ أي يقولون بعضهم لبعض في الموقف سرا إن لبثتم أي ما لبثتم يعني في الدنيا ، وقيل في القبور إلا عشرا يريد عشر ليال . وقيل : أراد ما بين النفختين وهو أربعون سنة ؛ يرفع العذاب في تلك المدة عن الكفار - في قول ابن عباس - فيستقصرون تلك المدة . أو مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما يرون من أهوال يوم القيامة ؛ ويخيل إلى أمثلهم أي أعدلهم قولا وأعقلهم وأعلمهم عند نفسه أنهم ما لبثوا إلا يوما واحدا يعني لبثهم في الدنيا ؛ عن [ ص: 158 ] قتادة ؛ فالتقدير : إلا مثل يوم . وقيل : إنهم من شدة هول المطلع نسوا ما كانوا فيه من نعيم الدنيا رأوه كيوم . وقيل : أراد بيوم لبثهم ما بين النفختين ، أو لبثهم في القبور على ما تقدم . وعشرا ويوما منصوبان ب ( لبثتم ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث